البقرة · الآية 257

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

«اللهُ وَليُّ الَّذينَ آمَنوا»: الوِلايةُ صِفةٌ عَمَليَّةٌ لا لَقَبٌ جامِد

الجَذرُ (و ل ي) أصلُه القُربُ بِلا فاصِل. و«الوَليّ» مَن هو قَريبٌ يَتَوَلَّى أمرَ غَيرِه. وفي الآيةِ وَردَ «وَليّ» بِالإفراد، وهو إضافةٌ إلى «الَّذينَ آمَنوا» بِالجَمع. فَواحِدٌ يَتَوَلّى جَميعًا. وهَذا خِلافٌ لِقانونِ الوِلاياتِ البَشَريَّةِ حَيثُ يَتَطَلَّبُ كَثيرٌ مِن النّاسِ كَثيرًا مِن الأولياء. أؤَكِّدُ أنَّ هَذِه الصِّياغةَ تَكشِفُ أنَّ الوِلايةَ الإلَهيَّةَ ليسَت مُتَوَزِّعةً عَلى وُلاةٍ كَما تَتَوَزَّعُ السُّلطةُ البَشَريَّة.

(خ ر ج) و(ظ ل م) و(ن و ر): حَرَكةُ الإخراجِ مِن الجَمعِ إلى المُفرَد

«يُخرِجُهم مِن الظُّلُماتِ إلى النّور». الجَذرُ (خ ر ج) أصلُه الانتِقالُ مِن داخِلٍ إلى خارِج. و«الظُّلُمات» جَمعُ ظُلمة، و«النّور» مُفرَد. وأُلاحِظُ أنَّ القُرآنَ يَستَعمِلُ الجَمعَ لِلظُّلُماتِ والمُفرَدَ لِلنّورِ بِصُورةٍ مُتَّسِقة، لأنَّ الضَّلالَ طُرُقٌ مُتَشَعِّبةٌ والهُدى طَريقٌ واحِد. وأُشيرُ إلى أنَّ الإخراجَ فِعلٌ متعَدٍّ: لا يَكفي أن يَدخُلَ الإنسانُ إلى النّور، بَل يَحتاجُ أن يُخرَجَ مِن الظُّلُمات. فَالوِلايةُ الإلَهيَّةُ إخراجٌ لا دَلالةٌ فَحَسب.

«أولياؤُهم الطّاغوت»: مُفرَدٌ بِصِيغةِ جَمع، أو جَمعُ أولياءٍ لِلطّاغوت؟

«الطّاغوت» لَفظٌ مُفرَدٌ يُستَعمَلُ لِلجَنسِ، يَشمَلُ كُلَّ طاغٍ. و«أولياؤُهم» جَمع. فَالصِّياغةُ تَحتَمِلُ: أنَّ الكافِرينَ لَهم أولياءُ كَثيرون كُلُّهم مِن جِنسِ الطّاغوت، أو أنَّ الطّاغوتَ الواحِدَ تَتَفَرَّعُ مِنه أولياءُ مُتَعَدِّدون. أؤَكِّدُ أنَّ الاحتِمالَينِ يَجتَمِعانِ في نَتيجةٍ واحِدة: عَلاقةُ الكافِرينَ بِالطَّواغيتِ عَلاقةٌ جَمعيَّةٌ لا إفراديَّة. هُناكَ سُلطاتٌ مُتَعَدِّدةٌ تَتَناوَبُ عَلى قَلبِ الكافِر، بِخِلافِ المُؤمِنِ الذي يَتَوَلّى اللهُ أمرَه وَحدَه.

