البقرة · الآية 239

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ

وبَعدَ أن أمَرَتِ الآيةُ السّابِقةُ بِالمُحافَظةِ على الصَّلاةِ والقُنوت، تُعالِجُ هذه الآيةُ الاستِثناء، وهو ما يَحدُثُ إذا جاءَ الخَوف، كأن يَكونَ الإنسانُ في ساحةِ مَعرَكةٍ أو فِرارٍ من عَدُوّ: أتَسقُطُ الصَّلاة؟ وجَوابُ النَّصِّ أنَّها تَتَكَيَّفُ ولا تَسقُط: يُصَلّى رِجالاً (ماشينَ على الأقدام) أو رُكباناً (على الخَيلِ والإبِلِ والمَراكِب) في أيِّ اتِّجاهٍ كانَ السَّير. فالصَّلاةُ رِباطٌ مَعَ اللهِ يَتَكَيَّفُ مَعَ الحال، وليسَت قالَباً جامِداً. ثُمَّ إذا زالَ الخَوفُ وعادَ الأمن، جاءَ الأمرُ بِالعَودةِ إلى الذِّكرِ الكامِلِ كَما عَلَّمَكُم رَبُّكُم. والآيةُ تُرَتِّبُ وُجودَ الصَّلاةِ في كُلِّ حالاتِ الإنسان: الأمنُ يَفتَحُ صَلاةَ الاكتِمال، والخَوفُ يَفتَحُ صَلاةَ المِحنة، ولا يَسقُطُ الرِّباطُ بِحالٍ من الأحوال.

١. «فإن خِفتُم»: (خ و ف) والحالُ الاستِثنائيَّة

وأصلُ (خ و ف) تَوَقُّعُ الضَّرَرِ المُحتَمَل، لا الضَّرَرِ الواقِع، فالخَوفُ حالةٌ نَفسِيّةٌ استِشرافِيّةٌ تُنَبِّهُ إلى الخَطَر، وقد يَكونُ مَصدَرُها عَدُوّاً أو فَزَعاً طَبيعِيّاً أو فِراراً من ظُلم. ولم يُحَدِّدِ النَّصُّ نَوعَ الخَوفِ لِيَشمَلَ كُلَّ حالاتِه: الجُندِيَّ في المَعرَكة، والفَلّاحَ المُحاصَر، والمُسافِرَ المُطارَد، والنّاجيَ من زِلزال، وكُلُّهُم داخِلونَ تَحتَ هذا الحُكم، والنَّصُّ فَتَحَ بابَ الرُّخصةِ على الجَميعِ لا على حالةٍ واحِدةٍ فَقَط.

٢. «فرِجالًا أو رُكبانًا»: (ر ج ل) و(ر ك ب) وتَكَيُّفُ الهَيئة

و«رِجالاً» جَمعُ «راجِل»، أي الماشي على قَدَمَيه، والجِذرُ (ر ج ل) مُرتَبِطٌ بِـ«الرِّجلِ» العُضوِ والماشي عَلَيها. و«رُكباناً» جَمعُ «راكِب»، من الجِذرِ (ر ك ب)، ومَعناه الصُّعودُ على ظَهرِ شَيءٍ حَيَوانِيٍّ أو آلِيٍّ يَحمِلُه. والثُّنائِيّةُ هُنا مَقصودة: مُصَلٍّ يَمشي، ومُصَلٍّ يَركَب. فالصَّلاةُ الكامِلةُ تَحتاجُ سُكوناً لِلبَدَن، فإذا انعَدَمَ السُّكونُ لِسَبَبٍ قَسرِيٍّ بَقِيَتِ الصَّلاةُ نَفسُها، غَيرَ أنَّها بِلا سُكون. وهذا النَّمَطُ الفِقهِيُّ يُطَبَّقُ اليَومَ على السَّيّارةِ والطّائِرةِ والقِطارِ حينَ يَتَعَذَّرُ النُّزول: الصَّلاةُ تَتَحَوَّلُ إلى هَيئَتِها المُتَحَرِّكة، ولا تَسقُط.

٣. «فإذا أمِنتُم»: (أ م ن) والعَودةُ إلى الاكتِمال

والمُؤَكَّدُ أنَّ الجِذرَ (أ م ن) ضِدُّ (خ و ف)، ومَعَ أنَّ «الأمن» هو الحالُ الأصلِيّ، فقد قَرَنَ النَّصُّ الأمنَ بِفاءِ السَّبَبِيّة: «فإذا أمِنتُم فاذكُروا الله»، أي إنَّ زَوالَ الخَوفِ يَستَوجِبُ الرُّجوعَ فَوراً إلى الذِّكرِ الكامِل. والرُّخصةُ مَشروطةٌ بِالخَوف، فإذا زالَ شَرطُها زالَت. وهذه المُرونةُ التَّعَبُّدِيّةُ تُصَحِّحُ قاعِدةً مُهِمّة: الرُّخَصُ تَبقى حُلولاً لِلحالاتِ الاستِثنائِيّة، ولا تَتَحَوَّلُ إلى عادات، ومَن يَجعَلُ رُخصةَ الخَوفِ صَلاتَه الدّائِمةَ حَتّى في الأمنِ يُفرِغُ النَّصَّ من مَضمونِه.

