عبس · الآية 32

﴿مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ

«مَّتَاعًا»: جَوابُ الهاءِ التي قيلَ فيها «طَعامِهِ»

قيلَ في أوَّلِ هذا العَدّ: فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾. هاءٌ واحِدةٌ نَسَبَتِ الطَّعامَ إليه. ثُمَّ عُدَّت أفعالٌ لم تَكُنْ لَه فيها يَد، ثُمَّ تَجيءُ الآنَ كَلِمةٌ واحِدةٌ تُسَمّي ما نُسِبَ إليه بِاسمِه الحَقيقيّ: «مَتاعاً».

والمَتاعُ في م-ت-ع امتِدادٌ يُقطَعُ عِندَ تَمامِه. فالكَلِمةُ تَحمِلُ النَّفعَ ونِهايَتَه في لَفظٍ واحِد. وهي مَنصوبةٌ تَجمَعُ ما تَقَدَّمَ كُلَّه من صَبٍّ وشَقٍّ وإنبات، وتَقولُ لِماذا كانَ.

فما ظَنَّه مِلكاً سُمِّيَ انتِفاعاً، وما سَمّاه لِنَفسِه رُدَّ إليه مُوَقَّتاً. الهاءُ تُثبِتُ اليَدَ على الشَّيء، و«مَتاعاً» تُثبِتُ لِلشَّيءِ أجَلاً.

«لَّكُمْ»: الغائِبُ الذي أُمِرَ يُخاطَبُ الآنَ جَماعةً

ابتُدِئَ العَدُّ بِغائِبٍ مُفرَد: «فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ». ويُختَمُ بِمُخاطَبٍ جَمع: «لَكُم». تَحَوَّلَ الواحِدُ الغائِبُ إلى جَماعةٍ حاضِرة، فما كانَ يُقالُ عنه صارَ يُقالُ لَه.

وهذا الانتِقالُ يَقَعُ عِندَ الحِصّةِ لا عِندَ الفِعل. حينَ عُدَّتِ الأفعالُ بَقِيَ بَعيداً يُنظَرُ إليه، وحينَ جاءَ نَصيبُه نودِيَ. تُسَمّى الحِصّةُ فيَحضُرُ صاحِبُها.

«وَلِأَنْعَامِكُمْ»: لامٌ تُعادُ فتُشرِكُ الرّاعِيَةَ في المَنظورِ إليه

لامانِ لا لامٌ واحِدة. ولَو قيلَ «لَكُم وأنعامِكُم» لَدَخَلَتِ الأنعامُ في حِصَّتِهِم تَبَعاً، فلَمّا أُعيدَتِ اللّامُ قامَ لَها نَصيبٌ في الجُملة.

والأنعامُ من ن-ع-م: عَطاءٌ يَطلُعُ من الأصلِ فيُقيمُ في صاحِبِه مُلتَصِقاً بِه. فالاسمُ الذي سُمِّيَت بِه هذه الدَّوابُّ مَأخوذٌ من جَذرِ العَطاءِ نَفسِه، وهي هنا مِمَّن يُعطى لا ممّا يُعطى وَحسب.

وأُمِرَ الإنسانُ أن يَنظُرَ إلى «طَعامِه»، فلَمّا انتَهى العَدُّ وُجِدَ في القائِمةِ مَن يَأكُلُ مَعَه. لا مائِدةَ في هذا العَدِّ لِواحِد.

«مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ»: جُملةٌ تُختَمُ بِها قائِمةٌ أُخرى بِحُروفِها

وتَعودُ هذه الجُملةُ بِحُروفِها خاتِمةً لِعَدٍّ آخَرَ: مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. هُناكَ عُدَّت سَماءٌ وأرضٌ وماءٌ ومَرعىً وجِبال، وهُنا عُدَّ ما يُؤكَلُ ويُرعى.

عَدّانِ يَختَلِفُ مَعدودُهُما ويَتَّفِقُ خِتامُهُما. فالكَلِمةُ تَعمَلُ عَمَلَ الخاتَمِ: تُوضَعُ في آخِرِ ما أُحصِيَ فتَقولُ إنَّ الإحصاءَ كُلَّه كانَ لِهذا وإلى حين.


حَصيلة

هاءٌ واحِدةٌ في أوَّلِ العَدِّ نَسَبَتِ الطَّعامَ إلى النّاظِر، وكَلِمةٌ واحِدةٌ في آخِرِه تُسَمّيه بِاسمِه. «مَتاعاً» من م-ت-ع: امتِدادٌ يُقطَعُ عِندَ تَمامِه، فالنَّفعُ ونِهايَتُه في لَفظٍ واحِد، وهو مَنصوبٌ يَجمَعُ الصَّبَّ والشَّقَّ والإنباتَ في غايةٍ واحِدة. ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من غائِبٍ مُفرَدٍ أُمِرَ بِالنَّظَرِ إلى مُخاطَبٍ جَمعٍ تُسَمّى حِصَّتُه: «لَكُم». ثُمَّ لامٌ ثانِيَةٌ تُعادُ فتُقيمُ لِلأنعامِ نَصيباً قائِماً لا تَبَعِيّةً فيه، وهي من ن-ع-م، جَذرِ العَطاء: عَطاءٌ يَطلُعُ من الأصلِ فيَلتَصِقُ بِصاحِبِه. وتَعودُ الجُملةُ بِحُروفِها خاتِمةً لِعَدٍّ آخَر، فتَعمَلُ عَمَلَ الخاتَمِ في المَوضِعَين. أُمِرَ أن يَنظُرَ إلى طَعامِه، فلَمّا أطالَ النَّظَرَ وَجَدَ في الصَّحفةِ يَداً غَيرَ يَدِه، وأجَلاً لم يُقَدِّرْه، وفَماً آخَرَ يَأكُلُ مَعَه.