الفاتحة · الآية 5

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

الالتفاتُ من الغَيبةِ إلى الحُضور: أدبٌ بلاغيٌّ وأدبٌ رُوحيّ

«الالتفات» في البلاغةِ العربيّةِ اسمٌ لنَقلِ الخطابِ من ضميرٍ إلى آخَر، وهو مُستعمَلٌ في القرآنِ استعمالاً دقيقاً، لا اعتباطاً. ووَقَعَ في الفاتحةِ في الآيةِ الخامسةِ بالذات، لأنّ هذا هو الموضعُ الذي يَكتمِلُ فيه ثَناءٌ ويَبدأُ فيه طَلَب، فالقارئُ يَدخلُ في الطلبِ بعد أن يَكون قد بَنى الأَساسَ بثَلاثِ آياتٍ من الثناءِ، ثمّ تَذكّرَ اليَومَ المَوعود، فلا يَبلُغُه فجأةً.

وفي هذا أدبٌ رُوحيٌّ يَصحَبُ الأدبَ اللُّغويّ، فالحُضورُ يَنالُه المُصغي بعد أن يَستحِقَّه، ولا يُنالُ بالادّعاء، ولا يَحسُنُ أن يُقالَ «أنت» قبل أن يُعرَفَ مَن يُقالُ له «أنت». ولذلك تَبني الفاتحةُ المَعرفةَ أوّلاً، ثمّ تَأذَنُ بالمُكالَمة.

«نَعبد» قبل أن يَستقِرّ على الاصطلاحِ الحديث

و«العبادة» تَنحصِرُ في الاستعمالِ الحديثِ غالباً في الشَّعائر: الصلاة، والصيام، وما يَفعلُه المَرءُ في المَسجد، والكلمةُ في جذرِها العربيّ أوسَعُ من ذلك، إذ يَدلّ «عَبَدَ» في اللسانِ على الخُضوعِ والانقياد، ومنه «عَبَّدَ الطريقَ» أي ذَلَّلَه وَمَهَّدَه حتى صار سَهلَ السُّلوك. فـ «العَبْد» في الأصلِ هو المُنقادُ الذي تَنقادُ إرادتُه كما تَنقادُ الأرضُ تحتَ أقدامِ السَّالك، انقيادَ تَذليلٍ طَوعيٍّ لا تَعاصِيَ فيه ولا تَمرُّد.

فـ «نَعبد» على هذا الإصغاءِ أوسَعُ من ركعةٍ وسَجدة، وإن كانتا من أعلى صُوَرِها، إذ هي إعلانٌ بأنّ الإرادةَ التي في داخلِ القارئِ قد ذَلَّت طَوعاً لهذا الاسم وحدَه، فهو يَمشي في طريقٍ مُعبَّدٍ باتّجاهِ هذا الوَجه، ويَرفُضُ أن يَمشيَ في طريقٍ مُعبَّدٍ باتّجاهِ سِواه. ومن هنا كان الحَصرُ في «إيّاكَ»، فالإنسانُ قد يَخضعُ لكثيرٍ من الناس في كثيرٍ من الأحوال، غيرَ أنّ الخُضوعَ الذي يَبني منه حياتَه، ويُعبِّدُ له إرادتَه بالكُلّيّة، لا يَكونُ إلّا لهذا الواحد.

وما تُعلِنُه الفاتحةُ هنا في الباطنِ تَأمُرُ به البقرةُ في الظاهر، فأوّلُ نِداءٍ يَفتتحُ به اللهُ خِطابَه للناسِ كافّةً في البقرة هو يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. فالفاتحةُ تَقولُ «نَعبد» إقراراً، والبقرةُ تَقولُ «اعبُدوا» تكليفاً، والعِلّةُ مَكشوفةٌ في الصِّلة: «الَّذي خَلَقَكُم». والعبادةُ في القرآن على هذا جوابٌ مَنطقيٌّ على فِعلِ الخَلق، وليست طَقساً يُختار، إذ مَن وَجَدَ نفسَه مَخلوقاً عَلِمَ أنّ إرادتَه ليست مُلكاً له ابتداءً، فأرجَعَها طَوعاً إلى مَن أَخرَجَها. ولذلك جاءَ الفعلُ في البقرةِ بصيغةِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ بنفسِ تقديمِ الضميرِ الذي في الفاتحة، فحَصرُ الوَجهةِ هو ذاتُه في الإقرارِ والتكليف.

«نَستعين»: لماذا تَلي العبادةَ، لا تَسبِقُها

والترتيبُ العاديُّ في الحياةِ اليوميّةِ أن يَطلبَ المَرءُ العَونَ ليَفعل، لا أن يَفعلَ ثمّ يَطلبَ العَون، وقد عَكَسَت الفاتحةُ هذا الترتيب، فجاءَ «نَعبدُ» أوّلاً، و«نَستعين» ثانياً، وفي ذلك عِدّةُ وُجوه:

أوّلُها أنّ الإنسانَ لا يَستعينُ بمَن لا يَعرفُه، فإنّما أَذِنَ له الكتابُ بطَلبِ العَون بعد أن أَذِنَ له بالعبادة، لأنّ العِبادةَ هي التي تَبني النِّسبة. وثانيها أنّ العبادةَ نفسَها لا تَنعقدُ إلّا بعَونِه تَعالى، فيَقعُ الترتيبُ الظاهريُّ «نَعبدُ ثمّ نَستعين» على ترتيبٍ باطنيٍّ خَفيّ، هو أنّه لا عبادةَ إلّا بعَون، ولا عَونَ يُطلَبُ إلّا من مَعبود. وثالثُها أنّ العبادةَ حَقٌّ عليه تَعالى، والاستعانةَ حاجةٌ فينا، فيُبدَأُ بما له، ثمّ يُذكَرُ ما لنا.

