طه · الآية 62

﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ

«فَتَنَازَعُوا»: جَذبٌ يَتَبادَلُه اثنانِ فأكثَر

فاءٌ تُعَقِّبُ بِلا مُهلة. قيلَ لَهُمُ القَولُ فوَقَعَ هذا. لا فاصِلَ بَينَ الكَلِمةِ وأثَرِها.

والجِذرُ ن-ز-ع قَلعٌ يَنبَعِثُ من الباطِنِ فيَجذِبُ الشَّيءَ عن مَوضِعِه: نَزَعَ الدَّلوَ أخرَجَه من البِئرِ بِجَذب، ونَزَعَ الثَّوبَ خَلَعَه عن الجَسَد. فالمادَّةُ في أصلِها انتِزاعُ شَيءٍ مُستَقِرٍّ من مُستَقَرِّه.

وجاءَ على تَفاعَلَ. وتَفاعَلَ صيغةُ المُشارَكةِ بَينَ أطراف: كُلُّ طَرَفٍ يَجذِبُ ناحِيَتَه. فلَيسَ في الآيةِ جاذِبٌ ومَجذوبٌ إلَيهِ، بَل أيدٍ كَثيرةٌ على شَيءٍ واحِد. والشَّيءُ الواحِدُ إذا جُذِبَ من جِهاتٍ لم يَتَحَرَّكْ، وإنَّما يَتَمَزَّق.

«أَمْرَهُم»: مَجذوبٌ هو مِلكُهُم

المَنزوعُ لَيسَ شَيئاً خارِجاً عَنهُم. أُضيفَ إلَيهِم: «أَمْرَهُم». يَتَجاذَبونَ ما هو لَهُم.

والجِذرُ أ-م-ر ضَمٌّ يَنفُذُ ويَمتَدُّ فيَجمَعُ الشَّأنَ في يَدٍ واحِدةٍ تَنفُذ. ومنه الأمرُ الذي يُطاعُ والأمرُ الذي يُدَبَّر، وكِلاهُما يَقتَضي جِهةً واحِدةً تَملِكُ الفَصل. فالأمرُ في أصلِه لا يَحتَمِلُ الشَّرِكةَ في الجَذب.

ولم يُقَلْ ما هو. أُضيفَ ولم يُبَيَّن. عُلِمَ أنَّ لَهُم شَأناً وأنَّهُم اختَلَفوا فيه، ولم يُعلَمْ فيمَ اختَلَفوا.

«بَيْنَهُمْ»: ظَرفٌ يُغلِقُ الدّائِرة

«بَينَ» ظَرفٌ لِما يَقَعُ في وَسَطِ أطراف. والتَّنازُعُ وَقَعَ فيه لا خارِجَه.

وهذا قَيدٌ يُقرَأُ ولا يُهمَل. الخِلافُ قامَ ولم يَخرُجْ من الدّائِرة. والذي يُنازِعُ في وَسَطِ قَومِه غَيرُ الذي يُنازِعُ أمامَ خَصمِه. فالكَلامُ الذي سُمِعَ آنِفاً أحدَثَ في الجَماعةِ صَدعاً لم يُرَ من خارِجِها.

«وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ»: إخفاءُ ما هو خَفِيٌّ أصلاً

الجِذرُ ن-ج-و ارتِفاعٌ يَنبَعِثُ من الباطِنِ ويَخلُصُ: النَّجوةُ ما ارتَفَعَ من الأرضِ فسَلِمَ ممّا يَغمُرُ ما حَولَها، ونَجا خَلَصَ. فالنَّجوى كَلامٌ مَرفوعٌ عن السَّمعِ العامّ، مَعزولٌ في نَجوةٍ لا يَبلُغُها الغامِر.

والنَّجوى بِطَبعِها مَستورة. ثُمَّ قيلَ «وَأَسَرُّوا» فَوقَ ذلك، وس-ر-ر جَريانٌ يُمسَكُ في مَوضِعٍ خَفِيٍّ فلا يَظهَر. فالسِّترُ مَرَّتان: كَلامٌ مَعزولٌ في أصلِه، ثُمَّ إخفاءٌ يُضافُ إلَيه.

ولم يُذكَرْ ما قالوا. لا حَرفَ واحِداً مِنه. والآيةُ التي بَعدَها تَبتَدِئُ بِـقَالُوا﴾ فيُسمَعُ القَولُ الظّاهِر، وتَبقى النَّجوى مُغلَقةً كما تُرِكَت. سُمِّيَ الفِعلُ ولم يُسَمَّ المَقول.

ومَن مَلَأَ هذا الفَراغَ فقد فَتَحَ ما أغلَقَتْه الآيةُ بِحَرفَين.


حَصيلة

فاءٌ بِلا مُهلة، ثُمَّ فِعلٌ على تَفاعَلَ: ن-ز-ع قَلعٌ يَجذِبُ الشَّيءَ عن مُستَقَرِّه، والصيغةُ تَجعَلُ الأيديَ كَثيرةً على شَيءٍ واحِد. والمَجذوبُ مُضافٌ إلَيهِم: «أَمْرَهُم»، وأ-م-ر ضَمُّ الشَّأنِ في جِهةٍ واحِدةٍ تَنفُذ، فالمَنزوعُ لا يَحتَمِلُ التَّجاذُبَ بِطَبعِه. ثُمَّ «بَيْنَهُمْ» يُغلِقُ الدّائِرةَ على الصَّدعِ فلا يُرى من خارِجِها. ثُمَّ «وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ»: ن-ج-و ارتِفاعٌ يَخلُصُ من الغامِر، فالنَّجوى كَلامٌ مَرفوعٌ عن السَّمعِ العامّ، وس-ر-ر إمساكُ الجاري في مَوضِعٍ خَفِيّ، فالسِّترُ مَرَّتان. ومَضمونُ الكَلامِ لَيسَ في الآية. الآيةُ تُخبِرُ أنَّهُم تَكَلَّموا سِرّاً، ثُمَّ تُغلِقُ عَلَيه.