طه · الآية 133

﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ

«وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا»: الأداةُ نَفسُها تَعمَلُ عَمَلاً آخَر

الواوُ ثُمَّ فِعلُ قَولٍ مُسنَدٌ إلى جَماعةٍ لا تُسَمّى، ولا يُبَيَّنُ مَن هُم ولا كَم هُم ولا مَتى قالوا.

و«لَوْلَا» هي أداةُ الآيةِ الرّابِعةِ قَبلَ هذه، وقد كانَت هُناكَ داخِلةً على اسمٍ فأفادَتِ امتِناعَ شَيءٍ لِوُجودِ آخَر، وهي هُنا داخِلةٌ على مُضارِعٍ فتُفيدُ الحَضَّ والاستِبطاء، فهي لَفظٌ واحِدٌ لَه وَظيفَتان، والفارِقُ ما بَعدَه.

و«يَأْتِينَا» من أ-ت-ي، وأصلُه مُفارَقةُ مَوضِعٍ وسَرَيانٌ إلى مَوضِعٍ يُلاقى بِدِقّة، وقد طَلَبوا حَرَكةً تَنتَهي إلَيهِم هُم، وذلك ضَميرُ «نا».

ولم يُخاطِبوه، فقد قالوا «يَأْتِينَا» بِالغَيبةِ وهُم يَطلُبونَ مِنه، فتَكَلَّموا عنه لا مَعَه.

«بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ»: طَلَبٌ نَكِرةٌ ونِسبةٌ تُبعِدُهُم

و«آيَةٍ» نَكِرةٌ مُفرَدة، لم يُعَيِّنوا أيَّ آيةٍ هي ولا ما جِنسُها ولا ما مِقدارُها، والمَطلوبُ واحِدةٌ ما.

وفي هذا التَّنكيرِ سِعَةٌ عَلَيهِم لا لَهُم، لأنَّ مَن طَلَبَ شَيئاً بِعَينِه أمكَنَ أن يُقالَ لَه هذا هُوَ أو لَيسَ هُوَ، ومَن طَلَبَ أيَّ شَيءٍ لم يَعرِفْ بِمَ يُقنَع.

ثُمَّ «مِّن رَّبِّهِ» بِضَميرِ الغائِب، أي رَبُّه هو، وقد عَدَلوا عن «رَبِّنا» وعن «الرَّبّ»، فوَضَعوا النِّسبةَ في جِهةٍ لَيسوا فيها.

ويُقابِلُه ما جاءَ قَبلَ سِتِّ آيات، إذ وُصِفَ مَن أسرَفَ بِأنَّه وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾، فهُناكَ آياتٌ مَنسوبةٌ إلى رَبِّ مَن أعرَضَ عنها، وهُنا آيةٌ تُطلَبُ من رَبِّ مَن يُطالَبُ بِها.

«أَوَلَمْ تَأْتِهِم»: فِعلُهُم يُرَدُّ عَلَيهِم مَقلوبَ الضَّمير

ثُمَّ هَمزةُ استِفهامٍ وواوٌ ونَفي، والجَوابُ يَأخُذُ فِعلَهُم نَفسَه من أ-ت-ي فيُعيدُه عَلَيهِم، ولا يَأتي بِفِعلٍ جَديد.

وقالوا «يَأْتِينَا» بِنونِ المُتَكَلِّمين، فجاءَ «تَأْتِهِم» بِهاءِ الغائِبين، وقد تَكَلَّموا عنه بِالغَيبةِ فأُجيبوا بِالغَيبة، فالكَلامُ يُدارُ عَلَيهِم كما أداروه.

وقالوا «يَأْتِي» بِالتَّذكيرِ لِرَجُلٍ يُشيرونَ إلَيه، فجاءَ «تَأْتِ» بِالتَّأنيثِ لِشَيءٍ لَيسَ بِرَجُل، وقد طَلَبوا حامِلاً فجاءَ الجَوابُ بِمَحمول.

والاستِفهامُ مَعَ النَّفيِ يُقَرِّرُ ما دَخَلَ عَلَيه، فالجُملةُ تُثبِتُ مَجيئاً وَقَع.

«بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ»: يُذكَرُ الوِعاءُ ولا يُذكَرُ ما فيه

وطَلَبوا «آيَة» فجاءَ الجَوابُ بِـ«بَيِّنَة»، وهُما كَلِمَتانِ مُختَلِفَتانِ في الآيةِ نَفسِها، فلا يُقالُ إنَّ الجَوابَ أعطاهُمُ اللَّفظَ الذي سَألوه.

