طه · الآية 135

﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ

«قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ»: آخِرُ ما في السّورةِ يَبدَأُ بِأمرٍ أن يُقال

آخِرُ آيةٍ في السّورةِ تَفتَتِحُ بِفِعلِ أمرٍ واحِد: «قُلْ». فما بَعدَه لَيسَ خَبَراً يُقالُ لِلمُخاطَب، بَل قَولٌ يُوضَعُ في فَمِه لِيُبَلِّغَه. والسّورةُ تُغلَقُ بِكَلامٍ مَنقولٍ لا بِكَلامٍ مُبتَدَأ.

و«كُلٌّ» نَكِرةٌ مُنَوَّنة، والتَّنوينُ عِوَضٌ عَمّا حُذِفَ بَعدَه. وك-ل-ل إحاطةٌ تَحوزُ ما تَحتَها فلا تَدَعُ خارِجَها شَيئاً. فأوَّلُ ما يُؤمَرُ بِقَولِه يَشمَلُ الطَّرَفَينِ مَعاً قَبلَ أن يُفَرَّقَ بَينَهُما.

و«مُّتَرَبِّصٌ» اسمُ فاعِلٍ على تَفَعَّل، من ر-ب-ص: لُزومُ مَوضِعٍ في تَرَقُّبٍ مَحصورٍ بِغاية. فلا هو سُكونٌ بِلا انتِظار، ولا هو انتِظارٌ مَفتوحٌ بِلا أمَد.

وهذا الخَبَرُ يُسَوّي بَينَ الجَميعِ في الهَيئةِ قَبلَ أن يُفَرِّقَ بَينَهُم في الغاية. لا يُقالُ في السَّطرِ إنَّ أحَداً يَعمَلُ وآخَرَ يَقعُد؛ يُقالُ إنَّ الكُلَّ واقِفٌ يَنتَظِر.

«فَتَرَبَّصُوا»: أمرٌ من جَذرِ الاسمِ الذي سَبَقَه

فاءٌ ثُمَّ فِعلُ أمرٍ من الجَذرِ نَفسِه الذي اشتُقَّ مِنه الاسمُ قَبلَه. اسمُ فاعِلٍ ثُمَّ أمرٌ من مادَّتِه.

والأمرُ لا يُضيفُ إلى الخَبَرِ شَيئاً. قيلَ إنَّ الكُلَّ مُتَرَبِّص، ثُمَّ قيلَ لَهُم تَرَبَّصوا. فالمَأمورونَ بِه فاعِلونَ لَه.

وهُنا يَقَعُ الشَّيء: لَيسَ في الأمرِ عَمَلٌ جَديدٌ يُطلَب، فيه نَقلُ الحالِ إلى الاختِيار. مَن كانَ يَنتَظِرُ بِحُكمِ مَوقِعِه صارَ يَنتَظِرُ بِحُكمِ أمرٍ يَتَوَلّاه.

وصيغةُ تَفَعَّلَ تَرُدُّ الحَدَثَ على فاعِلِه، فالتَّرَبُّصُ في الأمرِ عَمَلٌ يَصنَعُه صاحِبُه لا حالٌ تَقَعُ بِه. ويَتَحَوَّلُ الكَلامُ من الغَيبةِ في «كُلٌّ» إلى الخِطابِ في «تَرَبَّصُوا»: قيلَ عن الجَميع، ثُمَّ قيلَ لِبَعضِهِم.

«فَسَتَعْلَمُونَ»: سينٌ تُؤَخِّرُ ولا تُؤَقِّت

فاءٌ ثانِيةٌ ثُمَّ سينٌ على المُضارِع. والسّينُ تُلقي الفِعلَ إلى ما هو آتٍ ولا تُسَمّي لَه وَقتاً.

وع-ل-م قَبضٌ يَلزَمُ مَحَلَّه ويَنضَمُّ عَلَيه. فالعِلمُ حِيازةُ المَعنى لا مُجاوَرَتُه. والمَوعودُ بِه لَيسَ إخباراً يُتلَقّى، بَل قَبضةٌ تَنعَقِدُ.

