النساء · الآية 86

﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا

«وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ»: تَحيّةٌ تَأتي من أيِّ أحَد

تَأتي الآيةُ بَعدَ آيةِ الشَّفاعة، وكِلتاهُما فيما يَجري بَينَ النّاس: هُناكَ شَفاعةٌ يَضُمُّ بِها المَرءُ نَفسَه إلى أمرِ غَيرِه، وهُنا تَحيّةٌ يَلقى بِها صاحِبَه. و«إذا» مَعَ الفِعلِ «حُيِّيتُم» تَضَعُ الحُكمَ لِكُلِّ مَرّةٍ يَقَعُ فيها ذلك، فهو شَرطٌ يَتَجَدَّدُ ما تَجَدَّدَتِ التَّحيّة. والفِعلُ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالمُحَيّي في الآيةِ مُطلَقٌ يَدخُلُ فيه كُلُّ مَن بَدَأَ المُخاطَبينَ بِتَحيّة، و«بِتَحِيّةٍ» نَكِرةٌ تَعُمُّ صُوَرَها كُلَّها.

والتَّحيّةُ من ح-ي-ي، وأصلُها أن يَقولَ الرَّجُلُ لِصاحِبِه «حَيّاكَ الله»، أي أبقاكَ حَيّاً، ثُمَّ صارَت اسماً لِكُلِّ ما يُلقى عِندَ اللِّقاء. فالكَلِمةُ تَحمِلُ في جِذرِها حَياةً تَنفُذُ خالِصةً وتَسري، كأنَّ المُحَيّيَ يَبعَثُ إلى صاحِبِه بِشَيءٍ من الحَياةِ حينَ يَلقاه. وقد سَمّى الكِتابُ تَحيّةَ قَومٍ في الجَنّةِ سَلاماً: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾، فالتَّحيّةُ اسمٌ لِلفِعل، والسَّلامُ صورةٌ من صُوَرِه. ويَجري الجِذرُ في صَدرِ الآيةِ ثَلاثَ مَرّات: «حُيِّيتُم» و«بِتَحِيّةٍ» و«فحَيّوا»، فالتَّحيّةُ تَأتي وتَعودُ في لَفظٍ واحِد.

«فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا»: حَدٌّ أعلى وحَدٌّ أدنى

وجَوابُ «إذا» أمرٌ ذو وَجهَينِ بَينَهُما «أو»: أن يُحَيّا المُحَيّي «بِأحسَنَ مِنها»، أو أن تُرَدَّ عَلَيه تَحيَّتُه. و«أحسَنَ» من ح-س-ن، وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ السّابِقةِ صِفةً لِلشَّفاعة: شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، وجاءَ هُنا على «أفعَل»، فالمَطلوبُ تَحيّةٌ تَزيدُ على الأُولى حُسناً، و«مِنها» تَجعَلُ الأُولى مِقياسَ الثّانية. وتَترُكُ الآيةُ وَجهَ هذه الزِّيادةِ مَفتوحاً: قد تَكونُ في اللَّفظ، وقد تَكونُ في البِشرِ والإقبال، والمِعيارُ الذي تَنُصُّ عَلَيه أن تَكونَ الثّانيةُ أحسَنَ من الأُولى.

و«رُدّوها» من ر-د-د، والرَّدُّ إرجاعُ الشَّيءِ إلى الجِهةِ التي جاءَ مِنها، والضَّميرُ لِلتَّحيّةِ نَفسِها، فهي تَعودُ إلى صاحِبِها على صورَتِها. وقُدِّمَ الأحسَنُ على الرَّدّ، فأوَّلُ ما تَذكُرُه الآيةُ الزِّيادة، وآخِرُه أدنى ما يُجابُ بِه. والوَجهانِ يَجتَمِعانِ على أنَّ التَّحيّةَ تَعودُ إلى مَن ألقاها: إمّا زائدةً، وإمّا كما جاءَت.

«إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا»: عَدٌّ يَبلُغُ أصغَرَ ما يُتَبادَل

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـ«حَسيباً» من ح-س-ب، والحِسابُ عَدٌّ يُحصي الشَّيءَ ويَنسُبُه إلى صاحِبِه، والحَسيبُ مَن يُحصي ذلك ويَقومُ عَلَيه. و«على كُلِّ شَيءٍ» تُدخِلُ في هذا الإحصاءِ ما يَبدو أصغَرَ من أن يُعَدّ: كَلِمةً تُقالُ عِندَ لِقاء، وكَلِمةً تُرَدُّ عَلَيها. و«كانَ» تُثبِتُ الصِّفةَ قائمةً لا يَحُدُّها زَمَن. وقد وُصِفَ اللهُ بِالحَسيبِ في الآيةِ السّادِسةِ من هذه السّورةِ عِندَ دَفعِ أموالِ اليَتامى إلَيهِم: وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، فالصِّفةُ التي قامَت هُناكَ على المالِ قائمةٌ هُنا على الكَلِمة.

وقد خُتِمَتِ الآيةُ السّابِقةُ على هذه الهَيئة: وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾، ولا يَرِدُ «على كُلِّ شَيءٍ مُقيتاً» ولا «على كُلِّ شَيءٍ حَسيباً» في غَيرِ هاتَينِ الآيَتَين، فالآيَتانِ المُتَجاوِرَتانِ تَختِمانِ ما يَجري بَينَ النّاسِ من شَفاعةٍ وتَحيّةٍ بِصِفَتَينِ لِلهِ تَقومانِ على كُلِّ شَيء. وهُما في مَقطَعٍ يَدورُ على القِتال: في الآيةِ الرّابِعةِ والثَّمانينَ «فقاتِل في سَبيلِ الله»، وفي الآيةِ التِّسعينَ شَرطٌ يُعَلِّقُ الحُكمَ بِأن «ألقَوا إلَيكُمُ السَّلَم»، وبَينَهُما يُوضَعُ حُكمُ التَّحيّةِ التي تُلقى إلى المُخاطَبين، فما جاءَهُم مِنها فجَوابُه قائم.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ حُكمَ التَّحيّةِ بَعدَ حُكمِ الشَّفاعة، وتَجعَلُه شَرطاً يَتَجَدَّدُ كُلَّما حُيِّيَ المُخاطَبونَ من أيِّ أحَد. والتَّحيّةُ من ح-ي-ي حَياةٌ تَنفُذُ من المُحَيّي إلى صاحِبِه، ولِجَوابِها حَدّان: «بِأحسَنَ مِنها»، من ح-س-ن، زِيادةٌ تُقاسُ على الأُولى ويَبقى وَجهُها مَفتوحاً، و«رُدّوها»، من ر-د-د، إرجاعٌ لِلتَّحيّةِ إلى صاحِبِها كما جاءَت، والحَدّانِ يَتَّفِقانِ على أنَّها تَعود. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِحَسيبٍ، من ح-س-ب، يُحصي كُلَّ شَيءٍ حتّى الكَلِمةَ عِندَ اللِّقاء، في خِتامٍ يُجاوِرُ خِتامَ الآيةِ السّابِقةِ «على كُلِّ شَيءٍ مُقيتاً»، ووَسطَ مَقطَعٍ يَأمُرُ بِالقِتالِ ويَذكُرُ مَن يُلقي السَّلَم.