الحَرَكةُ المَعكوسة: مِن النّورِ إلى الظُّلُمات

هُنا الدَّقَّةُ الأكبَر. «يُخرِجونَهم مِن النّورِ إلى الظُّلُمات». لَم يَقُل «يُبقونَهم في الظُّلُمات»، بَل «يُخرِجونَهم مِن النّور». فَالآيةُ تَفترِضُ أنَّ الكافِرَ كانَ أصلًا في نور. أُبَيِّنُ أنَّ هَذا النّورَ هو نورُ الفِطرةِ، أي الإدراكُ الأوَّليُّ لِوُجودِ اللهِ الذي يُولَدُ عَلَيه كُلُّ إنسان. فَعَمَلُ الطّاغوتِ ليسَ بَثَّ الظُّلُماتِ ابتِداءً، بَل إطفاءَ النّورِ الذي كانَ مَوجودًا. وهَذا يَنسِفُ فِكرةَ أنَّ الكُفرَ حالةٌ طَبيعيَّةٌ أوَّليَّةٌ لِلإنسان. الحالةُ الطَّبيعيَّةُ نور، والكُفرُ إخراجٌ مِن النّور.

البِنيةُ السيميائيَّةُ: أربَعةُ فَروقاتٍ دَقيقة

إذا قُورِنَ شَطرا الآيةِ، ظَهَرَت أربَعةُ فَروقاتٍ مَنهَجيَّة. الأوَّل: «وَليّ» (مُفرَد) مُقابِلَ «أولياء» (جَمع). الثّاني: جُملةٌ اسميَّةٌ «اللهُ وَليُّ» مُقابِلَ جُملةٍ اسميَّةٍ «أولياؤُهم الطّاغوت»، والمَوقِعيَّةُ مَعكوسة: في الأولى اللهُ مُبتَدَأٌ مَذكورٌ أوَّلًا، وفي الثّانية الطّاغوتُ خَبَرٌ مُؤَخَّر. الثّالِث: اتِّجاهُ الإخراج: «مِن الظُّلُماتِ إلى النّور» مُقابِلَ «مِن النّورِ إلى الظُّلُمات». الرّابِع: اللهُ يُخرِجُ بِضَميرِ المُفرَد، والطَّواغيتُ تُخرِجُ بِضَميرِ الجَمع. وأؤَكِّدُ أنَّ كُلَّ هَذِه الفَروقاتِ تَخدُمُ مَعنىً واحِدًا: وَحدةُ الحَقِّ في مُقابَلةِ تَكَثُّرِ الباطِل.

(ص ح ب): «أصحابُ النّار» صُحبةٌ لا مَكان

الجَذرُ (ص ح ب) أصلُه المُلازَمةُ والمُرافَقة. و«أصحاب النّار» ليسَت تَعبيرًا عَن الوُجودِ في المَكان فَحَسب، بَل عَن المُرافَقةِ الدّائِمة. فَالنّارُ عَلَيها صِفةُ الصُّحبة، كَما نَقولُ «أصحابُ المَدرَسة» أي مُلازِموها. والفَرقُ بَينَ أن يَكونَ المَرءُ «في النّار» أو «صاحِبَ النّار» جَوهَريّ: الأوَّلُ قَد يَنتَهي، والثّاني يَقتَضي علاقةَ مُلازَمة.

(خ ل د): الخُلودُ كَتَثبيتٍ لِصِفةِ الصُّحبة

«هُم فيها خالِدون». الجَذرُ (خ ل د) أصلُه البَقاءُ الطَّويلُ الذي لا يَنقَضي بِسُهولة. أُشيرُ إلى أنَّ «خالِدون» في الاستِعمالِ العَرَبيِّ الجاهِليِّ كانَ يَدُلُّ عَلى العُمرِ الطَّويلِ الذي يَبدو لا نِهايةَ لَه، لَكِنَّ القُرآنَ عَمَّقَه إلى البَقاءِ الذي لا نِهايةَ لَه حَقيقةً. والخاتِمةُ تُحَصِّنُ صِفةَ الصُّحبةِ مِن أن تُفَكَّ: الصُّحبةُ قائِمةٌ والمُلازَمةُ دائِمة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الإخراجِ مِن الظُّلُماتِ إلى النّور» يَسبِقُ دَورَ الإرشادِ النَّظَريّ، ودَورُ «الفِطرةِ النّوريَّةِ الأوَّليَّة» يَسبِقُ تَصَوُّرَ الكُفرِ كَحالةٍ طَبيعيَّةٍ ابتِدائيَّةٍ لِلإنسان.


