طه · الآية 132

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ

«وَأْمُرْ أَهْلَكَ»: بَعدَ نَهيٍ عن عَينِه أمرٌ في أهلِه

في الآيةِ التي قَبلَها نَهيٌ عن مَدِّ عَينٍ إلى ما عِندَ غَيرِه، وهذه أمرٌ يُوَجَّهُ إلى ما عِندَه هو، والعَينُ تُرَدُّ عن البَعيدِ ويُشغَلُ صاحِبُها بِالقَريب.

و«أَهْلَكَ» من أ-ه-ل، وأصلُه مَن نَزَلَ بِمَوضِعٍ فحازَه ولَزِمَه فصارَ مِنه، فالأهلُ مَن لَزِموا مَوضِعاً حتّى صاروا مِنه، وليسوا مَن يُنسَبونَ بِنَسَب.

وهذا اللَّفظُ قد وَرَدَ في هذه السّورةِ في أوَّلِ الخَبَر، في خَبَرِ رَجُلٍ رأى ناراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾، فهُناكَ يُؤمَرُ أهلُه بِأن يَلبَثوا حَيثُ هُم بَينَما يَذهَبُ هو، وهُنا يُؤمَرُ المُخاطَبُ أن يَأمُرَ أهلَه بِأمرٍ يَقومونَ بِه ويَقومُ هو مَعَهُم.

وعُدِلَ عن «صَلِّ بِأهلِك» وعن «مُرْهُم فأطِعْ» إلى الأمرِ بِأمرِهِم، ثُمَّ خوطِبَ هو بِشَيءٍ آخَر.

«بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا»: أمرٌ لِغَيرِه وحَملٌ عَلى نَفسِه

و«الصَّلاةُ» من ص-ل-و، وهي رابِطةٌ صُلبةٌ مَمدودةٌ تَشُدُّ طَرَفَينِ فلا تَنفَصِم، وقد جاءَت مَعرِفةً بِالألِفِ واللّام، مَعروفةً بِاسمِها لا مَوصوفةً بِهَيئة.

ثُمَّ «وَاصْطَبِرْ»، وهي من ص-ب-ر على وَزنِ افتَعَلَ، أُبدِلَت تاؤُه طاءً بَعدَ الصّاد، وافتَعَلَ صيغةٌ تَرُدُّ الحَدَثَ على فاعِلِه وتَجعَلُه مَأخوذاً على النَّفس، فالمُرادُ صَبرٌ يَتَوَلّاه، وليسَ صَبراً يَقَعُ بِه.

وقد جاءَ من هذا الجَذرِ في السّورةِ نَفسِها قَبلَ آيَتَينِ فِعلٌ على أصلِ البِناء، إذ أُمِرَ أن يَصبِرَ على قَولٍ يُقالُ فيه، ثُمَّ أُمِرَ هُنا بِالصّيغةِ الأثقَل، فالأخَفُّ لِما يَأتيهِ من خارِج، والأثقَلُ لِما يَقومُ بِه هو.

و«عَلَيْهَا» لِلاستِعلاءِ كَما كانَت هُناك، فهو يَقومُ فَوقَ الرّابِطةِ لا تَحتَها.

«لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ»: نَفيٌ ثُمَّ ضَميرٌ مُنفَصِلٌ ثُمَّ الفِعلُ نَفسُه

وجاءَتِ الجُملةُ بَعدَ الأمرَينِ بِلا عاطِف، مُستَأنَفةً كأنَّها جَوابُ سُؤالٍ لم يُنطَقْ بِه.

و«لَا نَسْأَلُكَ» نَفيُ طَلَب، وس-أ-ل طَلَبٌ يَخرُجُ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِالمَطلوبِ مِنه فلا يُفلِتُه، فالمَنفِيُّ ذلك التَّعَلُّق، أي لا يُوضَعُ على المُخاطَبِ طَلَبٌ يَلزَمُه.

و«رِزْقًا» نَكِرة، وليسَ في الآيةِ ما يُقَيِّدُها.

ثُمَّ «نَّحْنُ نَرْزُقُكَ»، والضَّميرُ المُنفَصِلُ قَبلَ الفِعلِ لا يُزادُ عَبَثاً، فهو يُقَدَّمُ فيَحصُرُ الفِعلَ في صاحِبِه. ولَو جاءَ «نَرزُقُكَ» وَحدَه لَتَمَّ المَعنى، وبِتَقديمِ الضَّميرِ صارَ الرِّزقُ مَنسوباً إلى جِهةٍ واحِدة.

والمادّةُ واحِدة، فقد نُفِيَ الطَّلَبُ بِاسمٍ من ر-ز-ق، ثُمَّ أُثبِتَ الفِعلُ من ر-ز-ق، فالكَلِمةُ التي لا تُطلَبُ مِنه هي الكَلِمةُ التي تُعطى لَه.

