النساء · الآية 70

﴿ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا

«ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ»: ما يَزيدُ على الأجر

تُشيرُ الآيةُ بِـ«ذلك» إلى ما وُصِفَ قَبلَها، وأقرَبُه صُحبةُ المُطيعينَ لِلذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، وقد تَجمَعُ الإشارةُ ما سَبَقَ ذلك من الثَّمَراتِ التي عُلِّقَت بِالفِعلِ منذُ الآيةِ السّادِسةِ والسِّتّين، والعِبارةُ تَحمِلُ الوَجهَين. واسمُ الإشارةِ لِلبَعيدِ يَرفَعُ المُشارَ إلَيه في المَنزِلة، ويَضَعُه في مَوضِعِ ما يُنظَرُ إلَيه من دونِه.

والفَضلُ من ف-ض-ل، زِيادةٌ تَنفَرِجُ عن حَدِّ الحاجةِ فتَخرُجُ مُتَمَيِّزةً عَنه، ومنه «فَضَلَ الشَّيءُ» بَقِيَ بَعدَ الكِفاية، و«الفُضالة» ما يَبقى من الشَّيء. وقد سَمَّتِ الآيةُ السّابِعةُ والسِّتّونَ العَطاءَ «أجراً»، والأجرُ ما يُستَحَقُّ على العَمَل، ثُمَّ جاءَ هُنا اسمٌ آخَرُ لِما انتَهى إلَيه الأمر: «الفَضل»، زِيادةٌ على ما يُستَحَق. فالأجرُ مِقدارٌ لِعَمَل، والفَضلُ ما يَفيضُ عن ذلك المِقدار، فإن وَقَفَتِ الإشارةُ عِندَ الصُّحبةِ مَعَ النَّبيّينَ والصِّدّيقينَ والشُّهَداءِ والصّالِحينَ كانَت مُسَمّاةً بِما يَزيدُ على الأجر، وإن جَمَعَتِ الثَّمَراتِ كُلَّها دَخَلَ الأجرُ نَفسُه في اسمِ الفَضل.

و«الفَضلُ» مُعَرَّف، وفي الجُملةِ وَجهان: أن يَكونَ «الفَضلُ» خَبَراً عن «ذلك» و«مِنَ اللهِ» خَبَراً ثانِياً، فالمَعنى: ذلك هو الفَضل، وهو من الله، وأن يَكونَ «الفَضلُ» وَصفاً لِـ«ذلك» و«مِنَ اللهِ» هو الخَبَر، فالمَعنى أنَّ ذلك الفَضلَ مَصدَرُه الله. والوَجهانِ يَلتَقِيانِ في أنَّ هذا العَطاءَ فَضلٌ، وأنَّ مَصدَرَه الله.

«وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا»: عِلمٌ يُغني عن غَيرِه

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِـ«وكَفى بِاللهِ عَليماً». والكِفايةُ من ك-ف-ي، إمساكٌ يَسُدُّ فُرجةَ الحاجةِ، ويَمتَدُّ حتّى يَسَعَها كُلَّها، ومنه «كَفاه الأمرَ» قامَ بِه فأغناه عن غَيرِه، و«اكتَفى بِالشَّيء» قَنِعَ بِه فلم يَطلُبْ سِواه. والباءُ في «بِالله» داخِلةٌ على الفاعِل، و«عَليماً» تُبَيِّنُ الجِهةَ التي تَقَعُ فيها الكِفاية: عِلمُه يُغني عن كُلِّ عِلمٍ سِواه. والعِلمُ من ع-ل-م، خَفِيٌّ يَبرُزُ فيُدرَكُ ثُمَّ يُمسَكُ في الداخِل.

وبِهذا الخِتامِ يَنعَطِفُ آخِرُ المَقطَعِ على ما قَبلَ أوَّلِه، فالآيةُ الثّالِثةُ والسِّتّونَ افتَتَحَت أمرَ القَومِ بِعِلمِ الله: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وهذه تَختِمُ بِأنَّ عِلمَه كافٍ: يَعلَمُ ما أُخفِيَ في القُلوب، ويَعلَمُ مَن يُطيعُ فيَكونُ مَعَ المُنعَمِ عَلَيهِم. وقد خُتِمَت آياتٌ أُخرى من هذه السّورةِ بِـ«وكَفى بِالله» مَعَ صِفاتٍ أُخرى: حَسيباً، ووَلِيّاً، ونَصيراً، وشَهيداً، ووَكيلاً، وجاءَت هُنا «عَليماً»، ولا تَرِدُ «وكَفى بِاللهِ عَليماً» في الكِتابِ إلّا في هذه الآية.


حَصيلة

تُشيرُ الآيةُ إلى ما انتَهى إلَيه المَقطَع، وأقرَبُه صُحبةُ المُطيعينَ لِلذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، وتُسَمّيه «الفَضل»، والفَضلُ زِيادةٌ تَفيضُ عن المِقدار، وهو اسمٌ غَيرُ الأجرِ الذي سُمِّيَ بِه العَطاءُ في الآيةِ السّابِعةِ والسِّتّين، ومَصدَرُه الله. ثُمَّ تَختِمُ بِأنَّ عِلمَ اللهِ كافٍ يُغني عن غَيرِه، فتَصِلُ آخِرَ المَقطَعِ بِالعِلمِ الذي افتُتِحَ بِه الكَلامُ عن القَومِ في الآيةِ الثّالِثةِ والسِّتّين: عِلمٍ بِما في القُلوب، وبِمَن يُطيع.