الإسراء · الآية 101

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا

«وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ»: إيتاءٌ مَنسوبٌ إلى مُعطيه

تَقَدَّمَتِ الفِعلَ ثَلاثُ أدَوات: واوٌ ثُمَّ لامٌ ثُمَّ «قَد»، والفِعلُ ماضٍ، فالخَبَرُ يَنزِلُ مُثَقَّلاً بِالتَّوكيدِ قَبلَ أن يُذكَرَ مَضمونُه.

وعُدِلَ عن «أُوتِيَ موسى» إلى «آتَينا»، فالفِعلُ مُسنَدٌ إلى ضَميرِ المُعطي، والمُعطى لَه مَفعولٌ أوَّل، وجِهةُ العَطاءِ مَعروفةٌ من أوَّلِ كَلِمة.

و«آتى» من أ-ت-ي، وأصلُه انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه، وهو على أفعَلَ، أي جَعْلُ الشَّيءِ يَأتي، فالإيتاءُ إيصالٌ إلى يَدٍ مُعَيَّنة، لا وَضعٌ في الطَّريقِ يَلتَقِطُه المارّ.

وهذا الفِعلُ بِعَينِه، وهذا المُعطى لَه بِعَينِه، افتَتَحا هذه السّورةَ في ثانِيَتِها: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، فهُناكَ كِتابٌ يُقرَأ، وهُنا عَدَدٌ يُذكَر، والمُعطي واحِدٌ والمُعطى لَه واحِدٌ والمُعطى يَختَلِف.

«تِسْعَ آيَاتٍ»: عَدَدٌ يُعطى وأعيانٌ تُمسَك

وذُكِرَ الكَمُّ ولم تُذكَرِ الأعيان، فالعَدَدُ تِسعٌ ثُمَّ يُسكَتُ عَمّا وَراءَه.

والعَدَدُ في اللِّسانِ حَدّ، وأصلُ ت-س-ع إمساكٌ دَقيقٌ يَحصُرُ في مَجرًى ضَيِّقٍ ثُمَّ يَظهَرُ مِقدارُه من عُمقِه. والعَدَدُ يُخبِرُ بِالكَمِّ ولا يُخبِرُ بِالماهِيّة، فالعَدُّ يُطبِقُ على الجُملةِ ويُظهِرُ حافَّتَها، ولا يَفتَحُها واحِدةً واحِدة.

والآيةُ من أ-ي-ي، وهي عَلامةٌ قاطِعةٌ تَسري ولا تَنقَطِع، تَدُلُّ على ما وَراءَها لا على نَفسِها. والعَلامةُ إذا سُمِّيَت صارَت هي المَنظورَ إلَيه، وإذا عُدَّت ولم تُسَمَّ بَقِيَت دالّةً على غَيرِها، فالطَّيُّ هُنا حِفظٌ لِلعَلامةِ في وَظيفَتِها، وليسَ نَقصاً في الخَبَر.

وما ذُكِرَ في الآيةِ عَدَدٌ ووَصف، ومَن مَلَأَ ما بَينَهُما فقد قالَ ما لم يُذكَرْ لَه.

«بَيِّنَاتٍ»: صِفةٌ تَقولُ ما تَفعَلُه لا ما وَقَعَ لَها

ومَدارُ ب-ي-ن على انفِتاحٍ يُخرِجُ الباطِنَ إلى الظُّهورِ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عمّا حَولَه، فاجتَمَعَ فيه الفَصلُ والظُّهور، وما انفَصَلَ عن غَيرِه بانَ لِلعَين.

و«بَيِّن» على وَزنِ فَيعِل، وهي صيغةٌ تُلازِمُ صاحِبَها ولا تُفارِقُه. وأوثِرَت «بَيِّنات» على «مُبانات» التي تَقتَضي مُبيناً من خارِج، وعلى «مَعلومات» التي تَرُدُّ الأمرَ إلى ناظِرٍ يَنظُر، فالإبانةُ صَنعَتُها، تَعمَلُ عَمَلَها قَبلَ أن يُصغيَ إلَيها أحَد.

