النساء · الآية 87

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا

«اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ»: اسمٌ في الصَّدرِ يَعودُ إلَيه الكَلام

بَعدَ آيةٍ خُتِمَت بِأنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ حَسيب، تَبدَأُ هذه بِاسمِه مُجَرَّداً في صَدرِ الكَلام: «اللهُ»، ثُمَّ تُخبِرُ عَنه بِجُملةٍ تَنفي وتَستَثني: «لا إلهَ إلّا هو». والإلهُ من أ-ل-ه، وهو المَقصودُ بِتَعَلُّقٍ يَستَغرِقُ صاحِبَه فلا يَبقى فيه لِغَيرِه مَوضِع، ومنه قَولُهُم «ألِهَ إلَيه» إذا فَزِعَ إلَيه ولاذَ بِه. و«لا» تَنفي الجِنسَ كُلَّه، فلا يَبقى إلهٌ يُقصَدُ في جِهةٍ من الجِهات، ثُمَّ يُستَثنى «هو»، وهو عائدٌ إلى الاسمِ الذي افتُتِحَت بِه الآية. فالجُملةُ تَبدَأُ بِاللهِ وتَنتَهي إلَيه، وما بَينَهُما نَفيٌ لِكُلِّ ما سِواه.

وهذه الجُملةُ بِلَفظِها تَفتَتِحُ آياتٍ أُخرى في الكِتاب، ويَتلوها في أكثَرِها وَصفٌ لِله، كما في اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، أمّا هُنا فيَتلوها قَسَمٌ على فِعل: «لَيَجمَعَنَّكُم». فالوَحدانيّةُ في هذه الآيةِ مُقَدِّمةٌ لِما يَقومُ عَلَيها: مَن لا إلهَ غَيرُه هو الذي يَجمَعُ الخَلق، ولا يُفلِتُ من جَمعِه أحَد.

«لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»: جَمعٌ مُؤَكَّدٌ لَه مُنتَهى

ويَأتي الفِعلُ «لَيَجمَعَنَّكُم» مُؤَكَّداً بِاللّامِ في أوَّلِه والنّونِ المُشَدَّدةِ في آخِرِه، وهُما عَلامةُ جَوابِ قَسَمٍ مَطويّ، فالآيةُ بَعدَ أن تُثبِتَ أنَّه لا إلهَ غَيرُه تُقسِمُ على الجَمع. والجَمعُ من ج-م-ع، ضَمُّ المُتَفَرِّقِ بَعضِه إلى بَعضٍ حتّى يَلتَحِم، والمُخاطَبونَ مُتَفَرِّقونَ في الأرضِ والأزمان، يُضَمّونَ إلى مَوقِفٍ واحِد. و«إلى» تَجعَلُ لِهذا الجَمعِ غايةً يَنتَهي إلَيها، فهو جَمعٌ يَسوقُهُم حتّى يَبلُغَ بِهِم ذلك اليَوم. وقد جاءَ الجَمعُ لِذلك اليَومِ في مَوضِعٍ آخَرَ بِاللّام: إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾، واللّامُ تَجعَلُ اليَومَ غَرَضاً يُجمَعُ النّاسُ لَه، و«إلى» هُنا تَجعَلُه مُنتَهىً يُساقونَ إلَيه. ولا تَرِدُ «لَيَجمَعَنَّكُم إلى يَومِ القِيامةِ لا رَيبَ فيه» بِلَفظِها إلّا هُنا وفي الآيةِ الثّانيةَ عَشرةَ من سورةِ الأنعام.

و«يَومِ القِيامة» من ق-و-م، والقِيامةُ مَصدَرُ «قامَ»، فاليَومُ مُسَمّىً بِما يَكونُ فيه من قِيامِ النّاس، وقد جاءَ ذلك صَريحاً في يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والجِذرُ يَدورُ على مُجتَمِعٍ يُمسَكُ من باطِنِه حتّى يَنتَصِبَ قائماً، فيَلتَقي في الآيةِ بِـ«لَيَجمَعَنَّكُم»: المُتَفَرِّقُ يُضَمّ، ثُمَّ يَقومُ المَضمومُ مُنتَصِباً في يَومٍ واحِد.

