طه · الآية 54
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«كُلُوا وَارْعَوْا»: أمرانِ، أوَّلُهُما بِلا مَفعولٍ والثّاني لَه مَفعول
بَعدَ أربَعةِ أفعالٍ في الغَيبةِ والمُتَكَلِّمِ يَنزِلُ الخِطابُ إلى الأمر. «كُلُوا» فِعلُ أمرٍ لِجَماعة، ولَيسَ بَعدَه مَفعول. ما الذي يُؤكَل؟ لم يُقَلْ.
وقد سَبَقَ في السَّطرِ الذي قَبلَه ما يَصلُحُ أن يُؤكَل، ومَعَ ذلك لم يُعَدْ ذِكرُه. الأمرُ يَقَعُ عارِياً، فيَتَّسِعُ لِما ذُكِرَ ولِما لم يُذكَر.
ثُمَّ «وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ»، وهُنا مَفعولٌ صَريح. فالمُخاطَبُ يَأكُلُ ويُطعِمُ في سَطرٍ واحِد: فَمٌ يَنالُ ويَدٌ تَقومُ على غَيرِها. أُمِرَ بِما يَسُدُّ حاجَتَه ثُمَّ بِما يَسُدُّ حاجةَ ما هو دونَه.
والجَذرُ ر-ع-ي مُتابَعةٌ جارِيةٌ من العُمقِ تَمتَدُّ بِلين، حِفظٌ مُتَواصِلٌ لِلمَرعيّ. فلَيسَ «ارعَوا» إطلاقَ الدّابّةِ في العُشب، بَل مُلازَمَتَها ومُتابَعَتَها. الأمرُ الأوَّلُ يَنقَضي بِلُقمة، والثّاني لا يَنقَضي.
«أَنْعَامَكُمْ»: المادّةُ التي تُسَمّي العَطِيّةَ تُسَمّي المَرعِيّ
لَفظُ «الأنعام» من ن-ع-م، وهو الجَذرُ الذي منه «النِّعمة». بُروزُ خَيرٍ من عُمقٍ ثُمَّ استِقرارُه وانضِمامُه.
فما يُرعى مُسَمّىً بِاسمِ ما يُنعَمُ بِه. الكَلِمةُ الواحِدةُ تَحمِلُ الأمرَينِ: العَطِيّةَ التي تَجيءُ، والحَيَّ الذي يُقامُ عَلَيه. ومَن أُعطِيَ شَيئاً سُمِّيَ بِاسمِ العَطِيّةِ ما يَلزَمُه القِيامُ عَلَيه.
وأُضيفَت إلى الكاف: «أَنْعَامَكُمْ». فهي لَهُم ومَعَ ذلك أُمِروا بِرِعايَتِها. المِلكُ في السَّطرِ لا يُسقِطُ المُتابَعة.
«إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ»: تَوكيدٌ ثَلاثِيٌّ وجَمعٌ مُنَكَّر
في الجُملةِ ثَلاثُ أدَواتِ تَوكيدٍ مُجتَمِعة: «إنَّ» في صَدرِها، وتَقديمُ الظَّرفِ «فِي ذَٰلِكَ» على الاسم، ولامٌ في «لَآيَاتٍ». ثَلاثةٌ لِجُملةٍ من أربَعِ كَلِمات.
و«ذَٰلِكَ» إشارةٌ مُفرَدةٌ إلى ما تَقَدَّمَ كُلِّه: المِهادُ والسُّبُلُ والماءُ والأزواجُ والأكلُ والرَّعي. جُمِعَ ذلك في إشارةٍ واحِدةٍ ثُمَّ قيلَ فيه «لَآيَاتٍ» بِالجَمع. واحِدٌ يُشارُ إلَيه وكَثيرٌ يُقرَأُ فيه.
