البقرة · الآية 258

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

«ألَم تَر»: صيغةُ الاستِفهامِ التَّقريريّ

«ألَم تَر» استِفهامٌ بِلا جَواب، والمَقصودُ تَقريرُ الرُّؤيةِ القَلبيَّةِ لا البَصَريَّة. والجَذرُ (ر أ ي) أصلُه الإدراكُ بِالنَّظَر. وتُستَعمَلُ هَذِه الصيغةُ في القُرآنِ لِتَذكيرِ المُخاطَبِ بِأمرٍ يَنبَغي أن يَعيَه ولَم يَعِه بَعد، أو لَم يَنتَبِه إلى دِلالَتِه. أؤَكِّدُ أنَّ الآيةَ تَفتَتِحُ مَشهَدَ الحِوارِ بِتَوجيهِ نَظَرِ القارِئِ إلى مَوضِعٍ عِبرةٍ قَد يَكونُ سَمِعَه لَكِنَّه لَم يَقرأ دِلالَتَه.

(ح ج ج): المُحاجَّةُ كَمُفاعَلةٍ لا كَإلقاءِ حُجَّةٍ واحِدة

«حاجَّ إبراهيمَ» صيغةُ مُفاعَلةٍ مِن (ح ج ج). وأصلُ الجَذرِ القَصدُ إلى الشَّيءِ لِلغَلَبةِ فيه، ومِنه الحَجُّ الذي هو قَصدٌ لِبَيتٍ مَخصوص. والمُحاجَّةُ تَبادُلُ الحُجَجِ بَينَ طَرَفَين. وأُلاحِظُ أنَّ صيغةَ المُفاعَلةِ تَضَعُ إبراهيمَ والمَلِكَ عَلى مُستَوى نِقاشٍ واحِد، لا عَلى مُستَوى مَلِكٍ يَتَكَلَّمُ ومَأمورٍ يَستَمِع. فَإبراهيمُ في الآيةِ ليسَ مَقموعًا بِهَيبةِ المَلِكِ، بَل نِدٌّ في المُحاجَّة.

«في رَبِّه»: الظَّرفيَّةُ الدِّلاليَّة

«في رَبِّه» حَرفُ «في» هُنا ظَرفُ مَوضوع. أي المُحاجَّةُ كانَت مَوضوعُها رَبَّ إبراهيم. وأُلاحِظُ أنَّ الآيةَ نَسَبَت الرَّبَّ إلى إبراهيمَ «رَبِّه»، لا إلى المَلِكِ ولا إلى الجَميع. وهَذا ليسَ اعتِرافًا بِرَبَّين، بَل بَيانٌ لِمَوضوعِ الخِلاف: المَلِكُ لَم يُحاجَّ إبراهيمَ في رَبِّ العالَمين، بَل في فِكرةِ أنَّ إبراهيمَ لَه رَبٌّ خاصٌّ يُسَلِّمُه نَفسَه إليه. فَالخِلافُ عَلى حَقِّ الأولِيَّةِ في قَلبِ إبراهيم، لا عَلى وُجودِ اللهِ في الكَونِ.

(م ل ك): الاقتِرانُ بَينَ المُلكِ والمُحاجَّة

«أن آتاه اللهُ المُلك». «أن» مَصدَريَّةٌ تُعَلِّلُ المُحاجَّة. أي أنَّ الدّافِعَ لِلمُحاجَّةِ هو إعطاءُ اللهِ لِلمَلِكِ المُلكَ. وهَذا بَيانٌ لِمُفارَقةٍ حادَّة: المَلِكُ يُحاجُّ في رَبِّ إبراهيمَ بِسَبَبِ نِعمةٍ أعطاها إيّاه هَذا الرَّبُّ نَفسُه. فَالنِّعمةُ لَم تُورِث شُكرًا، بَل طُغيانًا. أؤَكِّدُ أنَّ هَذا قانونٌ قُرآنيٌّ عامّ: المُلكُ بِلا وَعيِ شُكرٍ لِمَن أعطاه يَتَحَوَّلُ إلى مُحاجَّةٍ لِلمُعطي.

(ح ي ي) و(م و ت): الحُجَّةُ الأولى التي قَبِلَت إعادةَ التَّعريف

«رَبِّي الَّذي يُحيي ويُميت». إبراهيمُ اختارَ أقوى صِفَتَين مُتَضادَّتَين: الإحياءَ والإماتة. لَكِنَّ المَلِكَ اختَطَفَ المَعنى بِلَعبَةٍ لُغَويَّة: أمَرَ بِإحضارِ رَجُلَين، قَتَلَ أحَدَهما وعَفا عَن الآخَر، وقال: «أنا أُحيي وأُميت». أُشيرُ إلى أنَّ السَّفسَطةَ هُنا دَقيقة: المَلِكُ أتى بِ«إماتة» بِمَعنى القَتلِ، و«إحياء» بِمَعنى الإبقاءِ عَلى قَيدِ الحَياة، وكِلاهُما قُدرةٌ بَشَريَّةٌ قائِمة. فَمَعنى «الإحياء» الحَقيقيُّ (بَعثُ الحَياةِ في جَسَدٍ مَيِّت) لَم يَستَعمِله، بَل استَعمَلَ «الإحياء» بِمَعنى «الإبقاء». هَذِه نَموذَجٌ كَلاسيكيٌّ لِتَزييفِ التَّعريف.

