الناس · الآية 6

﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ

«من الجِنّةِ»: العالَمُ الذي لا يُرى

«الجِنّة» جَمعُ «جِنّيّ»، أو اسمٌ لِلجِنسِ كلِّه. والجذرُ ج-ن-ن في العربيّةِ يَدورُ على الاستِتارِ والاحتِجاب، ومنه «الجَنين»، وهو المُستَتِرُ في الرَّحم، و«الجَنّة»، وهي البُستانُ المُستَتِرُ بأَشجارِه، و«المِجَنّ»، وهو التُّرسُ الذي يَستَتِرُ خَلفَه المُقاتِل. والجِنُّ بهذا الإصغاءِ هم الجِنسُ الذي يَستَترُ عن أَبصارِنا، وليسوا كائناتٍ خُرافيّة، والسَّترُ صِفَتُهم الأَصليّة، لا قَهرُ القارئِ ولا إخافَتُه.

والوَسوَسةُ التي تَأتي من هذه الجِهةِ تَأتي بصورتِها الأَصليّة، خاطِراً يَسري في الصَّدرِ ولا يُعرَفُ من أَين جاء: يَجِدُ المَرءُ نَفسَه مُمتَلِئاً بكَراهيّةٍ لا يَعرفُ سَبَبَها، أو خَوفٍ لا يَستَنِدُ على شَيءٍ يُذكَر، أو شَكٍّ في يَقينٍ كانَ بَدَهيّاً قَبلَ ساعة. وهذا الجِنسُ من الخاطرِ يَأتي مِن مَوضعٍ مَستور، ولذلك يَخدَعُ مَن يَنسُبُه إلى نفسِه، والسورةُ تُبَيِّنُ أنّها ليست كلُّها منه، وأنّ منها ما يَأتيه من جِنسٍ آخَر.

«والناس»: العالَمُ الذي يُرى، وقد يَكونُ هو نَفسُه قناةَ وَسوَسة

والأَعمَقُ في الآيةِ كلمةُ «الناس» الثانية. والسورةُ كلُّها كانَت تَستعيذُ للناس: ربُّ الناس، مَلِكُ الناس، إلهُ الناس، صُدورُ الناس، ثمّ تُسَمّي في الآيةِ الأَخيرةِ «الناسَ» مَصدراً للوَسوَسة. والإنسانُ الذي يَستعيذُ قَد يَكونُ هو نَفسُه، في حَقِّ غَيرِه، الوَسواسَ الذي يُستعاذُ منه، والذي يَلوذُ قَد يَكونُ هو نَفسُه سَبَباً يَلوذُ منه آخَر.

وهذا تَنبيهٌ صادمٌ يَختِمُ به المُصحَفُ نَفسَه: الوَسوَسةُ مَسأَلةٌ تَجري بَين الناسِ بَعضِهم بَعضاً، ولا تَقِفُ عند شَياطينَ خارجَ الإنسان. والكَلِمةُ التي تُلقى في الجَلسة، والصورةُ التي تُعرَض، والصُّحبةُ التي تُختار، والمَجلسُ الذي يُحضَر، كُلُّها قَنواتٌ صالِحةٌ لِلوَسوَسة. وقد تَكون الوَسوَسةُ البَشريّةُ أَخطَرَ من غَيرِها لأنّها تَأتي بصوتٍ مَفهوم، ووَجهٍ يُعرَف، ومَنطقٍ مَقبول، والوَسواسُ الجِنّيُّ يُحَسّ على غُموضِه، والوَسواسُ البَشَريُّ يَتَنَكَّرُ في زِيِّ المَعروف.

والذِّكرُ الذي يُخنِسُ الجِنّيَّ يُخنِسُ البَشَريَّ أيضاً، ومَن صانَ صَدرَه بذِكرٍ يَسري فيه ضاقَت أَرضُ الوَسوَسةِ في صَدرِه أيّاً كانَ مَصدَرُها، والكَلامُ الذي يُلقى عليه يَنحَسِرُ كما يَنحَسِرُ الخاطِرُ الذي يَلقاه في خَلوَتِه. والسَّترُ واحد، والمَلجأُ واحد، والاسمُ واحدٌ يُسَمّى ثَلاثَ مَرّات: ربٌّ، مَلِك، إله.

المُصحَفُ يُغلَقُ على «الناس»: حَلَقةٌ تَنعَقِد

افتُتِحَ المُصحَفُ بسَعةٍ تَشمَلُ كلَّ كائن: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأُغلِقَ بضَيقٍ يَخصّ جِنسَ المُتَكَلِّم: «من الجِنّةِ والناس». والفاتحةُ صَلاةُ القارئ، والناسُ سَترُ القارئ، والأَوّلُ يَفتحُ الباب على الوُجود، والأَخيرةُ تَغلِقُه على القارئِ نفسِه ليَنامَ في حِمى.

