الإسراء · الآية 66

﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

«رَّبُّكُمُ الَّذِي»: كافٌ مُفرَدةٌ ثُمَّ ميمُ الجَماعة

خُتِمَ السَّطرُ قَبلَه بِـوَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾، وكافُه مُفرَدة. وابتُدِئَ هذا بِـ«رَّبُّكُمُ»، وميمُه جَماعة. كَلِمةٌ واحِدةٌ بَينَ المَوضِعَينِ واتَّسَعَ الخِطاب.

وقد فُتِحَت في هذه السّورةِ آيةٌ بِهذا المُبتَدَإِ نَفسِه، الاسمِ مُضافاً إلى ضَميرِ الجَماعة: رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾. هُناكَ عِلمٌ يُخبَرُ بِه، وهُنا صُنعٌ يَجري. والمُبتَدَأُ واحِدٌ والخَبَرُ يَتَبَدَّل.

و«الَّذِي» مَوصولٌ صِلَتُه فِعلٌ مُضارِع. لم يُقَلْ «أزجى» فيَكونَ صُنعاً مَضى، ولا «مُزجٍ» فيَكونَ وَصفاً قائِماً بِلا زَمَن. قيلَ «يُزْجِي»، فالتَّعريفُ يَقَعُ بِفِعلٍ جارٍ الآنَ ومُستَأنَفٍ بَعدَ الآن.

«يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ»: سَوقٌ لا دَفعَ فيه

اسمَعِ الفِعلَ قَبلَ أن تُفَسِّرَه. الزّايُ في حُروفِها اهتِزازٌ خَفيفٌ مَجهور، والجيمُ اجتِماعٌ وتَكَتُّل، فالنَّواةُ «زج» هَزٌّ خَفيفٌ يَجمَعُ المُتَفَرِّقَ ويُقَدِّمُه. ثُمَّ الواوُ تَصِلُ هذا السَّوقَ وتَمُدُّه فلا يَنقَطِع.

فالمادّةُ سَوقٌ بِهَزٍّ خَفيفٍ مُتَّصِل، لا دَفعٌ بِقُوّةٍ ولا حَملٌ على عُنف. والذي يُدفَعُ بِشِدّةٍ يُحَسُّ دَفعُه، والذي يُزجى لا يَكادُ يَشعُرُ بِأنَّه مَسوق.

ثُمَّ الوَزن. «أفعَلَ» يَجعَلُ الفاعِلَ غَيرَ المُتَحَرِّك: الفُلكُ يَجري ولَيسَ هو الذي أجرى نَفسَه. وقد جَرى هذا الوَزنُ في هذه السّورةِ من أوَّلِها في الإسراءِ وفي الإراءة، فالسّورةُ تَعرِفُ هذا البِناءَ وتَعودُ إليه.

ثُمَّ «لَكُمُ» قَبلَ المَفعول. لامُ نَفعٍ تُقَدَّمُ على ما يُساق، فيُعلَمُ لِمَن يَجري قَبلَ أن يُعلَمَ ما يَجري. الفِعلُ لَيسَ لَكُم، وثَمَرَتُه لَكُم، والحَرفُ الواحِدُ يَقولُ الأمرَين.

و«فِي الْبَحْرِ» ظَرفٌ لا مَجرى. والبَحرُ مَكتوبٌ في المُعجَم: اتِّساعٌ مَحصورٌ بَينَ حَدَّين، ما احتَوى واتَّسَعَ مَحصوراً. فالسَّوقُ الرَّفيقُ يَقَعُ داخِلَ مُتَّسِعٍ هو نَفسُه مُمسَك.

«لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ»: فِعلانِ وفاعِلانِ ولامٌ تَصِلُ بَينَهُما

هُنا يَنتَقِلُ الفِعلُ إلى أيديكُم. «يُزْجِي» فاعِلُه هو، و«تَبْتَغُوا» فاعِلُه أنتُم، واللّامُ بَينَهُما لامُ تَعليل. فالسَّوقُ لِأجلِ الابتِغاء، والابتِغاءُ لا يُنوبُ عنكُم فيه أحَد.

و«ابتَغى» على وَزنِ افتَعَلَ، وهو وَزنٌ يَرُدُّ الفِعلَ على فاعِلِه فيُتعِبُه بِه. فالطَّلَبُ مَحمولٌ على الطّالِبِ نَفسِه: اليَدُ خالِيةٌ والعَينُ عامِلة.

