النساء · الآية 23

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا

«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ»: حِمًى يُعرَفُ مَن فيه بِقُربِه من المُخاطَب

تَتَّصِلُ الآيةُ بِالنَّهيِ الذي قَبلَها، وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾، ويَتَحَوَّلُ فيها الكَلامُ من النَّهيِ إلى الخَبَر: «حُرِّمَت عَلَيكُم». والتَّحريمُ من ح-ر-م، إدخالُ الشَّيءِ في حَوزٍ مَصونٍ لا تُمَدُّ إلَيه يَد، ومنه «الحَرَم»، و«حَريمُ الدّارِ» لِما يُصانُ حَولَها مَعَها. وبُنِيَ الفِعلُ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فاتَّجَهَ النَّظَرُ إلى ما حُرِّمَ وإلى مَن حُرِّمَ عَلَيه، ثُمَّ يُسَمّي ما بَعدَ الآيةِ مَصدَرَ هذا الحَوز: كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.

ثُمَّ تَتَتابَعُ الأسماءُ، وكُلُّها مُضافٌ إلى المُخاطَبينَ أو إلى أقرَبِ النّاسِ إلَيهِم: «أُمَّهاتُكُم وبَناتُكُم وأخَواتُكُم وعَمّاتُكُم وخالاتُكُم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخت». فكُلُّ امرَأةٍ في هذا الصَّدرِ تُعرَفُ بِمَوضِعِها من المُخاطَب: أُمٌّ خَرَجَ مِنها، وبِنتٌ خَرَجَت مِنه، وأُختٌ شَرِكَتهُ في أصلِه، وعَمّةٌ وخالةٌ هُما أُختا أبيه وأُمِّه، وبِنتا أخيه وأُختِه. والتَّرتيبُ يَبدَأُ بِالأقرَبِ ثُمَّ يَتَّسِع: الأصلُ والفَرع، ثُمَّ مَن شارَكَه أصلَه، ثُمَّ إخوةُ أصلِه، ثُمَّ فُروعُ إخوَتِه، فهي دَوائرُ تَتَّسِعُ حَولَ مَركَزٍ واحِد.

«وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ»: لَبَنٌ يَأخُذُ اسمَ القَرابة

ثُمَّ يَعودُ لَفظُ «أُمَّهاتُكُم» مَرّةً ثانِيةً مَوصوفاً بِفِعل: «اللاتي أرضَعنَكُم»، فالآيةُ تُعطي المُرضِعةَ اسمَ الأُمِّ نَفسَه، وتَجعَلُ الإرضاعَ صِلةً تُعرَفُ بِها. والرَّضاعةُ من ر-ض-ع، جَرَيانٌ يَصِلُ إلى فَمٍ يَلتَصِقُ بِمَصدَرِه ويَقبِضُ عَلَيه، وهو الفِعلُ الذي أسنَدَتهُ البَقَرةُ إلى الوالِدات: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، وأسنَدَتهُ الآيةُ هُنا إلى نِساءٍ سَمَّتهُنَّ بِه أُمَّهات، فالمُرضِعةُ فاعِلةُ الفِعلِ في «أرضَعنَكُم»، والمُخاطَبُ مَن جَرى إلَيه لَبَنُها.

و«أخَواتُكُم من الرَّضاعة» تُسَمّي الأُخوّةَ ومَنبَعَها في لَفظٍ واحِد، و«مِن» تَجعَلُ الرَّضاعةَ المَوضِعَ الذي خَرَجَت مِنه هذه الأُخوّة، كما تَجعَلُ «مِن» في آخِرِ الآيةِ الأصلابَ مَخرَجَ البُنُوّة: «الذينَ من أصلابِكُم»، وتَجعَلُ النِّساءَ مَخرَجَ الرَّبائب: «مِن نِسائِكُم». فالآيةُ تُسَمّي في مَواضِعَ مُتَفَرِّقةٍ مَنابِعَ هذه الصِّلات: لَبَنٌ يُرضَع، ونِساءٌ يُدخَلُ بِهِنّ، وصُلبٌ يَخرُجُ مِنه الأبناء، وصِلاتُ الصَّدرِ الأوَّلِ تَكفيها أسماؤها: أُمٌّ وبِنتٌ وأُخت.

«وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم»: صِلةٌ تَأتي بِها الزَّوجةُ ويُنشِئُها الحِضن

ثُمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ إلى نِساءٍ تَصِلُهُنَّ بِالمُخاطَبِ امرَأتُه: «وأُمَّهاتُ نِسائِكُم ورَبائِبُكُم». والرَّبائبُ جَمعُ رَبيبة، من ر-ب-ب، والجِذرُ يَدورُ على تَعَهُّدٍ مُلازِمٍ يَجري مَعَ الشَّيءِ حتّى يَستَوي، فالرَّبيبةُ بِنتُ الزَّوجةِ يَتَوَلّى زَوجُ أُمِّها تَنشِئَتَها. ووَصَفَتهُنَّ الآيةُ بِمَكانِهِنّ: «اللاتي في حُجورِكُم»، والحُجورُ جَمعُ حِجْر، من ح-ج-ر، وهو الحِضنُ الذي يُحمَلُ فيه الصَّغيرُ ويُحفَظ، والجِذرُ يَجمَعُ الإحاطةَ والمَنع، ومنه في الكِتابِ لِّذِي حِجْرٍ﴾ لِعَقلٍ يُمسِكُ صاحِبَه. فالرَّبيبةُ في لَفظِ الآيةِ مَن نَشَأَت في حِضنِ المُخاطَبِ وتَحتَ حِمايَتِه.

ثُمَّ جاءَ قَيدٌ يَعودُ إلى أُمَّهاتِهِنّ: «مِن نِسائِكُمُ اللاتي دَخَلتُم بِهِنّ». والدُّخولُ بِالمَرأةِ في لَفظِ الآيةِ دُخولٌ مَعَها، والباءُ فيه لِلمُصاحَبة، وقد سَمّى ما قَبلَها هذا الاقتِرانَ إفضاءً: وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾. وأتبَعَتِ الآيةُ القَيدَ بِعَكسِه صَريحاً: «فإن لم تَكونوا دَخَلتُم بِهِنَّ فلا جُناحَ عَلَيكُم»، والجُناحُ من ج-ن-ح، المَيلُ إلى جانِب، فنَفيُه يَرفَعُ المَيلَ عَمَّن لم يَدخُل. وهذا المَوضِعُ وَحدَه في القائمةِ اجتَمَعَ فيه القَيدُ ونَقيضُه، والقَيدُ في نَظمِ الآيةِ يَلي «نِسائِكُم» التي جاءَت مِنها الرَّبائب.

«وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ»: مَن حَلَّت لِغَيرِ المُخاطَب، واجتِماعٌ يُمنَع

و«حَلائِلُ» جَمعُ حَليلة، من ح-ل-ل، والجِذرُ يَجمَعُ الانفِكاكَ من القَيدِ والنُّزولَ بِالمَكان، فالحَليلةُ مَن حَلَّت لِزَوجِها ونَزَلَت مَعَه. فالآيةُ تُسَمّي زَوجةَ الابنِ بِاسمٍ يَقولُ إنَّها حَلَّت لِغَيرِ المُخاطَب، ثُمَّ تُدخِلُها فيمَن حُرِّمنَ عَلَيه، ويَعودُ الجِذرُ في الآيةِ التّاليةِ فِعلاً يُقابِلُ «حُرِّمَت»: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾. وقُيِّدَ الأبناءُ بِـ«الذينَ من أصلابِكُم»، والصُّلبُ من ص-ل-ب، عَمودُ الظَّهرِ الشَّديدُ المُمتَدّ، وفي الكِتابِ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، فالبُنُوّةُ في هذا المَوضِعِ بُنُوّةٌ مَخرَجُها الصُّلب.