وفي اقتِرانِ الافتتاحِ بالاختتامِ مَعنىً ثَمين، فالذي تُلوذ به في النِّهايةِ هو نَفسُه الذي بَدأَ بهِ الكتابُ كلُّه: ربُّ العالمين هو ربُّ الناس، والذي يُربّي الجَميعَ هو الذي يَستُرُك أنتَ في صَدرِكَ. ومَن قَرَأَ الكتابَ من فاتحَتِه إلى خاتمَتِه عَرَفَ أنّ الاسمَ الذي افتَتَح هو نَفسُه الذي يَختِمُ، وأنّ السَّترَ الذي يَستَتِرُ به هو إطارُ الكَونِ نَفسِه، وليس شَيئاً مَخصوصاً به في لَحظةِ ضِيق.

وتَكشِفُ البَقَرَةُ، التي تَأتي بعدَ الفاتحةِ مُباشَرَةً، هذه الصِّلةَ من الجِهةِ الأُخرى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، فالنِّداءُ في فَجرِ الكتابِ مُوَجَّهٌ للناس، والاستِعاذةُ في خِتامِه مَوضوعةٌ في فَمِ الناس، والذي يُنادى لِلعِبادةِ هو الذي يُلَقَّنُ الاستعاذة. والكتابُ يَفتَحُ بدَعوَتِه ويُغلِقُ بحِمايَتِه، ومَن استَجابَ في البَقَرَةِ وَجَدَ نَفسَه في النَّاسِ تحتَ السَّتر.

الجِذرُ يَعبُرُ الألسُن: «جِنّ» و«genie» و«genus»

والإصغاءُ إلى ج-ن-ن لا يَقفُ عِندَ حُدودِ العَرَبيّة، فالنَّواةُ الصَّوتيّةُ G-N تَحمِلُ في ألسُنٍ مُتَباعِدةٍ نَفسَ النَّبضِ: مَولِدٌ من مَنبَعٍ مَستور، وكائنٌ يَخرُجُ مِن حَيثُ لا يُرى. ففي العَربيّةِ ج-ن: الجَنينُ في الرَّحم، والجَنّةُ خَلفَ أَشجارِها، والجِنُّ خَلفَ حِجابِ الأَبصار، وفي الإنكليزيّةِ والفرنسيّةِ genie / génie، وهي في أَصلِها اللاتينيّةُ genius، اتَّخَذَتها الفَرَنسيّةُ ثُمَّ الإنكليزيّةُ اسماً لـ«الجِنّيِّ» العَرَبيِّ لِتَقارُبِ اللَّفظَين، وقد سافَرَت الكَلِمةُ ولم تُغَيِّر هَيكَلَها.

والأَعمَقُ من هذا اللُّقاءِ التاريخيِّ اللُّقاءُ في الجَذرِ ذاتِه: اللاتينيّةُ genus (الصِّنفُ، الجِنسُ المَولودُ من أَصل)، وgenesis (المَنبَع، الميلادُ الأَوّل)، وgenuine (الصَّحيحُ من حَيثُ مَنبَعِه)، كلُّها تَجتَمِعُ على نَواةٍ واحدة، هي ما يولَدُ من مَنبَعٍ يَبقى هُوَ نَفسُه مَخفيّاً، فالأَصلُ يَستَتِرُ، والمَولودُ يَخرُج. وهذا بعَينِه ما تَفعَلُه ج-ن-ن في العَربيّة: الجَنينُ يَخرُجُ من رَحمٍ لا يُرى، والجَنّةُ تُخرِجُ ثَمَرَها من تُربةٍ لا تُكشَف، والجِنُّ يَخرُجونَ من غَيبٍ لا يُختَرَق.

وعلى هذا الإصغاءِ، أَصدَقُ تَرجَمةٍ للآيةِ في الإنكليزيّةِ هي "of the jinn، those born-from-the-hidden، and of mankind"، ولا تَقِفُ عند "from jinn and mankind". والقارئُ الإنكليزيُّ الذي يَعرفُ الـgenie من طِفولَتِه، ويَعرفُ الـgenus من دَرسِ الأَحياء، ويَعرفُ الـgenesis من فاتِحةِ التَّوراةِ المُتَرجَمة، يَعرفُ تَماماً ما يُسَمّيهِ القرآنُ هنا: الصِّنفَ المَولودَ من مَنبَعٍ مَخفيّ. وهَيكَلٌ صَوتيٌّ واحدٌ G-N يَجمَعُ ألسُنَ البَشَرِ على معنىً واحد: البِذرَةُ تَنبُتُ من حَيثُ لا تُرى.

تَعبُرُ الكَلِمةُ ألسُنَ البَشَرِ ويَبقى مَعناها ثابِتاً في هَيكَلِها الصَّوتيّ، والقرآنُ يَتَكَلَّمُ بالعَربيّة، غَيرَ أنّ البِذرةَ التي يُسَمّيها هي البِذرةُ ذاتُها التي يَعرفُها كُلُّ لِسان.

