طه · الآية 63

﴿قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ

«قَالُوا»: صَوتٌ يَخرُجُ مِمّا كانَ مَكتوماً

الآيةُ قَبلَها أغلَقَت على كَلامٍ لم يُذكَر. وهذه تَفتَحُ بِـ«قَالُوا». فالمَسموعُ ما بَعدَ هذا الحَرف، والمَكتومُ باقٍ في مَوضِعِه.

والقائِلونَ ضَميرُ جَماعةٍ كما كانوا. لم يُسَمَّ واحِدٌ مِنهُم قَبلَ الآنَ ولا يُسَمّى الآن.

«إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ»: تَوكيدٌ، ومُثَنّى، ووَصفٌ واحِدٌ لِاثنَين

الجُملةُ مَشدودةٌ بِأداتَينِ لا بِواحِدة: «إِنْ» في صَدرِها واللّامُ في خَبَرِها. فالقَولُ يُلقى مُوثَقاً مَرَّتَين، والذي يُوثِقُ قَولَه هكذا يُخاطِبُ مَن يَخشى أن يَتَرَدَّد.

ثُمَّ الإشارة: «هَٰذَانِ». اثنانِ يُشارُ إلَيهِما ولا يُسَمَّيانِ في هذا القَول. الأصابِعُ تُرفَعُ ولا تُذكَرُ أسماء. ومَن أُشيرَ إلَيهِ صارَ مَعروضاً لِلعُيونِ قَبلَ أن يُعرَضَ لِلأفهام.

ثُمَّ الخَبَر: «لَسَاحِرَانِ». وَصفٌ واحِدٌ يُحمَلُ على اثنَين. لم يُفَصَّلْ بَينَهُما ولم يُخَصَّ أحَدُهُما بِشَيء. وُضِعا في كَلِمةٍ واحِدةٍ فصارا شَيئاً واحِداً في السَّمع.

وهذا رَسمُ المُصحَفِ ولَفظُه، يُقرَأُ كما هو، كما تُقرَأُ وَيَدْعُ الْإِنسَانُ﴾ على رَسمِها. والمَنقولُ في ضَبطِ هذا الحَرفِ مُختَلِفٌ، ومَوضِعُ ذلك البِطاقةُ لا المَتن.

التَّثنِيةُ تَجري في الجُملةِ كُلِّها

ما بَدَأَ مُثَنّىً لم يُفَكَّ إلى آخِرِ الآية: «هَٰذَانِ» ثُمَّ «لَسَاحِرَانِ» ثُمَّ «يُرِيدَانِ» ثُمَّ «يُخْرِجَاكُم» ثُمَّ «بِسِحْرِهِمَا» ثُمَّ «وَيَذْهَبَا». سِتُّ عَلاماتٍ مُتَتابِعةٍ لا تَنفَكّ.

فالإرادةُ واحِدةٌ لَهُما، والفِعلُ واحِدٌ لَهُما، والأداةُ واحِدةٌ لَهُما. لم تُعطِهِمَا الجُملةُ حَرفاً واحِداً يَفصِلُ أحَدَهُما عن صاحِبِه. والاتِّهامُ حينَ يُوَحِّدُ اثنَينِ في كُلِّ لَفظٍ فقد صَنَعَ مِنهُما شَيئاً واحِداً يَسهُلُ رَدُّه.

«أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم»: تُهمةٌ تَنتَقِلُ من فَمٍ إلى فَم

الجِذرُ خ-ر-ج نُفوذٌ يَجري ثُمَّ يَبرُزُ ويَنكَشِف، فالإخراجُ نَقلٌ من داخِلٍ مَستورٍ إلى خارِجٍ مَكشوف. وهو هُنا مُعَدّىً بِالهَمزةِ فالمُخرِجُ غَيرُ الخارِج.

