الإسراء · الآية 6

﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا

«ثُمَّ»: مُهلةٌ قَبلَ العَطاء

عُدِلَ عن «فرَدَدنا» إلى «ثُمَّ رَدَدنا»، و«ثُمَّ» تَقتَضي تَراخِياً في الرُّتبةِ والزَّمَن، فبَينَ الجَوسِ في الفُرَجِ وبَينَ رَدِّ الكَرَّةِ فُسحةٌ لم تُملَأْ في اللَّفظ، والآياتُ التي تَعرِفُ كَيفَ تَصمُت تَتركُ لِلمُهلةِ حَرفاً يَحمِلُها.

«رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ»: الحَرفُ نَفسُه يَتَحَوَّلُ

وفي الآيةِ قَبلَها: «بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ»، وفي هذه: «الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ»، والحَرفُ «على» بِعَينِه، وقد تَحَوَّلَ عُنوانُه، فلم يُبَدَّلْ مَعنى النُّزول، والذي بُدِّلَ مَن يَنزِلُ عَلَيه. ومَن قَرَأَ الآيَتَينِ مَعاً رَأى الجُملةَ الواحِدةَ تُدارُ فيَقَعُ ثِقلُها على الجِهةِ الأُخرى.

واللّامُ في «لَكُمُ» لِلنَّفعِ لا لِلوِجهة، وأوثِرَ «رَدَدنا لَكُم» على «رَدَدنا إلَيكُم»، فالكَرَّةُ مَردودةٌ في حِسابِكُم، زِيادةً على أنَّها مَوضوعةٌ بَينَ أيديكُم. والرَّدُّ من ر-د-د، وأصلُه إرجاعُ الشَّيءِ إلى مَوضِعِه الأوَّلِ وتَثبيتُه فيه، فالمَردودُ غَيرُ جَديد، وهو ما كانَ ثُمَّ زالَ ثُمَّ أُعيدَ إلى مَحَلِّه.

و«الْكَرَّةَ» مُعَرَّفة، أي الكَرَّةُ المَعهودة. والكَرُّ من ك-ر-ر، وهو عَطفةٌ تَرجِعُ بَعدَ انصِراف، أي حَرَكةٌ ذَهَبَت ثُمَّ التَوَت راجِعة، فما رُدَّ دَورةٌ تَستَديرُ فتَرجِع، لا نَصرٌ يُبتَدَأ. ومَن قَرَأَ الكَرَّةَ عَرَفَ أنَّ لَها وَجهاً آخَرَ يُمكِنُ أن تَستَديرَ إلَيه.

«وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ»: عَطاءٌ مَوصولٌ لا عَطِيّةٌ واحِدة

و«أمدَدنا» على وَزنِ أفعَلَ من م-د-د، والمَدُّ استِطالةٌ مُتَّصِلةٌ لا تَنقَطِع، والإمدادُ وَصلُ العَطاءِ بِالعَطاءِ حتّى لا يُرى لَه طَرَف، فالذي في الآيةِ رافِدٌ يَجري، وليسَ فيها هِبةٌ تُعطى مَرّةً.

و«أَمْوَالٍ وَبَنِينَ» نَكِرَتان، بِلا عَدَدٍ ولا وَصف، وقد تُرِكَتا مُطلَقَتَينِ لِأنَّ الكَثرةَ لَيسَت هي المَقصودَ بِالتَّفصيل، وسَيَجيءُ في آخِرِ الآيةِ المِقياسُ الذي يُفَصَّل.

«وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا»: آخِرُ ما يُعَدُّ لَيسَ ما يُملَك

و«جَعَلنا» هُنا كما في «وَجَعَلْنَاهُ هُدًى»، أي وَضعٌ يُصَيِّرُ الحالَ لازِمة، فقد وُضِعَ القَومُ في حالِ الكَثرة، ولم يُقَلْ إنَّهُم كَثُروا.

و«نَفِيرًا» تَمييزٌ يُبَيِّنُ في أيِّ شَيءٍ كانَتِ الكَثرة. والنَّفرُ من ن-ف-ر، وهو خُروجٌ مُفاجِئٌ عن مَوضِعِ السُّكونِ يَجري ولا يَتَمَهَّل، والنَّفيرُ مَن يَخرُجُ إذا نودِيَ فيه. فالمالُ والبَنونَ ذُكِرا مُجمَلَين، ثُمَّ فُصِّلَ المِقياسُ الأخير، وهو عَدَدُ الخارِجينَ عِندَ النِّداء.

والآيةُ تُخبِرُ بِالعَطاءِ ولا تَذكُرُ لَه سَبَباً، فلم يُقَلْ إنَّهُم أحسَنوا فرُدَّت لَهُمُ الكَرَّة، والخَبَرُ يَقِفُ عِندَ الواقِع، والقانونُ يَأتي في الآيةِ التّالِيةِ قانوناً لا حُكماً على أحَد.


حَصيلة

مُهلةٌ يَحمِلُها حَرفُ «ثُمَّ»، تَتلوها ثَلاثُ عَطايا مُرَتَّبة: أُولاها كَرَّةٌ مَردودةٌ «لَكُم» بِلامِ النَّفعِ و«عَلَيْهِمْ» بِالحَرفِ الذي كانَ عَلَيكُم، فالجُملةُ تُدارُ ولا تُبَدَّل. وثانِيَتُها إمدادٌ يَصِلُ العَطاءَ بِالعَطاءِ فلا يَنقَطِع، بِأموالٍ وبَنينَ لم يُعَدّا ولم يُوصَفا. وثالِثَتُها جَعلٌ في حالِ الكَثرة، فُصِّلَ مِقياسُها وَحدَه: «أَكْثَرَ نَفِيرًا». والمالُ يُجمَعُ والبَنونَ يُولَدون، وتَبقى القُوّةُ في أن يَجِدَ المَرءُ مَن يَخرُجُ مَعَه إذا نُودِي.