فالعَدَدُ يَطوي والوَصفُ يَكشِف، وهي تِسعٌ لا تُسَمّى، وحالُ كُلِّ واحِدةٍ مِنها أن تُسَمِّيَ غَيرَها.

«فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ»: أمرٌ يُحيلُ إلى شُهود

والفاءُ تَعقُبُ الخَبَرَ بِأمر، فقد أُخبِرَ عن عَطاءٍ ثُمَّ أُمِرَ بِسُؤال، ولا فاصِلَ بَينَهُما.

والأمرُ مُفرَدٌ والمَسؤولونَ جَماعة، فالواحِدُ يُرَدُّ إلى قَومٍ حَضَروا، لا إلى خَبَرٍ يُنقَلُ ولا إلى صَحيفةٍ تُطالَع.

والسُّؤالُ من س-أ-ل، ومَدارُه على طَلَبٍ يَخرُجُ من السّائِلِ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِالمَسؤولِ فلا يُفلِتُه حتّى يُجيب، فهو في أصلِه رِباطٌ يُلقى فيَلزَم، لا استِفهامٌ عابِر.

ولم يُذكَرْ جَوابُهُم، فقد أُمِرَ بِالسُّؤالِ ووُقِفَ عِندَ الأمر، ومَن أُحيلَ إلى شاهِدٍ لم تُوضَعِ الشَّهادةُ في فَمِه.

«إِذْ جَاءَهُمْ»: المَسؤولُ عنه ساعةٌ لا قائِمة

و«إذ» ظَرفٌ لِما مَضى، فالسُّؤالُ مُعَلَّقٌ بِوَقتٍ بِعَينِه لا بِمَسألةٍ عامّة.

وعُلِّقَ السُّؤالُ بِـ«إذ جاءَهُم»، أي بِساعةِ القُدوم، وعُدِلَ عن «فاسألْهُم عن التِّسع» وعن «فاسألْهُم ما هِيَ»، فحتّى المَوضِعُ الذي يُحالُ فيه إلى شُهودٍ يُصرَفُ عن التَّعداد.

والفاعِلُ لم يُعَدْ ذِكرُه فيُرَدُّ إلى المَذكورِ قَبلَه، والضَّميرُ المَنصوبُ لِلمَسؤولين، فهُم شُهودُ وُصولٍ وَقَعَ عَلَيهِم، وهذا وَحدَه ما طُلِبَ مِنهُم.

«فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ»: قائِلٌ يُسَمّى

ثُمَّ فاءٌ ثانِيَةٌ تَصِلُ القُدومَ بِالقَول، ولَيسَ بَينَهُما إلّا حَرفٌ واحِد.

و«لَه» تَجعَلُ الكَلامَ مُوَجَّهاً إلى المُخاطَبِ نَفسِه، لا مَقولاً عنه لِغَيرِه، ثُمَّ يُسَمّى القائِلُ بِاسمِه.

وقد جَرى في هذه السّورةِ قَولٌ آخَرُ يَنتَهي إلى اللَّفظِ الذي يَنتَهي إلَيه هذا: إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾، والقائِلونَ هُناكَ مَوصوفونَ غَيرُ مُسَمَّين، والقائِلُ هُنا واحِدٌ مُسَمّى، واللَّفظُ في المَوضِعَينِ واحِد، والسّورةُ تَضَعُ المَوضِعَينِ ولا تُعَلِّق.

«إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا»: تَوكيدانِ فَوقَ غِطاء

و«إنَّ» ثُمَّ اللّامُ في الخَبَرِ أداتانِ لِلتَّوكيدِ في جُملةٍ واحِدة، ثُمَّ يَنكَشِفُ الفِعلُ الذي وَقَعَ عَلَيه التَّوكيد، وهو ظَنّ.