وهذه الجُملةُ قيلَت قَبلَ آياتٍ بِضَميرٍ آخَر: لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ﴾. كانَتِ الأرضُ «أرضَنا» في فَمٍ واحِدٍ يُخاطِبُ واحِداً، فصارَتِ «أرضَكُم» في أفواهٍ تُخاطِبُ جَماعة. والتُّهمةُ نَفسُها، والياءُ تَحَوَّلَت إلى كافٍ، ومَعَ الكافِ انتَقَلَ الخَوفُ إلى مَن لم يَكُنْ خائِفاً.

ومَن أرادَ أن يُخَوِّفَ جَماعةً فأسرَعُ الطُّرُقِ أن يَجعَلَ ما يَخافُه هو مِلكاً لَها.

«وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ»: بَعدَ الأرضِ، المَسلَك

«يَذهَبَ» لازِمٌ، فلَمّا دَخَلَتِ الباءُ صارَ مُصاحَبةً في الذَّهاب: يَمضِيانِ ومَعَهُما ما أخَذا. لا إتلافَ ولا إبطال، بَل نَقلُ شَيءٍ من يَدٍ إلى يَد.

والجِذرُ ط-ر-ق دَقٌّ عَريضٌ يُعادُ حتّى يَشتَدَّ المَوضِع: طَرَقَ الحَديدَ ضَرَبَه حتّى امتَدّ، والطَّريقُ ما وُطِئَ بِالأقدامِ حتّى صَلُبَ فبانَ لِلسّالِك. فالطَّريقةُ مَسلَكٌ لم يَصِرْ مَسلَكاً إلّا بِتَكرارِ الوَطءِ عَلَيه.

و«الْمُثْلَىٰ» من م-ث-ل: هَيئةٌ تَقومُ بِإزاءِ هَيئةٍ فتُوازِنُها. وهي هُنا على أفعَلَ التَّفضيلِ مُؤَنَّثةً: التي إذا قامَت بِإزاءِ غَيرِها قُدِّمَت عَلَيه. فالمُخَوَّفونَ يُقالُ لَهُم إنَّ لَهُم أرضاً ولَهُم مَسلَكاً هو الأقوَمُ فيما يُوازيه.

وهُما خَسارَتانِ لا واحِدة: مَوضِعٌ يُقامُ عَلَيه، وسيرةٌ يُمشى بِها. والأُولى تُرى بِالعَينِ والثّانِيَةُ لا تُرى، وهي التي جُعِلَت آخِرَ الكَلامِ ووُصِفَت بِالتَّفضيل.


حَصيلة

يُفتَحُ القَولُ فيُسمَعُ ما بَعدَ «قَالُوا» ويَبقى ما قَبلَه مَكتوماً. ثُمَّ جُملةٌ مَشدودةٌ بِأداتَين، وإشارةٌ إلى اثنَينِ لا يُسَمَّيانِ، وخَبَرٌ واحِدٌ يُحمَلُ عَلَيهِما مَعاً. والتَّثنِيةُ تَجري بَعدَ ذلك في سِتِّ عَلاماتٍ مُتَتابِعةٍ لا تَنفَكّ: إرادةٌ واحِدةٌ وفِعلٌ واحِدٌ وأداةٌ واحِدة. ثُمَّ التُّهمةُ نَفسُها التي قيلَت من قَبلُ بِياءِ المُتَكَلِّمِ تُعادُ بِكافِ الخِطاب، فتُنقَلُ الأرضُ المُهَدَّدةُ من فَمِ القائِلِ إلى مِلكِ السّامِع. ثُمَّ يُضافُ إلَيها ما لا يُرى: «طَريقَتِكُمُ المُثلى»، وط-ر-ق مَسلَكٌ صَلُبَ بِتَكرارِ الوَطء، وم-ث-ل هَيئةٌ تَقومُ بِإزاءِ غَيرِها فتُقَدَّم. أرضٌ تُوطَأُ وسيرةٌ تُمشى، وقد أُخِّرَتِ الثّانِيَةُ ووُصِفَت بِالتَّفضيل.