الإسراء · الآية 90

﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا

«وَقَالُوا»: واوٌ وفِعلٌ وضَميرُ جَماعة، ولا اسمَ بَعدَه

يُفتَتَحُ الكَلامُ بِفِعلِ قَولٍ مُسنَدٍ إلى واوِ الجَماعة، ولا يُذكَرُ مَن هُم، فلا صِفةَ تُمَيِّزُهُم، ولا عَدَدَ يَحصُرُهُم، ولا مَوضِعَ يَجمَعُهُم.

وهذا اختِيارٌ في الكَلامِ لا ثُغرةٌ فيه، فالقائِلُ لو سُمِّيَ لَصارَ المَقروءُ خَبَرَ قَومٍ مَضَوا، ولَمّا لم يُسَمَّ بَقِيَ صيغةَ قَولٍ تَصلُحُ لِكُلِّ فَمٍ يُحسِنُها. والقَولُ من ق-و-ل: صَوتٌ يُطلَقُ من الفَمِ مَقطوعاً ويَمتَدُّ، ويَبقى مُتَعَلِّقاً بِصاحِبِه، فما خَرَجَ يَبقى مَنسوباً وإن جُهِلَ صاحِبُه.

«لَن نُّؤْمِنَ لَكَ»: قَطعٌ لِلمُستَقبَل، ولامٌ تُبَدِّلُ مَحَلَّ التَّصديق

و«لَن» تَقطَعُ المُضارِعَ وتَنفيهِ عمّا يَأتي، فالمَنفِيُّ بابٌ يُغلَقُ من الآنِ إلى ما بَعدُ، وليسَ حالاً واحِدة.

وأدَقُّ ما في الجُملةِ حَرفٌ واحِد، وقد أوثِرَ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ على «نُؤمِنُ بِك»، والباءُ تُلصِقُ التَّصديقَ بِمَضمونٍ يُصَدَّق، واللّامُ تُوَجِّهُه إلى شَخصٍ يُعطى، فالمَنفِيُّ هُنا إعطاءُ التَّصديقِ لِمُخاطَبٍ بِعَينِه، لا النَّظَرُ في مَضمونٍ يُعرَض.

وأصلُ أ-م-ن تَأكيدٌ يُمسَكُ ويُحتَوى في الباطِنِ حتّى يَسكُن، فالذي مُنِعَ هو سُكونُ الجَوفِ نَحوَه، وبِهذا يُفَسَّرُ ما بَعدَه، فمَن مَنَعَ سُكونَه عن شَخصٍ لا يَطلُبُ بَياناً يُفهَم، وإنَّما يَطلُبُ عَلامةً تُنتَزَعُ من يَدِه.

«حَتَّىٰ»: غايةٌ يَضَعُها الطّالِبُ ويَقِفُ عِندَها

و«حتّى» تَجعَلُ لِلمَنعِ نِهايةً يُرفَعُ عِندَها، فلِلبابِ المُغلَقِ مِفتاحٌ مَوصوف، والمِفتاحُ يُصاغُ هُنا لا هُناك.

ومَن قَرَأَ الآيةَ رَأى أينَ استَقَرَّتِ اليَد، فالشَّرطُ يَضَعُه المُمتَنِع، والتَّنفيذُ يَقَعُ على المُخاطَب، وقد صارَ الذي يُطالَبُ بِالعَمَلِ هو الذي يُنتَظَرُ مِنه، وصارَ الذي يَنتَظِرُ هو الذي يَكتُبُ الشَّرط.

«تَفْجُرَ لَنَا»: فِعلٌ يُحَمَّلُه، ومَنفَعةٌ تُشتَرَطُ مَعَه

والفِعلُ مُسنَدٌ إلى المُخاطَبِ وَحدَه، وأوثِرَ تَفْجُرَ على «يَنفَجِر»، فالمَطلوبُ أن يَصنَعَه هو، ولم يُطلَبْ أن يَحدُثَ الأمر.