ثُمَّ ما الذي يُعلَم؟ لَيسَ خَبَراً، بَل اسمٌ: «مَنْ». يُوعَدونَ بِأن يَعرِفوا مَن، لا بِأن يَعرِفوا ماذا.

«مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ»: جَذرٌ يَعودُ لِلمَرّةِ الثّالِثةِ في السّورة

و«أَصْحَابُ» من ص-ح-ب: مُلازَمةٌ مُحكَمةٌ تَحوي صاحِبَها فلا تَنفَصِل. فلَيسَ أصحابُ الطَّريقِ عابِرينَ عَلَيه، بَل مَن صارَ الطَّريقُ لَهُم حالاً لازِمة. لم يُقَلْ «مَن يَمشي في الصِّراط»، قيلَ «أصحابُه».

و«الصِّرَاط» من ص-ر-ط: خَطٌّ مُحكَمٌ يَجري ثُمَّ يَنبَسِطُ واسِعاً. صَلابةُ القِوامِ مَعَ سَعةِ البِساط.

وأمّا «السَّوِيِّ» فمِن س-و-ي على وَزنِ فَعيل، والجَذرُ ضَبطُ الشَّيءِ على مِقدارِه بِلا نَقصٍ ولا زِيادة.

وهذا الجَذرُ لَه في هذه السّورةِ ثَلاثةُ مَواضِعَ لا رابِعَ لَها. جاءَ في أوَّلِها في الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾، وجاءَ في وَسَطِها في فَمِ خَصمٍ يَطلُبُ مَوعِداً فيَشتَرِطُ مَكَانًا سُوًى﴾، ويَجيءُ الآنَ في آخِرِ سَطرٍ فيها.

مَطلَعٌ، ووَسَطٌ في فَمِ مُخاصِم، وخِتام. والمادّةُ واحِدةٌ في الثَّلاثة، ولا يُبنى على هذا المَوضِعِ حُكمٌ في المَوضِعِ الأوَّل: يُذكَرُ أنَّها تَعودُ ويُوقَفُ عِندَ ذلك.

«وَمَنِ اهْتَدَىٰ»: آخِرُ كَلِمةٍ في السّورةِ هي ما خَرَجَ رَجُلٌ يَطلُبُه عِندَ نار

واوٌ ثُمَّ «مَنْ» ثانِيةً. والاثنَتانِ مَعمولَتانِ لِفِعلِ العِلم، فيَحتَمِلُ أن يَكونا صِنفَينِ يُعرَفانِ، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ الثّاني هو الأوَّلَ سُمِّيَ مَرَّتَين. يُعلَنُ الوَجهانِ ولا يُحسَم.

وما بَينَهُما فَرقٌ في البِناء: الأوَّلُ اسمٌ يَدُلُّ على مُلازَمةٍ ثابِتة، والثّاني فِعلٌ ماضٍ يَدُلُّ على عَمَلٍ وَقَع. صِفةٌ لازِمةٌ ثُمَّ فِعلٌ انقَضى.

و«اهْتَدَىٰ» من ه-د-ي على وَزنِ افتَعَلَ: أخذَ الهُدى إلى نَفسِه وتَكَلَّفَ طَلَبَه. فلَيسَ المَذكورُ هُدىً يُوجَدُ مُلقىً، بَل واحِدٌ تَناوَلَه.

وهذا الجَذرُ هو جَذرُ ما خَرَجَ رَجُلٌ في أوَّلِ هذه السّورةِ يَطلُبُه، إذ رأى ناراً فقالَ لِأهلِه إنَّه أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾. طَلَبَ هُناكَ اسماً نَكِرةً يُوجَدُ عِندَ نار، وتَنتَهي السّورةُ إلى فِعلٍ لَه فاعِل.

وبَينَ المَوضِعَينِ أربَعٌ وعِشرونَ ومِئةُ آية: نار، وعَصاً، ويَدٌ، وبَحرٌ، وعِجل، وجَبَلٌ يُنسَف، وشَجَرةٌ يُسَمّيها المُوَسوِسُ، ورَجُلٌ اجتُبِيَ ثُمَّ أُهبِط. ثُمَّ يَنتَهي الكَلامُ إلى الكَلِمةِ التي خَرَجَ إلَيها المَسيرُ من أوَّلِه.

