طه · الآية 124

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ

«وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي»: مَن أدارَ جَنبَه

«مَنْ» شَرطِيّةٌ لا تُسَمّي أحَداً، فلا قَومَ فيها ولا رَجُلَ ولا صِنف، وهي بابٌ مَفتوحٌ لِمَن دَخَلَه.

و«أَعْرَضَ» من ع-ر-ض على وَزنِ أفعَل، و«العُرض» الجانِبُ العَريضُ من الشَّيء، و«أعرَضَ عنه» وَلّاهُ عُرضَه. فالمَوصوفُ في الآيةِ لم يُنكِرْ ولم يُخاصِمْ ولم يَنطِقْ بِشَيء، وإنَّما أدارَ جَنبَه فَحَسب.

وهذا أخَفُّ ما يُفعَلُ وأشَدُّ ما يُوصَف، فالمُنكِرُ ما زالَ واقِفاً في وَجهِ الشَّيءِ يُنازِعُه، والمُعرِضُ أخرَجَه من مَرمى النَّظَرِ بِحَرَكةِ كَتِف.

و«عَن» حَرفُ مُجاوَزة، فالمُعرِضُ لا يَقِفُ عِندَه ولا يَمُرُّ بِه، ويَتَعَدّاهُ ويَمضي.

وأمّا «ذِكْرِي» فَلَفظٌ تَتَكَرَّرُ إضافَتُه هذه في السّورةِ ثَلاثَ مَرّات، ويَختَلِفُ الحَرفُ الدّاخِلُ عَلَيه في كُلِّ مَرّة: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ بِلامِ الغاية، ووَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ بِظَرفِيّةٍ يُعمَلُ داخِلَها، وهُنا بِـ«عَن» فيُجاوَز، فهي كَلِمةٌ واحِدةٌ يُقصَدُ إلَيها، ويُعمَلُ فيها، ويُمَرُّ عَنها.

فالكَلِمةُ ثابِتةٌ لا تَتَغَيَّر، والحَرفُ هو الذي يُقيمُ صاحِبَه أو يُخرِجُه.

«مَعِيشَةً ضَنكًا»: ضِيقٌ يُوضَعُ داخِلَ ما هو في أصلِه انتِشار

ويَبدَأُ الجَوابُ بِإثباتٍ في «فَإِنَّ لَهُ»، وعُدِلَ فيه عن السَّلب، فلَه شَيءٌ، وهو مَوصوف.

و«المَعيشة» من ع-ي-ش، وأصلُ مادّتِه جَرَيانٌ يَمتَدُّ في مَضيقٍ ثُمَّ يَتَفَشّى مُنتَشِراً في الجِهات، وهذا ما يَدُلُّ عَلَيه الجَذرُ في نَفسِه، أي امتِدادٌ يَعُمّ. و«مَعيشة» اسمٌ لِما يُعاشُ بِه، لا لِلحَياةِ مُجَرَّدة.

ثُمَّ يَلحَقُها «ضَنكًا» من ض-ن-ك، وهو احتِباسٌ مَضغوطٌ بِكَثافةٍ يُكتَمُ عَلَيه فلا يَجِدُ مَنفَذاً، فالصِّفةُ تُطبِقُ على المَوصوفِ من كُلِّ جِهةٍ كانَ يَنتَشِرُ فيها.

ولم يُذكَرْ أنَّه يُحرَم، والمَذكورُ أنَّ لَه مَعيشة، ثُمَّ وُصِفَت، فالجُدرانُ تَقرُبُ من الجَنبَينِ والبَيتُ باقٍ.

والكَلِمَتانِ نَكِرَتان، فلا يُقالُ أيُّ عَيشٍ هو، ولا مَتى يَقَعُ الضِّيق، ولا في أيِّ شَيءٍ يُحَسُّ بِه. و«ضَنكًا» لَفظٌ لا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجمَع، فوُصِفَتِ المُؤَنَّثةُ بِه على لَفظِه، كأنَّ الضِّيقَ لا يَتَشَكَّلُ بِشَكلِ ما ضاقَ.

«وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ»: فاعِلٌ يَظهَرُ في النِّصفِ الثّاني

ولا فاعِلَ مَذكورٌ في الشَّطرِ الأوَّل: «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا»، وهي جُملةٌ يُخبَرُ فيها عن مَوصوفٍ بِما لَه، ثُمَّ تَدخُلُ نونُ العَظَمةِ في «وَنَحْشُرُهُ»، فالضِّيقُ يُذكَرُ بِلا فاعِلٍ يُسَمّى، والحَشرُ يُذكَرُ بِمَن يَفعَلُه.

و«الحَشر» من ح-ش-ر، وهو ضَمُّ المُتَفَرِّقاتِ بِحَرَكةٍ جارِيةٍ حتّى تُستَوعَب، والمادّةُ في أصلِها لِلجَماعاتِ تُجمَعُ من نَواحيها، وقد وَقَعَت هُنا على ضَميرٍ مُفرَد في «ـهُ»، فصُرِّفَ فِعلُ الجَمعِ الواسِعِ على واحِد.

ومَحَلُّ النَّظَرِ في هذا أنَّ مَن أدارَ جَنبَه وَحدَه يُضَمُّ وَحدَه.

و«أَعْمَىٰ» حالٌ يُحشَرُ عَلَيها، وع-م-ي أصلُه التِباسٌ يَسري فتَذهَبُ فيه فُروقُ الأشياء، فالمُرادُ ذَهابُ الحَدِّ بَينَ شَيءٍ وشَيء، لا انطِفاءُ نور. فمَن أخرَجَ شَيئاً واحِداً من مَرمى نَظَرِه يُحشَرُ وقد ذَهَبَتِ الفُروقُ كُلُّها.

واللَّفظُ بِصيغَتِه ومَقامِه يُجاوِرُ ما جاءَ في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتاب: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ﴾، ويُذكَرُ هذا التَّجاوُرُ هُنا ولا يُعادُ شَرحُ ما هُناك.


حَصيلة

«وَمَنْ» شَرطٌ لا يُسَمّي صاحِبَه، وفِعلُه لا يَنطِقُ فيه المُعرِضُ بِحَرف، فـ«أَعْرَضَ» من ع-ر-ض وَلّاهُ جانِبَه العَريض، و«عَن» تُجاوِزُ ولا تَقِف. وهو يُجاوِزُ لَفظاً تَقَدَّمَ في السّورةِ بِإضافَتِه نَفسِها مَرَّتَين، مَرّةً مَقصوداً بِاللّامِ ومَرّةً مَعمولاً فيه بِـ«في»، فالكَلِمةُ ثابِتةٌ والحَرفُ هو الذي يُبَدِّلُ المَوقِف. ثُمَّ يُثبَتُ في الجَوابِ شَيءٌ ويُوصَف، ولا يُسلَبُ فيه شَيء: «مَعيشة» من جَذرٍ أصلُه جَرَيانٌ يَمتَدُّ في مَضيقٍ ثُمَّ يَنتَشِر، و«ضَنكًا» من جَذرٍ أصلُه احتِباسٌ مَضغوطٌ مَكتومٌ لا مَنفَذَ لَه، فوُضِعَ الضِّيقُ داخِلَ ما هو في مادَّتِه اتِّساع، والكَلِمَتانِ نَكِرَتانِ لا يُعَيَّنُ مِنهُما شَيء. ثُمَّ تَدخُلُ نونُ العَظَمةِ حَيثُ لم تَكُنْ في الشَّطرِ الأوَّل، فيُذكَرُ الفاعِلُ عِندَ الحَشرِ ولا يُذكَرُ عِندَ الضِّيق، ويُصَرَّفُ فِعلُ الجَمعِ الواسِعِ على ضَميرٍ مُفرَد. ويُختَمُ بِحالٍ من ع-م-ي، وهي التِباسٌ يَسري فتَذهَبُ فيه الفُروق، فمَن أدارَ جَنبَه عن واحِدٍ حُشِرَ وقد ذَهَبَ عنه الفَرقُ بَينَ كُلِّ شَيءٍ وكُلِّ شَيء.