ثمّ يَأتي الجوابُ على «نَستعين» في البقرةِ مَرّتَين، بنفسِ الفعلِ، لِيَكشفَ كيف يَكونُ السَّنَدُ المَطلوب: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. فالفاتحةُ تَطلبُ، والبقرةُ تَدُلُّ على البابَين اللذَين يَدخلُ منهما العَون: صَبرٌ يَحفظُ القلبَ من التَّفلُّتِ تحتَ الضَّغط، وصَلاةٌ تُجَدِّدُ الصِّلةَ بمَن وَحدَه يُعين. والمَحَلُّ يُهَيَّأُ بهَذَين الفِعلَين حتى يَجِدَ العَونُ مَوضِعاً يَستقِرُّ فيه، إذ لا يُطلَبُ السَّنَدُ من خارجٍ ثمّ يُنتظَرُ نُزولُه على قلبٍ غافلٍ مُتشتِّت، ولذلك أجابَت البقرةُ طَلَبَ الفاتحةِ بالأداةِ التي يُفتَحُ بها الباب.

ضميرُ الجمعِ: «نَعبدُ»، لا «أعبُد»

وجاءَ الفعلانِ بضميرِ الجماعة: «نَعبدُ… نَستعين»، ولو قالَ الكتابُ: «إيّاكَ أعبُدُ وإيّاكَ أستعين» لكانت العبادةُ فَردانيّةً مَحضة، يَقِفُ فيها القارئُ وحدَه. والقارئُ في لحظةِ قراءةِ الفاتحةِ قد يَكون وَحيداً في بيتِه، غيرَ أنّه لا يَنطِقُ «نَعبدُ» إلّا وهو يَستحضِرُ كلَّ من يَعبدُ هذا الواحدَ في أيِّ مكانٍ من الأرض.

وفي هذا الضميرِ الواحدِ يَتّصِلُ الفَردُ بمن يَشتركُ معه في الوَجهة، فيَدخلُ في جماعةٍ تَنعقِدُ بوَجهةٍ مُشتركة، دونَ الحُدودِ الجُغرافيّةِ والعائليّةِ والقَبليّة. و«نَحن» هنا «نَحن المُوَجِّهين»، وهي غيرُ «نَحن الأُمّة» بالمعنى الاصطلاحيّ الذي اسْتَقَرّ لاحقاً، فكلُّ قلبٍ يَصدُقُ في هذه الآيةِ يَدخلُ في هذا الجَمع.


حَصيلة

وهُنا يَتَغَيَّرُ الضَّميرُ فَجأةً، فقد كانَتِ الآياتُ الأَربَعُ السّابِقةُ تَتَكَلَّمُ عَنه بِضَميرِ الغائِب، ثُمَّ انتَقَلَ الخِطابُ دَفعةً واحِدةً إلى الحُضور: «إيّاكَ». والالتِفاتُ في البَلاغةِ مُستَعمَلٌ بِدِقّةٍ لا اعتِباطاً، ومَوضِعُه هُنا هو نَفسُ مَوضِعِ المَفصِل، إذ ما قَبلَه ثَناءٌ وما بَعدَه طَلَب، والحُضورُ يَنالُه القارئُ بَعدَ أَن يَستَحِقَّه، ولا يُنالُ بِالادِّعاء. وتَقديمُ «إيّاكَ» على الفِعلِ لِإفادةِ الحَصر، فالمَعنى «إيّاكَ وَحدَكَ نَعبُد»، وهو أَخَصُّ مِن «نَعبُدُك»، ثُمَّ كُرِّرَ الحَصرُ مَرَّةً ثانيةً في «وإيّاكَ نَستَعين» لِئَلّا يَظُنَّ ظانٌّ أَنَّ الانحِصارَ انتَهى مَعَ فِعلِ العِبادة. والعِبادةُ في جِذرِها أَوسَعُ مِنَ الشَّعائر، فـ«عَبَّدَ الطَّريقَ» ذَلَّلَه ومَهَّدَه، والعَبدُ مَن ذَلَّت إِرادَتُه طَوعاً كَما تَنقادُ الأَرضُ تَحتَ أَقدامِ السّالِك. وأُخِّرَتِ الاستِعانةُ عَنِ العِبادةِ لِأَنَّ القارئَ لا يَستَعينُ بِمَن لا يَعرِفُه، فالعِبادةُ هي التي تَبني النِّسبة، ثُمَّ يُؤذَنُ بِالطَّلَب. وضَميرُ الجَمعِ «نَحن» يَجمَعُ كُلَّ قَلبٍ يَصدُقُ في هذه الآيةِ في وُجهَةٍ واحِدة، تَنعَقِدُ بِالوُجهَةِ المُشتَرَكةِ دونَ الحُدودِ الجُغرافيّةِ والقَبَليّة.