«لَا رَيْبَ فِيهِ»: يَومٌ لا يَضطَرِبُ في أمرِه قَلب

و«لا رَيبَ فيه» تَنفي جِنسَ الرَّيب، والرَّيبُ من ر-ي-ب شَكٌّ يَضطَرِبُ في النَّفسِ فلا يَستَقِرّ، يَجري فيها الأمرُ ثُمَّ يُحبَسُ عن قَرارِه، ومنه في الكِتابِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ لِحَوادِثِ الدَّهرِ التي تُقلِقُ مَن تَنزِلُ بِه. و«فيه» يَحتَمِلُ أن يَعودَ على اليَومِ وأن يَعودَ على الجَمع، والعِبارةُ تَحمِلُ الوَجهَين: يَومٌ لا يُتَرَدَّدُ في مَجيئِه، وجَمعٌ لا يُتَرَدَّدُ في وُقوعِه. وهي عِبارةٌ يَصِفُ بِها الكِتابُ نَفسَه في مَواضِع، كما في تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فالخَبَرُ وما يُخبِرُ عَنه يَشتَرِكانِ في الوَصفِ نَفسِه.

«وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا»: سُؤالٌ جَوابُه في صَدرِ الآية

وتُختَمُ الآيةُ بِسُؤالٍ لا يُنتَظَرُ لَه جَواب: «ومَن أصدَقُ مِنَ اللهِ حَديثاً». والصِّدقُ من ص-د-ق، قَولٌ صُلبٌ يَلتَئِمُ ظاهِرُه بِما وَراءَه، و«أصدَقُ» على «أفعَل»، والسُّؤالُ بِـ«مَن» يَطلُبُ أحَداً يَفضُلُ اللهَ في هذه المُطابَقةِ فلا يَجِدُه، وجَوابُه قائمٌ في صَدرِ الآية: لا إلهَ إلّا هو. و«حَديثاً» تُعَيِّنُ الجِهةَ التي يَقَعُ فيها التَّفاضُل، والحَديثُ من ح-د-ث، أمرٌ يَحدُثُ بَعدَ أن لم يَكُن ثُمَّ يُنقَلُ خَبَرُه، واليَومُ الذي أُقسِمَ عَلَيه حَدَثٌ آتٍ، والخَبَرُ عَنه حَديثٌ من الله.

ولا يَرِدُ «ومَن أصدَقُ مِنَ الله» في الكِتابِ إلّا في هذه السّورة: هُنا مَعَ «حَديثاً»، وفي الآيةِ الثّانيةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ مَعَ «قيلاً». وتُختَمُ بِـ«حَديثاً» في هذه السّورةِ ثَلاثُ آيات: الثّانيةُ والأربَعون، والثّامِنةُ والسَّبعون، وهذه. ففي الأُولى: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، وفي الثّانيةِ: لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، وفي هذه يُسأَلُ عَمَّن هو أصدَقُ من اللهِ حَديثاً: حَديثٌ لا يُكتَمُ عَنه، وحَديثٌ يَعسُرُ فِقهُه، وحَديثٌ لا أصدَقَ مِنه.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِاسمِ اللهِ وتُخبِرُ عَنه بِنَفيِ كُلِّ إلهٍ سِواه، والإلهُ من أ-ل-ه مَقصودُ تَعَلُّقٍ يَستَغرِقُ صاحِبَه، ثُمَّ تُقسِمُ على جَمعٍ، من ج-م-ع، يَضُمُّ المُتَفَرِّقينَ ويَسوقُهُم إلى يَومٍ مُسَمّىً بِقِيامِهِم، من ق-و-م، وتَنفي عن ذلك اليَومِ الرَّيبَ، من ر-ي-ب، أي كُلَّ شَكٍّ يَضطَرِبُ فلا يَستَقِرّ. ثُمَّ تَختِمُ بِسُؤالٍ عَمَّن هو أصدَقُ، من ص-د-ق، حَديثاً، من ح-د-ث، من الله، وجَوابُه في صَدرِ الآيةِ نَفسِها، فتَلتَقي بِآيَتَينِ من السّورةِ خُتِمَتا بِـ«حَديثاً»، وبِآيةٍ لاحِقةٍ تَسأَلُ السُّؤالَ نَفسَه مَعَ «قيلاً». وتَأتي بَعدَ «حَسيباً» في الآيةِ السّابِقة، فالحِسابُ الذي يُحصي كُلَّ شَيءٍ يَنتَهي إلى يَومٍ يُجمَعُ فيه النّاس.