وقد جاءَ هذا الجَذرُ في الآيةِ التي قَبلَها في وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾، فذُكِرَ هُناكَ اسماً ويُذكَرُ هُنا فِعلاً يَقَع.

«وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ»: خِتامٌ يُعطي الآخِرةَ لِوَصفٍ لا لِقَوم

و«الْعَاقِبَةُ» من ع-ق-ب، ومَدارُه على لاحِقٍ يَلتَصِقُ بِسابِقِه فيَجيءُ في أثَرِه، ومِنه «العَقِبُ» لِمُؤَخَّرِ القَدَمِ الذي يَلي ما قَبلَه، فالعاقِبةُ ما يَجيءُ في آخِرِ الأمرِ لاصِقاً بِه، لا شَيءٌ يُؤتى بِه من خارِجِ الأمر.

واللّامُ في «لِلتَّقْوَىٰ» لِلاختِصاصِ والمِلك.

و«التَّقْوَىٰ» من و-ق-ي، وأصلُه حاجِزٌ مُحكَمٌ مَوصولٌ بِصاحِبِه يَسري مَعَه، فالمادّةُ حِمايةٌ لا خَوف.

وجاءَ «لِلتَّقْوَىٰ» دونَ «لِلمُتَّقين». فقد أُعطِيَتِ العاقِبةُ لِوَصفٍ لا لِأصحابِه، وهذا يُقرَأُ ولا يُبَدَّل: النِّهايةُ مُلكٌ لِلحاجِزِ نَفسِه، فمَن كانَ فيه كانَ لَه مِنها بِقَدرِ ما فيه.

وآخِرُ الشَّيءِ يَلحَقُ بِأوَّلِه كَما يَلحَقُ العَقِبُ بِالقَدَم.


حَصيلة

بَعدَ نَهيٍ عن مَدِّ عَينٍ إلى ما عِندَ غَيرِه يَجيءُ أمرٌ في أهلِه، و«الأهلُ» من أ-ه-ل، وهو مَن نَزَلَ بِمَوضِعٍ فحازَه ولَزِمَه فصارَ مِنه، وهو اللَّفظُ الذي جاءَ في أوَّلِ خَبَرِ هذه السّورةِ لِقَومٍ أُمِروا بِاللُّبثِ بَينَما مَضى صاحِبُهُم. و«الصَّلاةُ» من ص-ل-و، وهي رابِطةٌ صُلبةٌ مَمدودةٌ تَشُدُّ طَرَفَينِ فلا تَنفَصِم، وقد جاءَت مَعرِفةً بِاسمِها. ثُمَّ «واصطَبِرْ» من ص-ب-ر على وَزنِ افتَعَلَ، وهي صيغةٌ تَرُدُّ الحَدَثَ على فاعِلِه فيَتَوَلّاه بِنَفسِه، وقد جاءَ من الجَذرِ نَفسِه قَبلَ آيَتَينِ فِعلٌ على أصلِ البِناءِ لِما يَأتيهِ من خارِج، فالأثقَلُ هُنا لِما يَقومُ بِه هو، و«عَلَيها» لِلاستِعلاءِ كَما كانَت هُناك. ثُمَّ جُملةٌ تُستَأنَفُ بِلا عاطِف، فيها نَفيُ طَلَبٍ من س-أ-ل، وهو طَلَبٌ يَخرُجُ فيَتَعَلَّقُ بِالمَطلوبِ مِنه، والمَنفِيُّ ذلك التَّعَلُّقُ نَفسُه، والمَطلوبُ المَنفِيُّ نَكِرة. ثُمَّ ضَميرٌ مُنفَصِلٌ مُقَدَّمٌ يَحصُرُ الفِعلَ في صاحِبِه، والفِعلُ من المادّةِ التي نُفِيَ بِها الطَّلَب، فالكَلِمةُ التي لا تُطلَبُ مِنه هي التي تُعطى لَه، وقد جاءَت في الآيةِ التي قَبلَها اسماً وتَجيءُ هُنا فِعلاً واقِعاً. ثُمَّ الخِتام: «العاقِبةُ» من ع-ق-ب، وهو لاحِقٌ يَلتَصِقُ بِسابِقِه فيَجيءُ في أثَرِه، وتُعطيها لامُ الاختِصاصِ «لِلتَّقوى»، وهي من و-ق-ي، أي حاجِزٌ مُحكَمٌ مَوصولٌ بِصاحِبِه، ولَم تُعطَ لِأصحابِ الوَصف. وآخِرُ الأمرِ يَلحَقُ بِأوَّلِه كَما يَلحَقُ العَقِبُ بِالقَدَم.