ومادّةُ ظ-ن-ن ما يَستَقِرُّ في الباطِنِ تَحتَ غِطاءٍ غَليظٍ ويَرِنُّ فيه رَنيناً لَطيفاً، فالذي يُقالُ في الظَّنِّ أنَّه لم يُرفَعْ عنه غِطاؤُه، ولا يُقالُ فيه إنَّه خَطَأٌ بِالضَّرورةِ ولا صِدق. وقد رُفِعَ الصَّوتُ بِه هُنا مَرَّتَينِ ولم يُرفَعِ الغِطاءُ مَرّة.

وفي صَدرِ الآيةِ «بَيِّنات»، وهي عَلاماتٌ حالُها الإبانة، يُقابِلُها في عَجُزِها حُكمٌ حالُه السَّتر، ومَضمونُ الخَبَرِ أنَّ الجَوابَ خَرَجَ من تَحتِ غِطاءٍ لم يُرفَع، وليسَ أنَّ البَيانَ لم يَبلُغ.

و«يا موسى» نِداءٌ في وَسَطِ التُّهمة، يُسَمّى فيه بِاسمِه في اللَّحظةِ التي تُنزَعُ فيها عنه فاعِلِيَّتُه، فيُثبَتُ لَه الاسمُ ويُسلَبُ الفِعل.

و«مَسحوراً» اسمُ مَفعولٍ من س-ح-ر، ومَدارُه على عَمَلٍ دَقيقٍ يَجري في مَضيقٍ ثُمَّ يُمسِكُ بِخِفّةٍ لا تُحَسّ، فيَأخُذُ المَحَلَّ من حَيثُ لا يُبصَر، فالقَولُ يَجعَلُه مَأخوذاً بِما لا يُرى، وقد قيلَ لَه هذا وفي يَدِه تِسعٌ حالُها أن تُرى.


حَصيلة

واوٌ ولامٌ و«قَد» قَبلَ الفِعل، ثُمَّ إسنادُه إلى ضَميرِ المُعطي في «آتَينا»، وأ-ت-ي انطِلاقٌ يَسري ثُمَّ يُلاقي مَحَلَّه. ثُمَّ يُذكَرُ العَدَدُ وتُمسَكُ الأعيان، وت-س-ع حَصرٌ دَقيقٌ يُظهِرُ المِقدارَ ولا يَفتَحُ الجُملةَ واحِدةً واحِدة، وأ-ي-ي عَلامةٌ تَدُلُّ على ما وَراءَها، فبَقاؤُها بِلا تَسمِيَةٍ إبقاءٌ لَها في وَظيفَتِها. ثُمَّ «بَيِّنات» على فَيعِل، والإبانةُ صَنعَتُها لا حالٌ طَرَأَت عَلَيها. ثُمَّ فاءٌ تَنقُلُ الخَبَرَ إلى أمر، وس-أ-ل طَلَبٌ يَخرُجُ فيَتَعَلَّقُ بِالمَسؤولِ حتّى يُجيب، والمَسؤولُ عنه ساعةٌ لا قائِمة: «إذ جاءَهُم». ثُمَّ فاءٌ ثانِيَةٌ وقائِلٌ يُسَمّى، واللَّفظُ الذي يَختِمُ قَولَه قد قيلَ في هذه السّورةِ قَبلُ على ألسِنةٍ مَوصوفةٍ غَيرِ مُسَمّاة. ثُمَّ «إنَّ» واللّام، وظ-ن-ن حُكمٌ لم يُرفَعْ عنه غِطاؤُه، و«مَسحوراً» اسمُ مَفعولٍ من س-ح-ر، وهو أخذٌ دَقيقٌ من حَيثُ لا يُبصَر، فتَقابَلَ في الآيةِ تِسعٌ حالُها الإبانةُ وجَوابٌ حالُه السَّتر، وبَينَهُما رَجُلٌ يُنادى بِاسمِه.