النبأ · الآية 18

﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا

«يَوْمَ»: بَدَلٌ يَفتَحُ الحِصّةَ على ما فيها

وعادَتِ الكَلِمةُ نَفسُها في صَدرِ الآية، فقد كانَ اليَومُ في الآيةِ السّابِقةِ مُضافاً إلى «الفَصل»، وهو الآنَ مُضافٌ إلى جُملةٍ كامِلة: «يُنفَخُ فِي الصُّورِ»، فما كانَ يُعَرَّفُ بِاسمٍ صارَ يُعَرَّفُ بِمَشهَد.

وهذا شَأنُ ي-و-م: حِصّةٌ لَها طَرَفانِ تَجري فيها الأحداثُ ثُمَّ تَلتَئِم، فإذا وُصِفَت بِحَدَثٍ داخِلِها انفَتَحَ ما كانَ مُجمَلاً، إذ الاسمُ يُغلِقُ والجُملةُ تَفتَح.

«يُنفَخُ فِي الصُّورِ»: فِعلٌ بِلا فاعِلٍ يُسَمّى

والفِعلُ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فلم يُذكَرْ مَن يَنفُخ، ولا كَم يَنفُخ، ووُضِعَ الحَدَثُ وَحدَه في الوَسَط، ومَن سَأَلَ عَنِ النّافِخِ فقد سَأَلَ عَمّا لم تَقُلْه الآية.

والنَّفخُ في ن-ف-خ إمدادٌ يَخرُجُ من جَوفٍ في مَنفَذٍ ضَيِّقٍ فيَختَرِقُ جَوفاً آخَرَ فيُخَلخِلُه، ففي الكَلِمةِ ثَلاثُ حَرَكاتٍ: خُروجٌ من باطِن، ومُرورٌ في مَضيق، ثُمَّ تَخَلخُلٌ فيما دَخَلَه. ولِهذا يُقالُ «انتَفَخَ» لِما اتَّسَعَ جَوفُه بِما دُخِلَ فيه، فالنَّفخُ يُغَيِّرُ المَنفوخَ فيه، ولا يَقتَصِرُ على التَّصويت.

و«الصُّور» في ص-و-ر جَوفٌ صُلبُ الحَدِّ يَجري فيه ما يَنفُذُ خِلالَه، فهو حَدٌّ يَحوزُ فَراغاً. ولم تَصِفِ الآيةُ هَيئَتَه ولا مادَّتَه ولا مَن يُمسِكُه، فيُقتَصَرُ على ما قالَته: مَحَلٌّ مَحوزٌ يُنفَخُ فيه فيَخرُجُ عَنه ما يَعُمّ.

«فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا»: من غائِبٍ مَجهولٍ إلى مُخاطَبٍ يَجيء

ثُمَّ انقَلَبَتِ الجِهة، فبَعدَ الكَلامِ عن فِعلٍ لا فاعِلَ لَه جاءَتِ الفاءُ تُرَتِّب، ووَقَعَ الخِطابُ على المُخاطَبين: «فَتَأْتُونَ». والفاءُ لا تُمهِل، والإتيانُ في أ-ت-ي انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه.

وأوثِرَ «تَأتون» على «تُخرَجون» و«تُساقون»، فالفِعلُ مُسنَدٌ إلى ضَميرِ المُخاطَبين، والنَّفخُ لا فاعِلَ لَه في اللَّفظ، والمَجيءُ فاعِلُه المُخاطَبونَ أنفُسُهُم، فهُناكَ جَوفٌ يُنفَخُ فيه، وهُنا أقدامٌ تَجيء.

و«أفواجاً» من ف-و-ج، وهو كُتلةٌ مُجتَمِعةٌ تَجري نافِذةً مُتَّصِلة، فالفَوجُ مَوجةٌ، لا صَفٌّ مَعدود، وقد جاءَ جَمعاً نَكِرة، أي مَوجاتٍ يَتلو بَعضُها بَعضاً بِلا عَدَدٍ يُذكَر، فالذي خَرَجَ من جَوفٍ واحِدٍ يَرُدُّ النّاسَ مَوجاً بَعدَ مَوج.


حَصيلة

أعادَتِ الآيةُ «يَوْمَ» وأضافَته هذه المَرّةَ إلى جُملةٍ دونَ اسم، فالحِصّةُ تُعَرَّفُ بِمَشهَدٍ يَجري فيها. والفِعلُ «يُنفَخُ» مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فلا نافِخَ في اللَّفظِ ولا عَدَد. والنَّفخُ في ن-ف-خ إمدادٌ من جَوفٍ يَمُرُّ في مَضيقٍ فيُخَلخِلُ جَوفاً آخَر، و«الصُّور» في ص-و-ر جَوفٌ تَحوزُه صَلابةٌ يَنفُذُ مِنه ما جَرى فيه، ولم توصَفْ هَيئَتُه. ثُمَّ انقَلَبَتِ الجِهةُ بِالفاء: «فَتَأْتُونَ»، فأُسنِدَ المَجيءُ إلى المُخاطَبينَ أنفُسِهِم بَعدَ فِعلٍ لا فاعِلَ لَه، والإتيانُ في أ-ت-ي انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه. و«أفواجاً» من ف-و-ج مَوجاتٌ تَجري مُتَّحِدةً وتَتَتابَع، والمَشهَدُ نَفخةٌ في جَوفٍ واحِد، وخَلقٌ يَرِدُ مَوجاً بَعدَ مَوج.