ثُمَّ يَتَغَيَّرُ نَسَقُ القائمة: كانَ ما قَبلَ آخِرِها أسماءَ نِساءٍ يُعطَفُ بَعضُها على بَعض، وجاءَ آخِرُها فِعلاً سَبَكَتهُ «أن» مَصدَراً: «وأن تَجمَعوا بَينَ الأُختَين»، أي الجَمعُ بَينَهُما. فالمُحَرَّمُ هُنا اجتِماعُ اثنَتَين، وكُلُّ أُختٍ مِنهُما على حِدَةٍ خارِجةٌ عن هذا البَند. والجَمعُ من ج-م-ع، ضَمُّ المُتَفَرِّقِ حتّى يَلتَئِم، و«بَين» تَضَعُ الأُختَينِ طَرَفَينِ يَقِفُ الجامِعُ في وَسَطِهِما.

«إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا»: ماضٍ يُستَثنى، وخِتامٌ من جِذرِ الأرحام

وخُتِمَتِ القائمةُ بِالاستِثناءِ الذي جاءَ في الآيةِ قَبلَها: «إلّا ما قد سَلَف». والسَّلَفُ من س-ل-ف، ما تَقَدَّمَ ومَضى، و«قد» مَعَ الفِعلِ الماضي تُثبِتُ وُقوعَه وانقِضاءَه. والكِتابُ يَستَعمِلُ هذا الفِعلَ حينَ يُحَرِّمُ شَيئاً كانَ يُعمَلُ بِه: فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، فالتَّحريمُ يَسري من حينِ يُبَلَّغ، وما سَبَقَه يُسَمّى ويُستَثنى. وقد أتبَعَتِ الآيةُ السّابِقةُ هذا الاستِثناءَ حُكماً على الفِعلِ نَفسِه: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وأتبَعَتهُ هذه اسمَينِ من أسماءِ الله: «إنَّ اللهَ كانَ غَفوراً رَحيماً».

والغَفورُ من غ-ف-ر، والغَفرُ سَترٌ يَقي ما تَحتَه، ومنه «المِغفَرُ» يُغَطّي الرَّأسَ ويَحميه، والرَّحيمُ من ر-ح-م، الجِذرِ الذي سَمّى في مَطلَعِ السّورةِ الأرحام: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾. فالآيةُ التي عَدَّدَت صِلاتِ الرَّحِمِ والرَّضاعةِ والنِّكاحِ تَنتَهي بِاسمٍ من جِذرِ الرَّحِمِ نَفسِه، و«كانَ» تُثبِتُ الاسمَينِ صِفَتَينِ قائمَتَين، وقد وَلِيا «ما قد سَلَفَ» بِلا فاصِل.


حَصيلة

تَتَّصِلُ الآيةُ بِالنَّهيِ الذي قَبلَها، وتُقيمُ حَولَ المُخاطَبِ حِمًى من ح-ر-م تُسَمّي كُلَّ مَن فيه بِمَوضِعِها مِنه: من الرَّحِمِ أُمّاً وبِنتاً وأُختاً وعَمّةً وخالةً وبِنتَي أخٍ وأُخت، ومن الرَّضاعةِ أُمّاً وأُختاً، ومن النِّكاحِ أُمَّ الزَّوجةِ ورَبيبةً في الحِجرِ وحَليلةَ ابنٍ من الصُّلب. وتُصَرِّحُ في الرَّبيبةِ بِقَيدِ الدُّخولِ بِأُمِّها وبِعَكسِه، وتَختِمُ القائمةَ بِفِعلٍ يُحَرِّمُ اجتِماعَ الأُختَين، وتُسَمّي بِـ«مِن» مَنابِعَ الصِّلات. ثُمَّ تَستَثني ما سَلَفَ كما استَثنَتهُ الآيةُ قَبلَها، وتَختِمُ بِالغَفورِ الرَّحيم، والرَّحيمُ من الجِذرِ الذي سَمّى الأرحامَ في أوَّلِ السّورة، فتَعودُ القائمةُ كُلُّها إلى الأصلِ الذي افتُتِحَت بِه السّورة.