حَصيلة

تَأتي الآيةُ تَتمَّةً للسّابقَة: 256 وَضَعَت المُعادَلةَ السُّلوكيّة (الكُفرُ بالطّاغوتِ ثُمّ الإيمانُ بالله)، وهذه تَكشِفُ ما يَنتُجُ عن كلٍّ من الجِهَتَين. «اللهُ وَليُّ الَّذينَ آمَنوا». والوَليُّ في جذرِه (و-ل-ي) القُربُ بلا فاصِل، يَلي أَمرَ مَن وَلِيَه فيُدَبِّرُه ويَحوطُه. وفي الصِّياغةِ مُلاحَظة: «وَليّ» بالإفرادِ مَع جَمعِ المُؤمنين، فَواحدٌ يَتَوَلَّى جَميعاً. ثُمّ الفِعلُ الإلهيّ: «يُخرِجُهم من الظُّلُماتِ إلى النّور». الإخراجُ (خ-ر-ج) فِعلٌ مُتَعَدٍّ: لا يَكفي أن يَدخُلَ القَلبُ في النُّورِ، بل يَحتاجُ أن يُخرَجَ من الظُّلُمات؛ فَالوَلايةُ الإلهيّةُ إخراجٌ لا دَلالةٌ نَظَريّة. والظُّلُماتُ بالجَمعِ والنُّورُ بالإفرادِ ثابتٌ في القرآن: الضَّلالُ طُرُقٌ مُتَشَعِّبةٌ والهُدى طَريقٌ واحد. ثُمّ الشَّطرُ المُقابِل: «والَّذينَ كَفَروا أَولياؤُهم الطّاغوت». الطّاغوتُ بصيغةِ الجِنس، و«أَولياؤُهم» جَمع: عَلاقةُ الكافرينَ بالطَّواغيتِ جَمعيّةٌ لا إفراديّة، سُلطاتٌ مُتَعَدِّدةٌ تَتَناوَبُ على القَلب. ثُمّ الدِّقّةُ الكُبرى: «يُخرِجونَهم من النّورِ إلى الظُّلُمات». لم يَقُل «يُبقونَهم في الظُّلُمات» بل «يُخرِجونَهم من النُّور»، فَالآيةُ تَفتَرِضُ أنّ الكافرَ كانَ أَصلاً في نُور: نُورِ الفِطرةِ، الإدراكِ الأَوّليِّ الذي يُولَدُ عليه كلُّ إنسان. عَمَلُ الطّاغوتِ ليس بَثَّ الظُّلُماتِ ابتِداءً، بل إطفاءَ النُّورِ الذي كانَ مَوجوداً. الحالةُ الطَّبيعيّةُ نُور، والكُفرُ إخراجٌ منه. وفي شَطرَيِ الآيةِ أَسيمتريّاتٌ تَخدُمُ مَعنىً واحداً: وَحدةُ الحَقِّ مُقابِلَ تَكَثُّرِ الباطل. ثُمّ خاتِمةٌ تُحَصِّنُ الحُكم: «أُولَٰئِكَ أَصحابُ النّار، هُم فيها خالِدون». الصُّحبةُ (ص-ح-ب) مُلازَمةٌ مَتينة، فَلَيسوا «في النّار» مَكاناً عابراً بل «أَصحابَ النّار»؛ وَ«خالدون» (خ-ل-د) عَمَّقَه القرآنُ إلى البَقاءِ الذي لا نِهايةَ له. تَنفي الآيةُ تَصَوُّرَ الكُفرِ كحالةٍ طَبيعيّة، وتُثَبِّتُ تَصَوُّرَ الفِطرةِ نُوراً تُخرَجُ منه الذَّاتُ.