طه · الآية 72

﴿قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

«لَن نُّؤْثِرَكَ»: جَوابٌ لا يَقَعُ على التَّهديد

وُعِدوا بِقَطعٍ وتَصليبٍ وعَذاب. ولا شَيءَ من ذلك في جَوابِهِم. لم يُذكَرْ فيه يَدٌ ولا رِجلٌ ولا جِذع.

وقَعَ الجَوابُ على كَلِمةٍ واحِدةٍ مِمّا قيلَ لَهُم: على المُفاضَلة. رَتَّبَ لَهُم كَفَّتَينِ فأجابوا في التَّرتيبِ لا في الوَعيد.

والجِذرُ أ-ث-ر عَلامةٌ تَبقى فيُتبَعُ عَلَيها ما مَضى؛ ومنه «الأثَر» ما يَدُلُّ على الماشي بَعدَ ذَهابِه. و«آثَرَ» على أفعَلَ: قَدَّمَ شَيئاً فمَضى في أثَرِه وتَرَكَ سِواه.

و«لَن» تَنفي المُستَقبَلَ نَفياً مُؤَكَّداً. و«عَلَىٰ» تَجعَلُ المُؤثَرَ فَوقَ المَتروك. فالمَنفِيُّ أن يُوضَعَ هذا الرَّجُلُ في الأعلى.

«مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ»: مَجيءٌ لا طَلَبَ فيه

«ما» مَوصولةٌ مُبهَمةٌ ثُمَّ يُبَيَّنُ جِنسُها بِـ«من». ذُكِرَ الجِنسُ ولم يُعَدَّ عَدَد.

والفِعلُ «جَاءَنَا» لا «جِئنا». هُم مَفعولٌ بِه في هذا المَجيء. لم يَقولوا إنَّهُم طَلَبوا ولا بَحَثوا ولا اختاروا.

والجِذرُ ب-ي-ن انفِصالٌ يَظهَرُ بِه الشَّيءُ عمّا يُجاوِرُه فيُعرَف. فالبَيِّنةُ ما فُصِلَ عن غَيرِه حتّى لم يَشتَبِهْ بِه.

وهذا مُقابِلٌ لِما جَرى في المَجلِسِ قَبلَ قَليل: هُناكَ ما التَبَسَ في العَينِ فخُيِّلَ، وهُنا ما بانَ فلم يَلتَبِسْ.

«وَالَّذِي فَطَرَنَا»: تَعريفٌ بِفِعلٍ وَقَعَ عَلَيهِم

مَعطوفٌ على المُفَضَّلِ عَلَيه. ولم يُسَمَّ بِاسم، بَل عُرِّفَ بِمَوصولٍ وصِلَة.

والجِذرُ ف-ط-ر شَقٌّ يَبتَدِئُ ما لم يَكُنْ؛ ومنه «فُطور» شُقوقٌ تَبدو في الشَّيء، و«الفِطر» شَقُّ الصَّومِ بِأوَّلِ ما يُذاق. فالفَطرُ ابتِداءٌ بِشَقٍّ لا إعادةٌ لِمِثال.

وقالوا قَبلَ آيَتَينِ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾، فعَرَّفوهُ بِرَجُلَين. ويَقولونَ هُنا «وَالَّذِي فَطَرَنَا»، فيُعَرِّفونَه بِما صَنَعَ بِهِم هُم. تَحَوَّلَتِ النِّسبةُ من غَيرِهِم إلى أنفُسِهِم.

«فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ»: أمرٌ يُعطى لِلمُهَدِّد

لم يَستَعطِفوا ولم يَستَمهِلوا. أمَروهُ بِأن يَفعَل. والفاءُ تُفَرِّعُ هذا على ما قَبلَه: إذ لم يَبقَ ما يُشترى بِه، فليَمضِ ما هو ماضٍ.