ما طَلَبَه واحِدٌ عِندَ نارٍ هو آخِرُ ما تَقولُه السّورة.


حَصيلة

تُغلَقُ السّورةُ بِأمرٍ أن يُقال، فآخِرُ ما فيها كَلامٌ مَنقولٌ لا مُبتَدَأ. و«كُلٌّ» من ك-ل-ل إحاطةٍ تَحوزُ ما تَحتَها فلا تَدَعُ خارِجَها شَيئاً، فيُسَوّى بَينَ الطَّرَفَينِ في الهَيئةِ قَبلَ أن يُفَرَّقَ بَينَهُما في الغاية. و«مُتَرَبِّص» من ر-ب-ص لُزومِ مَوضِعٍ في تَرَقُّبٍ مَحصورٍ بِغاية، فلا سُكونَ بِلا انتِظارٍ ولا انتِظارَ بِلا أمَد. ثُمَّ أمرٌ من الجَذرِ نَفسِه بَعدَ اسمِ الفاعِلِ مِنه، لا يُضيفُ عَمَلاً بَل يَنقُلُ الحالَ إلى الاختِيار، وصيغةُ تَفَعَّلَ تَرُدُّ الحَدَثَ على فاعِلِه، ويَتَحَوَّلُ الكَلامُ من الغَيبةِ إلى الخِطاب. ثُمَّ سينٌ تُلقي العِلمَ إلى ما هو آتٍ بِلا وَقتٍ يُسَمّى، و«تَعلَمون» من ع-ل-م قَبضٍ يَلزَمُ مَحَلَّه ويَنضَمُّ عَلَيه، فالمَوعودُ حِيازةٌ لا إخبار، ومَعمولُه «مَنْ» لا خَبَر: يُوعَدونَ بِمَعرِفةِ صاحِبٍ لا بِمَعرِفةِ أمر. و«أصحاب» من ص-ح-ب مُلازَمةٍ مُحكَمةٍ تَحوي صاحِبَها فلا تَنفَصِل، فهُم لَيسوا عابِرينَ على الطَّريق، و«الصِّراط» من ص-ر-ط خَطٍّ مُحكَمٍ يَجري ثُمَّ يَنبَسِطُ واسِعاً. و«السَّوِيّ» من س-و-ي ضَبطِ الشَّيءِ على مِقدارِه بِلا نَقصٍ ولا زِيادة، وهذا ثالِثُ ثَلاثةِ مَواضِعَ لَه في السّورةِ لا رابِعَ لَها: مَطلَعُها، ووَسَطُها في فَمِ خَصمٍ يَشتَرِطُ مَكاناً لِمَوعِد، وآخِرُ سَطرٍ فيها. ثُمَّ «مَنْ» ثانِيةً، وبَينَها وبَينَ الأولى فَرقُ بِناءٍ لا فَرقُ لَفظٍ فَقَط: تِلكَ اسمٌ يَدُلُّ على مُلازَمةٍ ثابِتة، وهذه فِعلٌ ماضٍ لَه فاعِلٌ وقد وَقَع. و«اهتَدى» على افتَعَلَ من ه-د-ي، أخذُ الهُدى إلى النَّفسِ وتَكَلُّفُ طَلَبِه. وهو الجَذرُ الذي خَرَجَ رَجُلٌ في أوَّلِ هذه السّورةِ يَلتَمِسُه عِندَ نارٍ رآها، فقالَ إنَّه يَجِدُ عَلَيها هُدىً. طَلَبَه هُناكَ اسماً نَكِرةً عِندَ نار، وتَنتَهي السّورةُ إلى فِعلٍ تَمَّ لَه فاعِل. ما خَرَجَ واحِدٌ يَطلُبُه في اللَّيلِ هو آخِرُ حَرفٍ نَزَلَ في هذه السّورة.