٤. «فاذكُروا اللهَ كَما عَلَّمَكُم»: (ذ ك ر) و(ع ل م) والذِّكرُ المَتعَلَّم

والجِذرُ (ذ ك ر) هُنا يَحمِلُ مَعنى الصَّلاةِ الكامِلة، لا التَّسبيحَ اللِّسانِيَّ وَحدَه، بِدَليلِ السِّياقِ الَّذي هو سِياقُ الصَّلاة. والمُؤَكَّدُ أنَّ الجِذرَ (ع ل م) يَدُلُّ على الإحاطةِ بِالمَعلومِ إحاطةً تَفصيلِيّة، وعِبارةُ «كَما عَلَّمَكُم» تَرسُمُ لِلصَّلاةِ مَرجِعاً مُعَلَّماً: الصَّلاةُ شَكلٌ مُوَرَّثٌ عن الوَحيِ المُعَلَّم، وليسَت اختِراعاً شَخصِيّاً. وهذا التَّأكيدُ يَحمي الصَّلاةَ من التَّحريفِ الفَردِيّ: لا أحَدَ يَختَرِعُ صَلاةً من عِندِه ثُمَّ يَدَّعي أنَّها «ذِكرٌ لِلَّه»، والذِّكرُ المَشروعُ هو المُعَلَّمُ كَما عُلِّم.

٥. «ما لَم تَكونوا تَعلَمون»: تَأسيسُ العِلمِ الجَديد

ويُقَرِّرُ الخِتامُ أنَّ هَيئةَ الصَّلاة، قِيامٌ ورُكوعٌ وسُجودٌ وتِلاوةٌ وقُنوت، «عِلمٌ» نَزَلَ بِه الوَحي، لا صورةٌ يَبتَكِرُها المَرءُ بِهَواه. وفي اختِيارِ عِبارةِ «ما لَم تَكونوا تَعلَمون» تَقريرٌ لِمَبدَأٍ تَربَوِيّ: العِبادةُ الصَّحيحةُ عِلمٌ مُتَعَلَّمٌ من الوَحي، لا اختِيارٌ عاطِفِيّ. والأمنُ يَستَوجِبُ الرُّجوعَ إلى هذا العِلمِ المُعَلَّم، لا إلى اجتِهادٍ ذاتِيّ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الخَوف» حالةٌ تُغَيِّرُ هَيئةَ الصَّلاةِ لا وُجودَها؛ و«رِجالًا أو رُكبانًا» صَلاةٌ تَتَكَيَّفُ مَعَ التَّنَقُّل؛ و«الأمن» يُعيدُ الصَّلاةَ إلى اكتِمالِها؛ و«كَما عَلَّمَكُم» يَمنَعُ اختِراعَ الصَّلاةِ من الذّات؛ و«ما لَم تَكونوا تَعلَمون» يُقَرِّرُ أنَّ الصَّلاةَ الشَّرعِيّةَ عِلمٌ مُتَعَلَّم، لا عاطِفةٌ حُرّة، فالدَّورُ المَعرِفِيُّ (تَعَلُّمُ الشَّكلِ المُعَلَّم) يَسبِقُ الاختِيارَ التَّعَبُّدِيَّ (الذِّكر).


حَصيلة

تَستَكمِلُ الآيةُ مَعنى 238: الصَّلاةُ تَتَكَيَّفُ بِالخَوفِ ولا تَسقُط. وجِذرُ خ-و-ف في «خِفتُم» تَوَقُّعُ الضَّرَر، والحالةُ الاستِثنائِيّةُ الَّتي تُغَيِّرُ الهَيئةَ لا الحَقيقة. وجِذرُ ر-ج-ل في «رِجالاً» الماشي على قَدَمَيه، وجِذرُ ر-ك-ب في «رُكباناً» الصّاعِدُ على ظَهرِ حامِل، وهذا الثُّنائِيُّ يَستَوعِبُ كُلَّ هَيئاتِ الحَرَكةِ في كُلِّ عَصر. ثُمَّ يَأتي جِذرُ أ-م-ن في «أمِنتُم» بِفاءِ السَّبَبِيّةِ التَّحريضِيّة: فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، فزَوالُ الخَوفِ يَستَوجِبُ العَودةَ فَوراً إلى الاكتِمال، والرُّخصةُ مَشروطةٌ بِشَرطِها، فإذا زالَ زالَت. وجِذرُ ذ-ك-ر في «فاذكُروا» الصَّلاةُ الكامِلةُ بِكُلِّ صُوَرِها لا مَحضُ تَسبيح. والمَرجِعُ «كَما عَلَّمَكُم» يَمنَعُ اختِراعَ صَلاةٍ ذاتِيّةٍ خارِجَ الشَّكلِ المُعَلَّم. والخِتامُ «ما لَم تَكونوا تَعلَمون» يُؤَسِّسُ مَبدَأً: العِبادةُ الصَّحيحةُ عِلمٌ مُتَعَلَّمٌ من الوَحيِ لا عاطِفةٌ حُرّة.