آخِرُ الكلامِ: قُلْها

بَدأَت السورةُ بـ«قُل»، وكلُّ ما تَلا بَين هذا الأَمرِ وآخِرِ آيَةٍ في المُصحَفِ هو الكَلامُ الذي يَنبَغي أن يُقال. والقارئُ الذي وَصَلَ إلى آخِرِ الآيةِ السادسةِ قد قالَ كلَّ ما لُقِّن: وَضَعَ لِسانَه على الأَسماءِ الثَّلاثة، وعَلى الفِعلَين («الوَسواس»، «الخَنّاس»)، وعَلى المَوضع («صُدور الناس»)، وعَلى المَصدَرَين («الجِنّةِ والناس»)، ولم يَبقَ شَيءٌ غَيرُ مُسَمّى.

والقَولُ في القرآنِ غَيرُ صَوتٍ يَتَلاشى، وهو في الجذرِ ق-و-ل قَطعٌ يَنبَعِثُ من الصَّدرِ ويَتَّصِلُ بِمَوضعِه. ومَن قالَ هذه السورةَ بصِدقٍ وَضَعَ في صَدرِه ما يَلتَصِقُ بهِ ولا يُفارِقُه: ثَلاثةَ أَسماءٍ تَلوذُ بها، واسماً مُكَرَّراً يَنحَسِرُ، ومَوضِعاً يُذكَر، وهذا ما يَفعَلُه قَولُ هذه السورة.

ويَختِمُ المُصحَفُ على هذا ولا يَزيد، كَأَنّه يَقولُ للقارئ: ما عُلِّمتَه يَكفي، وأَنتَ الآنَ في حِمى. والذي افتَتَحَ بـ«الحمدُ لله» قد أَدخَلَكَ في كَنَفِه حتّى إذا ضاقَ صَدرُكَ جَعَلَ خاتمةَ كتابِه بَيتاً تَأوي إليه، والكتابُ كلُّه ضِيافة، وآخِرُ آيَةٍ فيه مِفتاحُ الغُرفةِ التي تَنامُ فيها.


حَصيلة

تُغلِقُ الآيةُ الأَخيرةُ من السورةِ الأَخيرةِ الكَوّةَ التي بَقيَت، وهي مَصدَرُ الوَسوَسة، ولا تَفتَحُ باباً جَديداً. وهذا المَصدَرُ يَأتي من جِهَتَين، لا من جِهةٍ واحدة. و«الجِنّة» في جذرها (ج-ن-ن) الجنسُ الذي يَستَتِر، وليست كائناتٍ خُرافيّة: من الجَذرِ نفسِه «الجَنين» في الرَّحم، و«الجَنّة» خَلفَ أَشجارِها، و«المِجَنّ» التُّرسُ يَستَتِرُ خَلفَه المُقاتِل، والصِّفةُ الجامعةُ هي الاحتجابُ لا القُوّة. والوَسوَسةُ من هذه الجِهةِ تَأتي بصورتِها الأَصليّة، خاطِراً يَنبُتُ في الصَّدرِ من غَير مَنبِتٍ يُعرَف. ثُمّ تَأتي الكلمةُ الأَعمَق: «والناس». فالسورةُ كلُّها كانَت تَستعيذُ للناس (ربُّ الناس، مَلِكُ الناس، إلهُ الناس، صُدورُ الناس)، فإذا بها في الكلمةِ الأَخيرةِ تُسَمّيهم مَصدَراً للوَسوَسة، والذي يَلوذُ قَد يَكونُ هو نَفسُه، في حَقِّ غَيرِه، الوَسواسَ الذي يُلاذُ منه: كَلِمةٌ في مَجلس، وصورةٌ تُعرَض، ونَبرةُ احتقار، وصُحبةٌ تُختار. والوَسوَسةُ البَشَريّةُ قَد تَكونُ أَخطَرَ من غَيرِها، لأنّها تَأتي بصَوتٍ مَفهومٍ ووَجهٍ يُعرَف، والذِّكرُ الذي يُخنِسُ الجِنّيَّ يُخنِسُ البَشَريَّ أيضاً. ويَعبُرُ الجَذرُ ج-ن-ن ألسُنَ البَشَر: genie في الإنكليزيّةِ اسمٌ لـ«الجِنّيِّ» العَرَبيِّ على لَفظٍ لاتينيّ، وgenus اللاتينيّةُ تَجمَعُ الصِّنفَ المَولودَ من أَصل، وgenesis مَنبَعَ الميلاد، وكلُّها تَجتَمِعُ على نَواةٍ واحدةٍ هي نَواةُ الجَذرِ العَرَبيّ: المَولودُ من مَنبَعٍ يَستَتِر. وافتَتَحَ المُصحَفُ بسَعةِ الرُّبوبيّةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وأُغلِقَ بضَيقِ المَوضعِ الذي يَحتاجُ إلى السَّتر: «من الجِنّةِ والناس»، فالافتِتاحُ سَقفٌ على كلِّ الوُجود، والخِتامُ غُرفةٌ على صَدرٍ واحد. ومَن قَرَأَ من الفاتحةِ إلى الناسِ وَجَدَ أنّ الذي يَحمِلُ السَّقفَ هو الذي يَحمِلُ الغُرفة، والكتابُ كلُّه ضِيافة، وآخِرُ آيَةٍ فيه مِفتاحُ الغُرفةِ التي تَنامُ فيها.