و«مِن فَضْلِهِ» تَبعيضٌ. لا يُطلَبُ الفَضلُ كُلُّه، يُطلَبُ منه. والفَضلُ مَكتوبٌ في المُعجَم: الفائِضُ الذي يَزيدُ على الكِفاية، ما أُعطِيَ لِيَمُرَّ لا لِيُحتَجَز. فالمَطلوبُ جُزءٌ من فائِضٍ يَجري، والضَّميرُ يَقولُ لِمَن هو.

«إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا»: باءٌ تُلاصِقُ لا تَنزِلُ من بَعيد

«كانَ» هُنا لِلثُّبوتِ لا لِمُضِيٍّ انقَطَع. الوَصفُ قائِمٌ قَبلَ الفُلكِ وقَبلَ البَحرِ وقَبلَ أن يُبتَغى شَيء.

و«بِكُمْ» بِالباء، لا «عَلَيكُم» ولا «لَكُم». والباءُ مُلابَسة: رَحمةٌ مُلاصِقةٌ لِمَن وَقَعَت عليه، لا خَبَرٌ عن رَحمةٍ في مَوضِعٍ آخَر. وهذا البِناءُ نَفسُه جَرى في السّورةِ: إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. هُناكَ باءٌ مَعَ العِباد، وهُنا باءٌ مَعَ المُخاطَبين.

ثُمَّ اقرَأِ الوَصفَ الأخيرَ على ضَوءِ الفِعلِ الأوَّل. الرَّحمةُ مَكتوبةٌ في المُعجَم: جَوفٌ يَضُمُّ ما لا يُمسِكُ نَفسَه، ويَجري فيه ما يُقيمُه، حتّى يُخرَجَ إلى حينِه. وهذه هي هَيئةُ الشَّطرِ الأوَّلِ بِعَينِها: جَوفٌ يَحمِلُ ما لا يَقومُ بِنَفسِه فَوقَ ما لا يُمشى عليه، ويُساقُ بِرِفقٍ حتّى يُبلَغَ بِه. فالوَصفُ في آخِرِ الآيةِ لَيسَ زِيادةً على الصّورة، هو الصّورةُ مَقولةً بِكَلِمةٍ أُخرى.


حَصيلة

كافٌ مُفرَدةٌ في آخِرِ السَّطرِ السّابِقِ ثُمَّ ميمُ جَماعةٍ في أوَّلِ هذا، فيَتَّسِعُ الخِطابُ بِحَرف. والتَّعريفُ يَقَعُ بِمَوصولٍ صِلَتُه فِعلٌ مُضارِع، فالرَّبُّ يُعَرَّفُ بِما لا يَزالُ يَفعَلُه لا بِما فَعَلَ. و«يُزْجِي» في حُروفِه سَوقٌ بِهَزٍّ خَفيفٍ مُتَّصِلٍ لا دَفعَ فيه، وعلى أفعَلَ فالمُحَرِّكُ غَيرُ المُتَحَرِّك، و«لَكُمُ» تُقَدَّمُ على المَفعولِ فيُعلَمُ لِمَن يَجري قَبلَ أن يُعلَمَ ما يَجري. و«فِي الْبَحْرِ» ظَرفٌ، والبَحرُ في المُعجَمِ اتِّساعٌ مَحصورٌ بَينَ حَدَّين، فالرِّفقُ يَجري داخِلَ مُمسَك. ثُمَّ تَنتَقِلُ اليَدُ: «لِتَبْتَغُوا» على افتِعالٍ يَرُدُّ الطَّلَبَ على الطّالِب، و«مِن» تَبعيضٌ، والفَضلُ فائِضٌ أُعطِيَ لِيَمُرَّ لا لِيُحتَجَز. فالقِسمةُ في السَّطرِ بَيِّنة: السَّوقُ لَيسَ إلَيكُم، والابتِغاءُ لا يُصنَعُ عَنكُم. ثُمَّ «كَانَ» لِلثُّبوتِ و«بِكُمْ» لِلمُلابَسةِ لا لِلنُّزولِ من بَعيد. والرَّحمةُ في المُعجَمِ جَوفٌ يَضُمُّ ما لا يُمسِكُ نَفسَه ويَجري فيه ما يُقيمُه حتّى يُخرَجَ إلى حينِه، وهي هَيئةُ الشَّطرِ الأوَّلِ نَفسُها. فالآيةُ تَبدَأُ بِجَوفٍ يُساقُ فَوقَ ماءٍ وتَنتَهي بِاسمٍ هو ذلك الجَوفُ نَفسُه مَقولاً في كَلِمة.