و«مَا أَنتَ قَاضٍ» مَوصولٌ وجُملةٌ اسمِيّةٌ خَبَرُها اسمُ فاعِل. لم يُذكَرْ ما هو. أُبهِمَ المَقضِيُّ كما أُبهِمَ غَيرُه في هذا المَشهَد، فلا يُعادُ ذِكرُ ما تَوَعَّدَ بِه.

والجِذرُ ق-ض-ي فَصلٌ يُتِمُّ الأمرَ فلا يُرجَعُ فيه. ومنه «قَضى الأمرَ» أتَمَّه، و«القاضي» يَفصِلُ فيَنتَهي الخِصام.

«إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا»: حَدٌّ يُرسَمُ في نَفَسِ التَّسليم

«إنَّما» تَحصُر. أُعطِيَ الأمرُ في الجُملةِ الأُولى وحُدَّ مَجالُه في الثّانِيَة، ولم يُفصَلْ بَينَهُما بِشَيء.

وقد جَرى الجِذرُ ق-ض-ي في هذه الآيةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ في ثَلاثِ صِيَغ: أمرٌ، ثُمَّ اسمُ فاعِل، ثُمَّ مُضارِع. أُثبِتَ لَه الفِعلُ ثَلاثاً ثُمَّ حُصِرَ مَوضِعُه.

و«هَٰذِهِ» إشارةٌ إلى حاضِرٍ يُشارُ إلَيهِ بِاليَد. و«الدُّنْيَا» على أفعَلَ التَّفضيلِ مُؤَنَّثةً من د-ن-و: الأقرَب. وأفعَلُ التَّفضيلِ يَقتَضي شَيئاً فُضِّلَ عَلَيه، ولم يُذكَرْ في الآية.

فحُدَّ سُلطانُه بِالأقرَب، وسُكِتَ عن الأبعَدِ فبَقِيَ في اللَّفظِ مَطوِيّاً. أعطَوهُ كُلَّ ما يَملِك، ثُمَّ قالوا لَه كَم هو.


حَصيلة

جَوابٌ لا يَمَسُّ الوَعيدَ بِحَرف، ويَقَعُ على المُفاضَلةِ وَحدَها: «لَن نُّؤْثِرَكَ»، وأ-ث-ر عَلامةٌ تَبقى فيُمضى في إثرِها، و«عَلَىٰ» تَضَعُ المُؤثَرَ فَوقَ المَتروك، و«لَن» تَنفي المُستَقبَلَ نَفياً مُؤَكَّداً. والمُفَضَّلُ عَلَيهِ شَيئان: «مَا جَاءَنَا» مُبهَماً يُبَيَّنُ جِنسُه بِـ«مِنَ الْبَيِّنَاتِ»، وب-ي-ن انفِصالٌ يَظهَرُ بِه الشَّيءُ فلا يَلتَبِس؛ ثُمَّ «وَالَّذِي فَطَرَنَا» مَوصولاً لا اسماً، وف-ط-ر شَقٌّ يَبتَدِئُ ما لم يَكُن. وقد كانَ التَّعريفُ قَبلَ آيَتَينِ بِرَجُلَين، فصارَ هُنا بِفِعلٍ وَقَعَ عَلَيهِم. ثُمَّ أمرٌ يُعطى لِلمُهَدِّد: «فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ»، والمَقضِيُّ مُبهَمٌ لا يُعادُ ذِكرُه. ثُمَّ «إِنَّمَا» تَحصُرُ في النَّفَسِ نَفسِه، وق-ض-ي فَصلٌ يُتِمُّ فلا يُرجَعُ فيه، جَرى ثَلاثاً في ثَلاثِ صِيَغ. و«الدُّنْيَا» أفعَلُ تَفضيلٍ من د-ن-و بِلا مُفَضَّلٍ عَلَيهِ مَذكور. سُلِّمَ لَه المِقدارُ كامِلاً، وقيلَ لَه في الوَقتِ نَفسِه كَم هو.