النساء · الآية 167

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ»: غِطاءٌ يُسدَلُ وطَريقٌ يُصَدُّ عَنه

تَنتَقِلُ الآيةُ من الشَّهادةِ لِما أُنزِلَ إلى قَومٍ يَقِفونَ في الجِهةِ الأُخرى، فتَفتَتِحُ بِـ«إنّ» ومَوصولٍ صِلَتُه فِعلانِ ماضِيانِ تَعطِفُ الواوُ ثانِيَهُما على أوَّلِهِما: «كَفَروا وصَدّوا». والكُفرُ من ك-ف-ر، سَترٌ يُغلِقُ مَنفَذَ الظُّهورِ ويَستَمِرُّ على ما تَحتَه، وقد جاءَ الفِعلُ مُطلَقاً بِلا مَفعول، فهو وَصفٌ لِما هُم عَلَيه، والسِّياقُ يُجاوِرُه بِما شَهِدَ اللهُ لَه في الآيةِ قَبلَها. وقد خُتِمَت تِلكَ الآيةُ بِـ«وكَفى بِاللهِ شَهيداً»، ويَأتي في صَدرِ هذه «كَفَروا»، والفِعلانِ يَشتَرِكانِ في الكافِ والفاءِ ويَفتَرِقانِ في الثّالِث: هُناكَ كِفايةٌ تَسُدُّ الحاجةَ إلى شاهِدٍ آخَر، وهُنا سَترٌ يَسُدُّ مَنفَذَ الظُّهور.

و«صَدّوا» من ص-د-د، رَدٌّ صُلبٌ يَصرِفُ المُتَوَجِّهَ عن وِجهَتِه ويَثبُتُ دونَه، والفِعلُ يَأتي لازِماً ومُتَعَدِّياً: «صَدَّ عَنه» أعرَضَ عَنه بِنَفسِه، و«صَدَّه عَنه» رَدَّ غَيرَه. وقد جاءَ هُنا بِلا مَفعولٍ ظاهِر، فيَحتَمِلُ اللَّفظُ أنَّهُم أعرَضوا عن سَبيلِ اللهِ بِأنفُسِهِم، وأنَّهُم رَدّوا عَنه غَيرَهُم، والوَجهانِ قائمانِ مَعاً. وقَبلَ هذه الآيةِ جاءَ الجِذرُ في السّورةِ في ثَلاثِ آيات: وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ في الخامِسةِ والخَمسين، ويَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ في الحادِيةِ والسِّتّين، ووَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ في السِّتّينَ بَعدَ المِئة، وفي الأخيرةِ الإضافةُ نَفسُها: «عن سَبيلِ الله».

و«سَبيلُ اللهِ» من س-ب-ل، مَجرىً مَفتوحٌ مَمدودٌ يُسلَكُ إلى غايَتِه، وإضافَتُه إلى اسمِ اللهِ تُعَيِّنُه بِمَن يُنسَبُ إلَيه. فالصَّدُّ في الآيةِ واقِعٌ على مَسلَكٍ مَفتوح: رَدٌّ صُلبٌ يَقِفُ دونَ طَريقٍ لم يُغلَق، رَدَّ الصّادُّ نَفسَه عَنه أو رَدَّ غَيرَه.

«قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا»: تيهٌ يُقاسُ بِالمَسافة

وخَبَرُ «إنّ» جُملةُ «قد ضَلّوا»، و«قد» مَعَ الماضي تُثبِتُ الضَّلالَ واقِعاً قد تَمّ. والضَّلالُ من ض-ل-ل، خُروجٌ إلى مُتَّسَعٍ مُنبَسِطٍ يَنسابُ فيه الخارِجُ بِلا مُمسِكٍ حتّى تَغيبَ عَنه مَعالِمُ مَسلَكِه. فالآيةُ تَذكُرُ أوَّلاً طَريقاً مَفتوحاً وَقَعَ الصَّدُّ عَنه، ثُمَّ مُتَّسَعاً لا مَعلَمَ فيه انتَهى إلَيه الصّادّون.

ثُمَّ أُكِّدَ الفِعلُ بِمَصدَرِه «ضَلالاً»، ووُصِفَ المَصدَرُ بِـ«بَعيداً»، فهو مَفعولٌ مُطلَقٌ يُبَيِّنُ نَوعَ الضَّلالِ ومِقدارَه: الفِعلُ يُثبِتُ أنَّهُم ضَلّوا، والمَصدَرُ المَوصوفُ يَجعَلُ ضَلالَهُم مَسافةً تُقاس. والبُعدُ من ب-ع-د، مَوقِعٌ تَجاوَزَ القُربَ وثَبَتَ وَراءَه، فضَلالُهُم في مَوقِعٍ جاوَزَ قُربَ الطَّريقِ وثَبَتَ خَلفَه. وفي الآيةِ تَناسُبٌ بَينَ ما فَعَلوا وما صاروا إلَيه: الصَّدُّ رَدٌّ عن الطَّريق، وما انتَهَوا إلَيه بُعدٌ عَنه ثابِت.

«ضَلَالًا بَعِيدًا» في السّورة: من إرادةٍ وشَرطٍ إلى واقِع

و«ضَلالاً بَعيداً» تَرِدُ في السّورةِ أربَعَ مَرّات، وهذه آخِرُها. جاءَت في الآيةِ السِّتّينَ مَفعولاً مُطلَقاً لِإضلالٍ يُريدُه الشَّيطان: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وجاءَت في السّادِسةَ عَشْرةَ بَعدَ المِئةِ والسّادِسةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ جَواباً لِشَرطٍ بِـ«مَن»: فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، حُكماً مُعَلَّقاً بِكُلِّ مَن يَفعَلُ ما يَذكُرُه الشَّرط. وتَأتي هُنا خَبَراً عن جَماعةٍ عُرِفَت بِما فَعَلَت، فيَنتَقِلُ الضَّلالُ البَعيدُ في السّورةِ من مُرادٍ يُريدُه الشَّيطان، إلى حُكمٍ مَشروط، إلى واقِعٍ مُثبَتٍ بِـ«قد» في قَومٍ عُرِفوا بِأفعالِهِم.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ قَوماً بِفِعلَين: كُفرٍ من ك-ف-ر، سَترٍ يُغلِقُ مَنفَذَ الظُّهور، جاءَ بَعدَ آيةٍ خُتِمَت بِكِفايةٍ تُشارِكُه في الكافِ والفاء، وصَدٍّ من ص-د-د، رَدٍّ صُلبٍ يَحتَمِلُ أن يَكونَ إعراضاً مِنهُم وأن يَكونَ رَدّاً لِغَيرِهِم، وَقَعَ على سَبيلِ الله، وهو من س-ب-ل مَجرىً مَفتوحٌ يُسلَك. ثُمَّ تُخبِرُ عَنهُم بِـ«قد ضَلّوا»، والضَّلالُ من ض-ل-ل خُروجٌ إلى مُتَّسَعٍ لا مُمسِكَ فيه، أُكِّدَ بِمَصدَرِه ووُصِفَ بِالبُعدِ من ب-ع-د، فصارَ مَسافةً ثَبَتَت وَراءَ الطَّريق. وهذه رابِعةُ مَواضِعِ «ضَلالاً بَعيداً» في السّورةِ وآخِرُها، وفيها يَصيرُ الضَّلالُ البَعيدُ، الذي كانَ مُراداً لِلشَّيطانِ ثُمَّ حُكماً مَشروطاً، خَبَراً واقِعاً عن قَومٍ عُرِفوا بِما فَعَلوا.