النساء · الآية 79

﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا

«مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ»: قاعِدةٌ تُقالُ لِواحِد

تَنتَقِلُ هذه الآيةُ من الجَمعِ في «تُصِبهُم» إلى المُفرَدِ في «أصابَكَ»، والكافُ فيها هي الكافُ التي قيلَ لِصاحِبِها «من عِندِك»، وأُمِرَ بِـ«قُل»، ويُخاطَبُ في آخِرِ هذه الآيةِ بِـ«وأرسَلناكَ». فما كانَ يُحكى عنهُم جَماعةً في الآيةِ السّابِقةِ يُقالُ الآنَ قاعِدةً لِواحِد، وهو الذي جَعَلوه مَخرَجَ السَّيِّئة. والقاعِدةُ العامّةُ إذا خوطِبَ بِها مُفرَدٌ بَلَغَت كُلَّ مَن يَسمَعُها في نَفسِه، فالآيةُ تَحمِلُ الوَجهَين: أن يَكونَ المُخاطَبُ الرَّسولَ الذي تُسَمّيه في آخِرِها، وأن يَكونَ كُلَّ سامِعٍ على حِدَتِه، وتَترُكُ ذلك مَفتوحاً.

وتَغَيَّرَ الفِعلُ مَعَ تَغَيُّرِ المُخاطَب: «إن تُصِبهُم» في الآيةِ السّابِقةِ تَحكي قَولاً يَتَجَدَّدُ كُلَّما وَقَعَ شَيء، و«ما أصابَكَ» هُنا بِلَفظٍ ماضٍ تَعُمُّ بِـ«ما» كُلَّ إصابة، فالقاعِدةُ تَقَعُ على ما أصابَ وما يُصيب. و«مِن» في «مِن حَسَنةٍ» و«مِن سَيِّئةٍ» تُبَيِّنُ جِنسَ ما أصاب، فتَستَغرِقُ القاعِدةُ كُلَّ ما كانَ من هذا الجِنسِ أو ذاك. والإصابةُ من ص-و-ب، ما يُحصَرُ ثُمَّ يُطلَقُ فيَنصَبُّ على مَوضِعِه، والمَوضِعُ الذي تَنصَبُّ عَلَيه في الآيةِ هو المُخاطَبُ نَفسُه.

«وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ»: «مِن» بَعدَ «مِن عِند»

وفي الآيةِ السّابِقةِ جاءَت «عِند» في كُلِّ نِسبة: «من عِندِ الله»، و«من عِندِك»، و«كُلٌّ من عِندِ الله»، وفي هذه الآيةِ تَسقُطُ «عِند» وتَبقى «مِن» وَحدَها: «فمِنَ الله»، و«فمِن نَفسِك». و«عِند» تُسَمّي الجِهةَ التي يُحازُ فيها الشَّيءُ ويَخرُجُ مِنها، و«مِن» وَحدَها تُسَمّي المَبدَأَ الذي يَبدَأُ مِنه. والآيةُ السّابِقةُ تُجيبُ قَوماً قَسَموا ما يُصيبُهُم بَينَ جِهَتَين، فتَجعَلُ الكُلَّ «من عِندِ الله»، وهذه الآيةُ تُسَمّي لِلمُخاطَبِ مَبدَأَ ما أصابَه: الحَسَنةُ من الله، والسَّيِّئةُ من نَفسِه. و«عِند» تُضافُ في الكِتابِ إلى الأنفُسِ أيضاً، ففي مُصيبةٍ أصابَت قَوماً جاءَ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾، فتَبديلُ الحَرفِ وَحدَه لا يَفصِلُ بَينَ جِهةٍ لا تَكونُ إلّا لله ومَبدَأٍ يَكونُ في النَّفس، والفَرقُ بَينَ الآيَتَينِ في مَقامِهِما: جَوابٌ لِقَومٍ رَدّوا السَّيِّئةَ إلى غَيرِهِم، وقاعِدةٌ تُقالُ لِمُخاطَبٍ واحِد.

والنَّفسُ من ن-ف-س، الذّاتُ الحَيّةُ التي يَحتَوي جَوفُها ما فيه ثُمَّ يَخرُجُ مِنه، على ما قُرِئَت بِه في أوَّلِ السّورة، وإضافَتُها إلى الكافِ في «نَفسِك» تَجعَلُ لِكُلِّ مُخاطَبٍ جَوفاً هو مَبدَأُ ما يَسوؤُه. والجُملَتانِ مَبنيَّتانِ على قالَبٍ واحِد، «ما أصابَكَ مِن ... فمِن ...»، تَفتَرِقانِ في مَوضِعَين: جِنسِ ما أصاب، «حَسَنةٍ» و«سَيِّئةٍ»، ومَبدَئِه في آخِرِهِما، فيَقِفُ اسمُ «الله» قُبالةَ «نَفسِك»: الحَسَنةُ مَبدَؤُها فَوقَ المُصاب، والسَّيِّئةُ مَبدَؤُها فيه.