وب-ي-ن انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عمّا حَولَه، فالبَيِّنةُ ما يَفصِلُ شَيئاً عَمّا يُلابِسُه حتّى يَتَمَيَّز، وهي زِيادةُ حَدٍّ، لا زِيادةُ ضَوء.

وجاءَت مُفرَدةً مُضافةً إلى «مَا»، والاسمُ المَوصولُ لا صِلةَ لَه إلّا ظَرف: «فِي الصُّحُفِ»، فالمُضافُ إلَيه مَجهولُ المُحتَوى مَعلومُ المَوضِع.

و«الصُّحُفُ» من ص-ح-ف، وأصلُه سَطحٌ مُمسِكٌ يَنبَسِطُ عَلَيه ما يَتَفَرَّق، فالكَلِمةُ تُسَمّي المَحمِلَ لا المَحمول.

و«الْأُولَىٰ» من أ-و-ل، وأصلُه مَرجِعٌ يُعَلَّقُ بِه ما صَدَرَ عنه، فالوَصفُ يُقَدِّمُها في الرُّتبةِ ولا يُؤَرِّخُها.

ولا يُسَمّى في الآيةِ كِتابٌ ولا صاحِبُه ولا عَدَدُ الصُّحُفِ ولا ما فيها. والمَذكورُ سَطحٌ يُكتَبُ عَلَيه، وُصِفَ بِأنَّه أوَّل، ووُقِفَ عِندَ ذلك، ومَن سَمّى شَيئاً مِنها فقد كَتَبَ على صَحيفةٍ لم يُكتَبْ عَلَيها في هذا المَوضِع.

فقد طَلَبوا واحِدةً بَعدُ، وأُجيبوا بِأنَّ ما مَضى قد أتى.


حَصيلة

فِعلُ قَولٍ لِجَماعةٍ لا تُسَمّى، ثُمَّ «لَولا»، وهي أداةُ الآيةِ الرّابِعةِ قَبلَ هذه، دَخَلَت هُناكَ على اسمٍ فأفادَتِ امتِناعاً، وتَدخُلُ هُنا على مُضارِعٍ فتُفيدُ حَضّاً واستِبطاء، فهي لَفظٌ واحِدٌ لَه وَظيفَتان. و«يَأْتِينَا» من أ-ت-ي، وهو مُفارَقةُ مَوضِعٍ وسَرَيانٌ إلى مَوضِعٍ يُلاقى بِدِقّة، وقد طَلَبوا حَرَكةً تَنتَهي إلَيهِم، وتَكَلَّموا عن صاحِبِها بِالغَيبةِ لا مَعَه. و«آيَةٍ» نَكِرةٌ مُفرَدةٌ لا يُعَيَّنُ جِنسُها ولا قَدرُها، و«مِن رَبِّهِ» نِسبةٌ وُضِعَت في جِهةٍ لَيسوا فيها. ثُمَّ جاءَ الجَوابُ بِفِعلِهِم نَفسِه مَقلوبَ الضَّمير، فقالوا «يَأتينا» فقيلَ «تَأتِهِم»، وقالوها بِالتَّذكيرِ لِحامِلٍ فجاءَت بِالتَّأنيثِ لِمَحمول، والاستِفهامُ مَعَ النَّفيِ يُقَرِّرُ ما دَخَلَ عَلَيه. وطَلَبوا «آية» فأُجيبوا بِـ«بَيِّنة»، وهي من ب-ي-ن، ومَعناه انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عَمّا يُلابِسُه، فالمُعطى زِيادةُ حَدٍّ لا زِيادةُ ضَوء. وأُضيفَت إلى اسمٍ مَوصولٍ لا صِلةَ لَه إلّا ظَرف، فالمُحتَوى مَجهولٌ والمَوضِعُ مَعلوم. و«الصُّحُف» من ص-ح-ف، وهو سَطحٌ مُمسِكٌ يَنبَسِطُ عَلَيه ما يَتَفَرَّق، فالكَلِمةُ تُسَمّي المَحمِلَ لا المَحمول، و«الأولى» من أ-و-ل، وهو مَرجِعٌ يُعَلَّقُ بِه ما صَدَرَ عنه، فهو تَقديمٌ في الرُّتبةِ لا تَأريخ. ولا يُسَمّى كِتابٌ ولا صاحِبُه ولا يُذكَرُ ما فيه. وقد سَألوا عن آيةٍ لم تَجِئْ بَعد، فقيلَ لَهُم إنَّ الحُجّةَ جاءَت من قَبل.