طه · الآية 16
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَلَا يَصُدَّنَّكَ»: نَهيٌ ثَقيلٌ يَقَعُ لَفظُهُ على غَيرِ المَقصودِ بِه
فاءٌ تُعَقِّبُ على ما قَبلَها. قيلَ إنَّ السّاعةَ آتِيَةٌ وإنَّ الحِسابَ واقِع، فتَأتي هذه الجُملةُ نَتيجةً لِذلك.
و«لا» ناهِيَةٌ، ومَعَ الفِعلِ نونٌ ثَقيلةٌ لِلتَّوكيد. يُشَدَّدُ آخِرُ الفِعلِ فيَثقُلُ في الفَمِ ثِقَلَ ما يُحَذَّرُ مِنه.
والمَنهِيُّ في اللَّفظِ هو الصّادّ. ولَيسَ الصّادُّ حاضِراً في الخِطابِ ولا مُنتَظَراً مِنه أن يَمتَثِل. فيَقَعُ ثِقلُ النَّهيِ على مَن يُمكِنُ أن يُصَدّ: صيغةٌ تَنهى واحِداً وتَحرُسُ آخَر.
والجِذرُ ص-د-د حَجزٌ صَلبٌ يَدفَعُ المُتَوَجِّهَ فيَرُدُّهُ عن وِجهَتِه، وتَضعيفُ الدّالِ يُكَثِّفُ الدَّفع. والفِعلُ لا يُقالُ إلّا لِمَن هو ماضٍ في طَريق. فالنَّهيُ نَفسُهُ يُثبِتُ أنَّ المُخاطَبَ سائِرٌ بِالفِعل.
«عَنْهَا»: يُصَدُّ عن آتٍ لا عن مَوضِع
ضَميرٌ مُؤَنَّث. وأقرَبُ مُؤَنَّثٍ في الكَلامِ هو السّاعةُ التي قيلَ عَنها في الآيةِ قَبلَها إنَّها آتِيَة.
فالمَصدودُ عَنه لَيسَ مَكاناً يُقصَدُ ولا طَريقاً يُسلَك، بَل أمرٌ آتٍ. والصَّدُّ عن آتٍ لا يَمنَعُ مَجيئَه؛ إنَّما يَمنَعُ صاحِبَهُ من أن يَسيرَ على حِسابِه.
«مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ»: وَصفانِ ولا اسمَ واحِد
«مَن» مَوصولٌ مُبهَم. ثُمَّ جُملَتانِ تَصِفانِه، ولا يُذكَرُ لَه اسمٌ ولا قَومٌ ولا صِفةٌ ثالِثة. مَن وافَقَ الوَصفَينِ فهو المُرادُ، ولا يُسَمّى أحَد.
والزَّمانُ في الجُملَتَينِ مُختَلِف. الأُولى مُضارِعٌ مَنفيّ: أمرٌ مُستَمِرٌّ لا يَقَع. والثّانِيةُ ماضٍ: أمرٌ فُرِغَ مِنه. يُوصَفُ بِما لا يَزالُ لا يَفعَلُه وبِما قَد فَعَلَه.
والجِذرُ أ-م-ن ضَمٌّ إلى مَركَزٍ يَنبَعِثُ مِنه أمان. فمَن «لا يُؤمِنُ بِها» لم يَعقِدْ عَلَيها شَيئاً يَستَقِرُّ بِه. والجِذرُ ه-و-ي خُلُوٌّ مَمدودٌ لا يَلقى فيه السّاقِطُ ما يُمسِكُه؛ ومنه «الهَواء» الذي لا يُمسِكُ شَيئاً، و«الهَوى» مَيلُ النَّفسِ إلى ما لا يُمسِكُها.
فالوَصفانِ حَرَكةٌ واحِدة: لم يَشُدَّ نَفسَهُ إلى ما يُمسِك، فمَضى وَراءَ ما لا يُمسِك. و«اتَّبَعَ» على وَزنِ افتَعَلَ من ت-ب-ع، وهو سَيرٌ يَطَأُ أثَرَ سابِقٍ ويَلزَمُه، والصيغةُ تَرُدُّ الفِعلَ إلى فاعِلِه: جَعَلَ الاتِّباعَ لِنَفسِه. والمَتبوعُ هَواهُ هو، مُضافاً إلَيهِ بِضَميرِه.
«فَتَرْدَىٰ»: آخِرُ الكَلامِ يَقَعُ على المُخاطَب
فاءُ السَّبَبِيّة. ما قَبلَها سَبَبٌ وما بَعدَها نَتيجة.
والجِذرُ ر-د-ي جَريانٌ يَنحَدِرُ ثُمَّ يَنقَطِعُ فيَستَقِرُّ في أسفَل. ومنه «تَرَدّى» سَقَطَ من عُلوٍّ إلى ما دونَه. فالسُّقوطُ في الجِذرِ انحِدارٌ لا يُوقَفُ بِاختِيار: مَن زَلَّت قَدَمُهُ لم يَعُدِ الأمرُ إلَيه.
ولَم يُقَلْ «فيَردى». قيلَ «فتَردى» بِتاءِ الخِطاب. حُذِّرَ من رَجُلٍ لم يُسَمَّ، ووَقَعَ آخِرُ الكَلامِ على مَن حُذِّر. السّاقِطُ في الآيةِ لَيسَ الصّادَّ بَل مَن قَبِلَ أن يُصَدّ.
حَصيلة
فاءٌ تُعَقِّبُ على ساعةٍ آتِيَةٍ وحِسابٍ واقِع، ثُمَّ نَهيٌ تُثَقِّلُهُ نونُ التَّوكيد. والمَنهِيُّ في اللَّفظِ صادٌّ لا يَمتَثِل، فيَقَعُ الثِّقلُ على مَن قَد يُصَدّ. وص-د-د حَجزٌ صَلبٌ يَرُدُّ المُتَوَجِّه، ولا يُقالُ إلّا لِسائِرٍ في طَريق، فالنَّهيُ نَفسُهُ شَهادةٌ بِأنَّ المُخاطَبَ ماضٍ. والمَصدودُ عَنهُ ضَميرٌ مُؤَنَّثٌ أقرَبُهُ السّاعة، فالصَّدُّ عن آتٍ لا عن مَوضِع. ثُمَّ مَوصولٌ مُبهَمٌ ووَصفانِ ولا اسم: مُضارِعٌ مَنفيٌّ لِما لا يَزالُ لا يَقَع، وماضٍ لِما قَد وَقَع. وأ-م-ن ضَمٌّ إلى مَركَزٍ يَنبَعِثُ مِنه أمان، وه-و-ي خُلُوٌّ مَمدودٌ لا يُمسِكُ ساقِطاً، فالوَصفانِ حَرَكةٌ واحِدة: لم يَشُدَّ نَفسَهُ إلى مُمسِك، فتَبِعَ ما لا يُمسِك. ثُمَّ فاءُ السَّبَبِيّةِ ور-د-ي انحِدارٌ يَنقَطِعُ في أسفَل. لم تُسَمِّ الآيةُ الصّادَّ، وسَمَّتْ مَن يَقَعُ عَلَيهِ السُّقوط.