النساء · الآية 80

﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا

«مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ»: طاعةٌ تَبلُغُ مَن أرسَل

تَفتَتِحُ الآيةُ بِشَرطٍ يَعُمُّ كُلَّ مَن يَفعَل: «مَن يُطِعِ الرَّسول»، وتَجعَلُ جَوابَه «فقد أطاعَ الله». وقد سَمَّتِ المُطاعَ بِاسمِ عَمَلِه، «الرَّسول»، والرَّسولُ من ر-س-ل، مَن يُبعَثُ من جِهةٍ بِما يَحمِلُه حتّى يَبلُغَ بِه جِهةً أُخرى، وقد جاءَ هذا الجِذرُ في الآيةِ السّابِقة: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. فالانقيادُ لِلرَّسولِ انقيادٌ لِما يَحمِلُه، وما يَحمِلُه جاءَ من عِندِ مُرسِلِه، ولِذلك يَنتَهي الجَوابُ إلى اسمِ الله.

وجاءَ فِعلُ الشَّرطِ مُضارِعاً «يُطِع»، وجاءَ الجَوابُ ماضِياً مَسبوقاً بِـ«قد»: «فقد أطاعَ الله»، فما عُلِّقَ على الشَّرطِ يُذكَرُ في جَوابِه أمراً قد تَحَقَّق، كأنَّ طاعةَ اللهِ تَقَعُ في الفِعلِ نَفسِه الذي يَنقادُ فيه المَرءُ لِلرَّسول، فلا يَفصِلُ بَينَهُما زَمَنٌ ولا فِعلٌ ثانٍ. والطّاعةُ من ط-و-ع، والطَّوعُ خِلافُ الكُره، فالمُطيعُ يَلينُ لِلأمرِ ويَمضي مَعَه راضِياً في المَسلَكِ الذي يُفتَحُ لَه، والمَسلَكُ هُنا مَسلَكُ الرَّسول، وهو مَفتوحٌ من عِندِ الله.

وقد جَرَتِ الطّاعةُ في هذه السّورةِ قَبلَ ذلك على صُوَرٍ أُخرى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الآيةِ الثّالِثةَ عَشْرةَ، وأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في التّاسِعةِ والخَمسين، ووَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ في التّاسِعةِ والسِّتّين، وجاءَ بَينَ الأخيرَتَينِ أنَّ الرَّسولَ يُرسَلُ لِيُطاع: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فكانَ الاسمانِ هُناكَ مَعطوفاً أحَدُهُما على الآخَرِ تَحتَ فِعلٍ واحِد، أو كانَ لِكُلٍّ مِنهُما فِعلُه. أمّا هذه الآيةُ فتوقِعُ الفِعلَ على الرَّسولِ وَحدَه في الشَّرط، ثُمَّ تُظهِرُ اسمَ اللهِ في الجَواب، فتَصيرُ الطّاعَتانِ فِعلاً واحِداً يُسَمّى بِاسمَين.

«وَمَن تَوَلَّىٰ»: ظَهرٌ يُجعَلُ في مَوضِعِ الوَجه

ثُمَّ يَأتي الشَّرطُ المُقابِل: «ومَن تَوَلّى». والتَّوَلّي من و-ل-ي، والجِذرُ يَدورُ على أن يَليَ الشَّيءُ الشَّيءَ فيَتَّصِلَ بِه بِلا فاصِل، يُقالُ وَلِيَه إذا جاءَ في إثرِه، ويُقالُ وَلّاه ظَهرَه إذا جَعَلَ ظَهرَه الجانِبَ الذي يَليه. فالمُتَوَلّي يَستَديرُ حتّى يَصيرَ قَفاه ما يَلي الجِهةَ التي كانَ يُقبِلُ عَلَيها، وهي الحَرَكةُ المُقابِلةُ لِلطّاعةِ التي تَمضي مَعَ الأمرِ في مَسلَكِه. وقد وَقَعَ الشَّرطانِ مُتَقابِلَينِ في آيةٍ واحِدة: أحَدُهُما مُنقادٌ يَمشي مَعَ الرَّسول، والآخَرُ مُستَديرٌ يُعطي ظَهرَه.

«فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا»: إحاطةٌ لم يُرسَلْ بِها المُخاطَب

وجَوابُ هذا الشَّرطِ يَنصَرِفُ عن المُتَوَلّي إلى المُخاطَب: «فما أرسَلناكَ عَلَيهِم حَفيظاً». والضَّميرُ في «عَلَيهِم» جَمعٌ يَعودُ على «مَن»، وهي مُفرَدةُ اللَّفظِ عامّةُ المَعنى، فيَتَّسِعُ الجَوابُ لِكُلِّ مَن يَتَوَلّى. والحَفيظُ من ح-ف-ظ، مَن يُحيطُ بِالشَّيءِ ويُطبِقُ عَلَيه فلا يَضيعُ مِنه شَيء، يُقالُ حَفِظَ المَتاعَ إذا ضَمَّه وصانَه. والحَفيظُ «عَلَيهِم» مَن تَكونُ إحاطَتُه من فَوقِهِم، يُمسِكُهُم فلا يَفلِتُ أحَدٌ مِنهُم من يَدِه، وهذه الإحاطةُ هي التي نَفَتها الآيةُ عن إرسالِ المُخاطَب.

وفي الفِعلِ صَدىً لِما في الآيةِ السّابِقة، فقد قالت وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، وتَقولُ هذه «فما أرسَلناكَ عَلَيهِم حَفيظاً». الفِعلُ واحِد، والذي تَغَيَّرَ ما حَولَه: هُناكَ لامٌ تَجعَلُ الإرسالَ لِلنّاسِ ومَعَه «رَسولاً»، وهُنا «على» تَجعَلُه فَوقَهُم ومَعَها «حَفيظاً» مَنفِيّاً. فالإرسالُ مُوَجَّهٌ إلى النّاسِ بِما يُحمَلُ إلَيهِم، والإحاطةُ القائمةُ فَوقَهُم خارِجةٌ عَنه. وتَرِدُ العِبارةُ نَفسُها في سورةِ الشّورى جَواباً لِإعراضٍ: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، وهي في الكِتابِ في هذَينِ المَوضِعَينِ وَحدَهُما.


حَصيلة

تَجعَلُ الآيةُ طاعةَ الرَّسولِ، من ط-و-ع، طاعةً لِلهِ نَفسِها، وتَذكُرُها في الجَوابِ ماضِياً قد تَحَقَّقَ بِـ«قد»، فالرَّسولُ، من ر-س-ل، يَحمِلُ ما جاءَ من عِندِ مُرسِلِه، والانقيادُ لِما يَحمِلُه انقيادٌ لِمَن أرسَلَه، وبِذلك تَجتَمِعُ في فِعلٍ واحِدٍ الطّاعَتانِ اللَّتانِ جاءَتا مَعطوفَتَينِ أو مُفرَدَتَينِ في الآياتِ السّابِقة. ثُمَّ تُقابِلُها بِالتَّوَلّي، من و-ل-ي، وهو أن يُجعَلَ الظَّهرُ في مَوضِعِ الوَجه، وتَصرِفُ جَوابَه إلى ما أُرسِلَ بِه المُخاطَب: أُرسِلَ لِلنّاسِ رَسولاً، ولم يُرسَلْ عَلَيهِم حَفيظاً، والحَفيظُ من ح-ف-ظ مَن يُحيطُ بِالشَّيءِ ويُطبِقُ عَلَيه فلا يَضيعُ مِنه شَيء.