و«آيَاتٍ» نَكِرةٌ مَجموعة. لا تُعَدُّ ولا تُعَيَّنُ ولا يُقالُ ما هي. هي في المُشارِ إلَيه، وحَظُّ النّاظِرِ منها لَيسَ في السَّطر.
«لِّأُولِي النُّهَىٰ»: جَذرُ النَّهيِ لا جَذرُ الفَهم
هُنا تَقَعُ الكَلِمةُ التي تُقَرِّرُ لِمَن هي. و«النُّهَىٰ» من ن-ه-ي، وهو جَذرُ النَّهيِ والمَنعِ والوُقوفِ عِندَ حَدّ. ومنه «نَهاه» حَبَسَه عن الفِعل، و«انتَهى» بَلَغَ الحَدَّ فوَقَف، و«النِّهاية» الحَدُّ الذي لا يُتَجاوَز، و«النَّهْيُ» الغَديرُ يَنتَهي إلَيه الماءُ فيَحتَبِسُ فيه ولا يَمضي.
فالآيةُ لِمَن عِندَه ما يَنهاه. صاحِبُ النُّهيةِ مَن فيه حابِسٌ يَرُدُّه إذا اندَفَع، ومَن لَه حَدٌّ يَقِفُ عِندَه. ولَيسَ المَذكورُ في السَّطرِ ذَكاءً ولا فِطنةً ولا سُرعةَ خاطِر.
وهذا الفَرقُ يَقلِبُ الجُملة. لَو كانَت لِلأذكِياءِ لَكانَ حَظُّ الآياتِ بِقَدرِ حِدّةِ النَّظَر. وإذ هي لِمَن يَنهاهُ شَيء، فحَظُّه منها بِقَدرِ ما يَملِكُ أن يَقِف. والغَديرُ لا يَمتَلِئُ لِأنَّ الماءَ كَثير، بَل لِأنَّ لَه حافّةً تَحبِسُه.
وهذه الجُملةُ بِتَمامِها تَعودُ في آخِرِ هذه السّورةِ بِحَرفِها، مَقولةً في مُشارٍ إلَيه آخَر. يُذكَرُ أنَّها تَعودُ ولا يُعادُ ما تَعودُ فيه.
حَصيلة
يَنزِلُ الخِطابُ من أفعالٍ تُحكى إلى أمرَينِ يُؤمَرُ بِهِما، فيَقَعُ الأوَّلُ عارِياً بِلا مَفعولٍ يُسَمّى والثّاني بِمَفعولٍ مُضافٍ إلى المُخاطَب. يَأكُلُ ويُطعِم، ومادّةُ الرَّعيِ مُتابَعةٌ لا تَنقَطِع، فالأمرُ الأوَّلُ يَنقَضي بِلُقمةٍ والثّاني لا يَنقَضي. وما يُرعى مُسَمّىً بِمادّةِ ما يُنعَمُ بِه، فالعَطِيّةُ والمَرعِيُّ كَلِمةٌ واحِدة، والمِلكُ فيها لا يُسقِطُ القِيامَ عَلَيها. ثُمَّ تُجمَعُ الأفعالُ كُلُّها في إشارةٍ مُفرَدةٍ ويُقالُ فيها «لَآيَاتٍ» بِالجَمعِ المُنَكَّر، بِثَلاثِ أدَواتِ تَوكيدٍ في أربَعِ كَلِمات. ويُختَمُ بِمَن هي لَه، والكَلِمةُ من جَذرِ النَّهيِ لا من جَذرِ الفَهم: صاحِبُها مَن فيه حابِسٌ يَرُدُّه إذا اندَفَع، لا مَن فيه سُرعةُ خاطِر. والجُملةُ بِتَمامِها تَعودُ في آخِرِ السّورةِ على مُشارٍ إلَيه آخَر. الآياتُ مَبثوثةٌ في الأرضِ لِمَن يَستَطيعُ أن يَقِف، والغَديرُ إنَّما يَحفَظُ الماءَ بِحافَّتِه.