ومادّةُ ف-ج-ر شَقٌّ ضَيِّقٌ يُطلِقُ ما تَكَتَّلَ خَلفَه ثُمَّ يَجري مُستَرسِلاً، وبِهذا تَتِمُّ الصّورة، فهي فَتحُ مَحبوسٍ، وليسَت خَلقَ ماءٍ من عَدَم، والمَحبوسُ مَوجودٌ قَبلَ الشَّقِّ، والشَّقُّ يُخرِجُه.

ثُمَّ لَنَا، واللّامُ لامُ الاختِصاص، فالمَطلوبُ أن يَنفَتِحَ المَحبوسُ لَهُم، ولا يَقِفُ عِندَ أن يَنفَتِح، فقدِ اشتُرِطَ الأثَرُ ثُمَّ اشتُرِطَ صاحِبُه.

«مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا»: مَصدَرٌ يُسَمّى، ومَطلوبٌ يُترَكُ مُنَكَّراً

و«مِن» تُعَيِّنُ المَخرَج. والأرضُ من أ-ر-ض، وأصلُه مُمسَكٌ مَضغوطٌ كَثيفٌ يَحمِلُ ما فَوقَه ويَحبِسُ ما تَحتَه، فالطَّلَبُ واقِعٌ على أشَدِّ ما تَحتَ القَدَمِ إمساكاً، ومَعناه أن يُفتَحَ لَهُم ما تُطبِقُ عَلَيه الأرضُ بِثِقَلِها.

والمَطلوبُ يَنبُوعًا، نَكِرةً واحِدةً لا توصَفُ ولا تُعَدّ. ومَدارُ ن-ب-ع على خُروجٍ من الباطِنِ يَظهَرُ من عُمق، ووَزنُ يَفعولٍ يُكَثِّفُ الحَدَثَ فيَجعَلُه دائِماً، فهو مَعينٌ لا يَنفَد، لا رَشحةٌ تَنقَطِع.

وهذا أوَّلُ ما طُلِب، فيُقاسُ عَلَيه ما بَعدَه، وهو ماءٌ يُشَقُّ لَه ثِقَلُ الأرض، ومَن جَعَلَ سُكونَ قَلبِه ثَمَناً لِعَينٍ تَنفَجِرُ فقد سَعَّرَ نَفسَه بِما يَخرُجُ من تَحتِ قَدَمَيه.


حَصيلة

فِعلُ قَولٍ مُسنَدٌ إلى واوِ جَماعةٍ لا اسمَ بَعدَها، فيَبقى القَولُ مَحفوظاً وقائِلُه مَتروكاً، وق-و-ل صَوتٌ يُطلَقُ مَقطوعاً ويَمتَدُّ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقائِلِه فيَبقى مَنسوباً. ثُمَّ «لَن» تَقطَعُ ما يَأتي، واللّامُ في لَن نُّؤْمِنَ لَكَ تُحَوِّلُ المَنعَ من مَضمونٍ يُنظَرُ فيه إلى شَخصٍ يُعطى، وأ-م-ن تَأكيدٌ يُمسَكُ في الباطِنِ حتّى يَسكُن، فالمَمنوعُ سُكونُ الجَوفِ نَحوَه. ثُمَّ «حتّى» تَفتَحُ لِلمَنعِ نِهايةً يَكتُبُها المُمتَنِعُ ويُنَفِّذُها المُخاطَب، والمَكتوبُ فِعلٌ لا حَدَث، فـتَفْجُرَ مُسنَدٌ إلَيه، وف-ج-ر شَقٌّ يُطلِقُ مُتَكَتِّلاً مَحبوساً فيَجري، فالمَطلوبُ فَتحُ مَوجودٍ لا إنشاءُ مَعدوم. ثُمَّ لَنَا تَشتَرِطُ صاحِبَ الأثَر، و«مِن» تُعَيِّنُ المَخرَجَ من أ-ر-ض المُمسِكةِ الكَثيفةِ التي تَحبِسُ ما تَحتَها، والمَخروجُ يَنبُوعًا مُنَكَّراً على يَفعولٍ لا يَنقَطِع. وأوَّلُ المَطالِبِ يَنزِلُ إلى ما تَحتَ القَدَم، وسائِرُها بَعدَه يَصعَد.