النساء · الآية 81

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ۖ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا

«وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ»: كَلِمةٌ واحِدةٌ تُقالُ في الحُضور

تَبدَأُ الآيةُ بِما يَقولُه قَومٌ بِألسِنَتِهِم: «ويَقولونَ طاعةٌ»، و«طاعةٌ» مَرفوعةٌ خَبَراً لِمُبتَدَإٍ مَحذوفٍ تَقديرُه «أمرُنا طاعةٌ»، فالقَولُ اسمٌ واحِدٌ يَقومُ مَقامَ الجُملةِ كُلِّها، ويُعلِنُ حالاً ثابِتةً أكثَرَ مِمّا يَعِدُ بِفِعلٍ يَأتي. والكَلِمةُ من ط-و-ع، الجِذرِ الذي افتُتِحَت بِه الآيةُ السّابِقةُ «مَن يُطِعِ الرَّسول»، فبَعدَ أن جَعَلَت تِلكَ طاعةَ الرَّسولِ طاعةً لِله، تَذكُرُ هذه اسمَ الطّاعةِ جارِياً على ألسِنةِ قَوم. والفِعلُ «يَقولون» مُضارِعٌ يَدُلُّ على قَولٍ يَتَكَرَّرُ كُلَّما حَضَروا، والضَّميرُ فيه لِغائبينَ تَصِفُهُمُ الآيةُ أوَّلاً بِقَولِهِم، ثُمَّ بِما يَفعَلُه بَعضُهُم إذا خَرَجوا.

«فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ»: خُروجٌ إلى المَكشوف

ثُمَّ تَأتي «فإذا» بِفِعلٍ ماضٍ: «فإذا بَرَزوا من عِندِك»، و«إذا» مَعَ الماضي تَضَعُ ما يَكونُ كُلَّما تَحَقَّقَ شَرطُه، فالآيةُ تَصِفُ ما يَجري في كُلِّ مَرّةٍ يَخرُجونَ فيها. والبُروزُ من ب-ر-ز، والبَرازُ الفَضاءُ الواسِعُ الذي لا يُواري ما فيه، وبَرَزَ الشَّيءُ إذا خَرَجَ من سِترِه إلى حَيثُ يُرى. و«من عِندِك» تَجعَلُ حَضرةَ المُخاطَبِ هي المَوضِعَ الذي يَخرُجونَ مِنه، فالحُضورُ عِندَه كانَ مَوضِعَ قَولِ «طاعةٌ»، والخُروجُ من عِندِه أوَّلُ خُطوةٍ إلى غَيرِه.

«بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ»: أمرٌ يُبرَمُ في سِترِ اللَّيل

وجَوابُ «إذا» قَولُه «بَيَّتَ طائفةٌ مِنهُم». والتَّبييتُ من ب-ي-ت، والبَيتُ المَأوى الذي يَنقَطِعُ فيه صاحِبُه عن الخارِجِ ويُقيمُ لَيلَه، وباتَ الرَّجُلُ إذا أدرَكَه اللَّيلُ فأقامَ فيه. و«بَيَّتَ» على فَعَّلَ يَتَعَدّى بِه الفِعلُ إلى الأمرِ نَفسِه، فبَيَّتَ الأمرَ أبرَمَه لَيلاً، يُقَلِّبُه في سِترِ اللَّيلِ حتّى يَستَقِرّ، وفي هذه السّورةِ أيضاً إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ﴾. فالآيةُ تَحمِلُ حَرَكَتَينِ مُتَعاكِسَتَين: بُروزاً إلى المَكشوفِ من عِندِ المُخاطَب، ثُمَّ انقِباضاً إلى سِترِ اللَّيلِ حَيثُ يُبرَمُ أمرٌ آخَر.

و«طائفةٌ مِنهُم» بَعضٌ من القائلين، فالقَولُ «طاعةٌ» مُسنَدٌ إلَيهِم جَميعاً، والتَّبييتُ مُسنَدٌ إلى طائفةٍ مِنهُم، والآيةُ تَحفَظُ هذا الفَرقَ في لَفظِها. والمُبَيَّتُ «غَيرَ الذي تَقول»، و«تَقولُ» في العِبارةِ تَحتَمِلُ وَجهَين: أن تَكونَ خِطاباً لِلمُخاطَب، فيَكونَ المُبَيَّتُ غَيرَ ما يَقولُه هو لَهُم، وأن تَكونَ لِلطّائفة، فيَكونَ غَيرَ ما تَقولُه هي في الحُضور. والوَجهانِ قائمانِ في اللَّفظ، وفي كِلَيهِما يُبرَمُ في اللَّيلِ ما يُخالِفُ ما يُقالُ في الحُضور.

«وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ»: المُبرَمُ في السِّترِ مُثبَتٌ في الكِتاب

ثُمَّ تَقَعُ على هذا المُبَيَّتِ كِتابةٌ: «واللهُ يَكتُبُ ما يُبَيِّتون». والكِتابةُ من ك-ت-ب، حَبسُ الكَلامِ في خَطٍّ يُثبِتُه فيَبقى بَعدَ أن يَنقَضيَ قائلُه. والفِعلُ مُضارِع، فالكِتابةُ جاريةٌ مَعَ التَّبييتِ نَفسِه، كُلَّما أُبرِمَ أمرٌ في اللَّيلِ ثَبَتَ في الكِتاب. وقد جاءَ «يُبَيِّتون» بِالجَمعِ بَعدَ أن جاءَ «بَيَّتَ طائفةٌ» بِالإفراد، فالطّائفةُ جَماعة، والفِعلُ يَنتَقِلُ من لَفظِها إلى مَن فيها، والكِتابةُ واقِعةٌ على ما يُبَيِّتونَه. فما أُبرِمَ في سِترِ اللَّيلِ مُثبَتٌ في الكِتاب.

«فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»: جانِبٌ يُصرَف، وأمرٌ يُوكَلُ إلى مَن يَكفي

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ إلى المُخاطَبِ بِأمرَين: «فأعرِضْ عَنهُم وتَوَكَّلْ على الله». والإعراضُ من ع-ر-ض، والعُرضُ الجانِب، وأعرَضَ عن الشَّيءِ إذا صَرَفَ إلَيه عُرضَه وأخَذَ وَجهَه عَنه، وقد جاءَ الأمرُ نَفسُه في هذه السّورةِ من قَبلُ: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾، وكانَ الإعراضُ هُناكَ مَقروناً بِالوَعظ، وهو هُنا مَقرونٌ بِالتَّوَكُّل. والتَّوَكُّلُ من و-ك-ل، ووَكَلَ إلَيه الأمرَ إذا جَعَلَه في يَدِه يَقومُ بِه عَنه، و«تَوَكَّلَ على الله» اتَّخَذَه وَكيلاً يُسلِمُ إلَيه أمرَه.

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـ«وكَفى بِاللهِ وَكيلاً»، والكِفايةُ من ك-ف-ي، سَدُّ الحاجةِ حتّى لا يُطلَبَ مَعَه غَيرُه، فالوَكيلُ الذي يُسلَمُ إلَيه أمرُ المُخاطَبِ يَكفيه. وبَينَ هذه الآيةِ والتي قَبلَها قِسمةٌ لِلأدوار: هُناكَ لم يُرسَلِ المُخاطَبُ «عَلَيهِم حَفيظاً»، وهُنا يُؤمَرُ أن يُسلِمَ أمرَه إلى اللهِ «وَكيلاً». والكَلِمَتانِ تَجتَمِعانِ في سورةِ الأنعامِ مَنفِيَّتَينِ عن المُخاطَبِ هُناك: وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، وفي هاتَينِ الآيَتَينِ نُفِيَ الحِفظُ عن إرسالِ المُخاطَب، وجُعِلَتِ الوَكالةُ لِله.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِاسمٍ واحِدٍ يَقولُه قَومٌ في الحُضور، «طاعةٌ»، من ط-و-ع، ثُمَّ تَتبَعُهُم إذا بَرَزوا، من ب-ر-ز، من عِندِ المُخاطَبِ إلى المَكشوف، فإذا طائفةٌ مِنهُم تُبَيِّتُ، من ب-ي-ت، في سِترِ اللَّيلِ أمراً غَيرَ الذي يُقال، والعِبارةُ تَحمِلُ أن يَكونَ ما يُقالُ قَولَ المُخاطَبِ أو قَولَ الطّائفةِ نَفسِها. ثُمَّ تَجعَلُ ما يُبرَمُ في اللَّيلِ مَكتوباً، من ك-ت-ب، يَكتُبُه اللهُ مَعَ جَرَيانِه، وتَأمُرُ المُخاطَبَ أن يُعرِضَ عَنهُم، من ع-ر-ض، وأن يَتَوَكَّلَ على الله، من و-ك-ل، وتَختِمُ بِأنَّ اللهَ يَكفي وَكيلاً، فيَكتَمِلُ ما بَدَأَتهُ الآيةُ السّابِقة: لم يُرسَلِ المُخاطَبُ عَلَيهِم حَفيظاً، واللهُ هو الوَكيلُ الذي يَكفي.