والآيَتانِ مُتَجاوِرَتانِ بِقَولَيهِما: كُلُّ ما يُصيبُ من عِندِ الله، وما أصابَ المُخاطَبَ من سَيِّئةٍ فمِن نَفسِه، وقَولُهُم «من عِندِك» ساقِطٌ بِجَوابِ الآيةِ السّابِقة: «كُلٌّ من عِندِ الله». وقد أرَتِ السّورةُ قَبلَ ذلك كَيفَ تَرجِعُ الإصابةُ على صاحِبِها، في الآيةِ الثّانيةِ والسِّتّين: أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، فما تُقَدِّمُه الأيدي يَعودُ على أصحابِها مُصيبة، و«إذا» هُناكَ تَسوقُه سَوقَ ما يَقَع. والفِعلُ «أصابَ» يَرِدُ في السّورةِ في هذا المَقطَعِ وَحدَه: في الآيةِ الثّانيةِ والسِّتّين، ثُمَّ في الثّانيةِ والسَّبعينَ والثّالِثةِ والسَّبعين، مُصيبةً تُصيبُ وفَضلاً من اللهِ يُصيب، ثُمَّ في هذه الآيةِ والتي قَبلَها، فالمَقطَعُ يُجري الفِعلَ بَينَ ما يَسُرُّ وما يَسوء.

«وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا»: رَسولٌ يُبَلِّغُ وشاهِدٌ يَكفي

ثُمَّ يُسَمّي الخِطابُ عَمَلَ المُخاطَب: «وأرسَلناكَ لِلنّاسِ رَسولاً». والإرسالُ من ر-س-ل، إطلاقُ شَيءٍ يَجري في مَسلَكٍ مُتَّصِلٍ حتّى يَبلُغَ مَن قُصِدَ بِه، و«رَسولاً» تُعيدُ الجِذرَ اسماً بَعدَ الفِعل، فتُثبِتُ لِلمُخاطَبِ صِفةَ ما فُعِلَ بِه. فعَمَلُه في الآيةِ أن يَبلُغَ النّاسَ بِما أُرسِلَ بِه، وبِهذا يَنقَطِعُ ما نَسَبوه إلَيه في الآيةِ السّابِقة: المُرسَلُ مَبعوثٌ إلَيهِم بِكَلام، والحَسَنةُ والسَّيِّئةُ تُصيبانِهِم من غَيرِ جِهَتِه. واللّامُ في «لِلنّاس» تَجعَلُ الإرسالَ مُتَّجِهاً إلَيهِم.

ثُمَّ «وكَفى بِاللهِ شَهيداً»، والشَّهيدُ من ش-ه-د، مَن حَضَرَ فثَبَتَ عِندَه ما رَأى، و«كَفى» من ك-ف-ي، سَدٌّ لِلحاجةِ حتّى لا يُطلَبَ مَعَه غَيرُه، والباءُ في «بِالله» تَدخُلُ على مَن يَكفي، فاللهُ هو الكافي شاهِداً. والشَّهادةُ في الآيةِ مُطلَقة، وأقرَبُ ما تَقَعُ عَلَيه ما ذُكِرَ قَبلَها: إرسالُ المُخاطَب، وما يُصيبُ النّاسَ وما يَقولونَه فيه، فمَن كانَ اللهُ شاهِدَه لم يَحتَجْ إلى شاهِدٍ غَيرِه. وتُناسِبُ هذه الخاتِمةُ مَقاماً قامَت فيه دَعوى على الرَّسول، والدَّعوى يُطلَبُ لَها شاهِد.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من جَماعةٍ تَقسِمُ ما يُصيبُها بَينَ جِهَتَين إلى واحِدٍ يُخاطَبُ بِالكاف، وتَقولُ لَه قاعِدةً في كُلِّ ما أصاب، من ص-و-ب: الحَسَنةُ، من ح-س-ن، مَبدَؤُها الله، والسَّيِّئةُ، من س-و-أ، مَبدَؤُها النَّفس، من ن-ف-س. وقد سَقَطَت «عِند» التي حَمَلَت نِزاعَ الآيةِ السّابِقة: تِلكَ جَوابٌ لِقَومٍ قَسَموا ما يُصيبُهُم فجَعَلَتِ الكُلَّ «من عِندِ الله»، وهذه قاعِدةٌ لِلمُخاطَبِ في ما أصابَه، وبِجَوابِ تِلكَ يَسقُطُ أن تَخرُجَ السَّيِّئةُ من عِندِ الرَّسول. ثُمَّ تُسَمّي عَمَلَ المُخاطَب: رَسولٌ، من ر-س-ل، أُرسِلَ إلى النّاسِ يَبلُغُهُم بِما حُمِّل، وتَختِمُ بِشاهِدٍ يَكفي، من ش-ه-د، يَشهَدُ الإرسالَ وما يُقالُ فيه.