«فَإنَّ اللهَ يَأتي بِالشَّمسِ»: الانتِقالُ إلى ساحةٍ لا تَقبَلُ السَّفسَطة

«الفاء» السَّبَبيَّة تَدُلُّ عَلى أنَّ إبراهيمَ بَنى الحُجَّةَ الثّانيةَ عَلى فَشَلِ الأولى في الوُصول. والانتِقالُ إلى الشَّمسِ انتِقالٌ مُتَعَمَّد إلى ساحةٍ لا يَستَطيعُ فيها المَلِكُ لَعِبَ الألفاظ. ولَو قالَ مَثَلًا «أنا أُحيي المَوتى» فَإنَّ إبراهيمَ كانَ سَيَقولُ: أَرِنا إذًا مَيِّتًا قَد أحيَيتَه. لَكِنَّ إبراهيمَ اختَصَرَ الجَدَلَ بِحُجَّةٍ كَونيَّة: «يَأتي بِالشَّمسِ مِن المَشرِقِ فَأتِ بِها مِن المَغرِب». وأُبَيِّنُ أنَّ هَذا الانتِقالَ مَنهَجيٌّ لا بَلاغيٌّ فَحَسب: الرَّدُّ عَلى السَّفسَطةِ بِالانتِقالِ إلى مَيدانٍ كَونيٍّ لا يَقبَلُ التَّحويل.

(ش م س) و(ش ر ق) و(غ ر ب): الجُغرافيا الكَونيَّةُ كَحُجَّة

«يَأتي بِالشَّمسِ مِن المَشرِقِ فَأتِ بِها مِن المَغرِب». الفِعلُ «يَأتي» هُنا مَجازٌ عَن الحَرَكةِ الكَونيَّةِ المَنسوبةِ إلى اللهِ بِوَصفِه مُقَدِّرَها. والمَشرِقُ (ش ر ق) أصلُه مَوضِعُ إشراقِ الشَّمس، والمَغرِبُ (غ ر ب) أصلُه مَوضِعُ غُيابِها. أُلاحِظُ أنَّ الآيةَ لَم تَقُل «يُخرِجُ الشَّمس» بَل «يَأتي بِها»، والفَارقُ بَليغ: «الإتيانُ» يُفيدُ إحضارَ الشَّيءِ مِن مَكانٍ بَعيد، فَكَأنَّ الآيةُ تُصَوِّرُ اللهَ يَأتي بِالشَّمسِ إلى مَكانِها الشَّرقيِّ كُلَّ يَوم، وتَتَحَدّى المَلِكَ أن يَأتي بِها إلى مَكانِها الغَربيِّ مَبدَأً.

(ب ه ت): البُهتانُ كَسُقوطٍ في الذُّهول

«فَبُهِتَ الَّذي كَفَر». الجَذرُ (ب ه ت) أصلُه الدَّهشةُ الصّامِتة. ومِنه «البُهتان» الكَذِبُ الذي يَقِفُ صاحِبُه عاجِزًا عَن الرَّدِّ عَلَيه لِفُجائيَّتِه. والفِعلُ هُنا «بُهِتَ» بِالبِناءِ لِلمَمعول، ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البُهتانَ وَقَعَ عَلَيه لا بِاختيارِه. أؤَكِّدُ أنَّ سُقوطَ المَلِكِ في البُهتانِ يَكشِفُ أنَّ مُحاجَّتَه كانَت قائِمةً عَلى استِعراضِ السُّلطةِ لا عَلى حُجَّةٍ عَقليَّة. فَما إن اختَفى إمكانُ التَّحوير، سَقَطَ بِلا دِفاع.

«واللهُ لا يَهدي القَومَ الظّالِمين»: خاتِمةٌ قانونيَّة

الجَذرُ (ه د ي) أصلُه الدَّلالةُ بِلُطف. و(ظ ل م) أصلُه وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَحَلِّه. والخاتِمةُ تَخرُجُ مِن المُناظَرةِ الفَرديَّةِ إلى قانونٍ عامّ: اللهُ لا يَهدي القَومَ الظّالِمين. والقُصودُ بِ«لا يَهدي» هُنا ليسَ عَدَمَ إقامةِ الحُجَّةِ عَلَيهم، فَالحُجَّةُ قَد أُقيمَت، بَل عَدَمَ التَّوفيقِ لِقَبولِ الحُجَّة. فَالظّالِمُ يَرى الحُجَّةَ ولا يَهتَدي بِها، لأنَّ هِدايةَ القَبولِ مَحجوبةٌ عَنه بِسَبَبِ ظُلمِه. أُشيرُ إلى أنَّ المَلِكَ في الآيةِ ما قالَ «آمَنتُ»، بَل سَقَطَ في البُهتانِ فَحَسب. وهَذا هو أثَرُ حَجبِ الهِدايةِ عَنه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، فَدَورُ «الانتِقالِ إلى ساحةٍ لا تَقبَلُ إعادةَ التَّعريف» يَسبِقُ دَورَ الجَدَلِ المُصطَلَحيّ، ودَورُ «المُلكِ المَنسيِّ لِواهِبِه» يَسبِقُ التَّحَوُّلَ إلى الطّاغوتيَّةِ الظّالِمةِ التي يَحجُبُها ظُلمُها عَن الهِداية.


حَصيلة

المحاجَّةُ (ح-ج-ج) بِصيغةِ المُفاعَلةِ تَضَعُ إبراهيمَ نِدًّا لا مَقموعًا، وسَبَبُها صَريح: أَن آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾، إذ النِّعمةُ الَّتي أغرَت بِالطُّغيانِ هي نَفسُها هِبةُ الرَّبِّ المُنكَر. يَفتَتِحُ إبراهيمُ بِأقوى ثُنائيَّةٍ تَكوينيَّة: الإحياءُ (ح-ي-ي) والإماتةُ (م-و-ت). فَيَختَطِفُ المَلِكُ اللَّفظَينِ ويُعيدُ تَعريفَهما كَعَفوٍ أمِيريٍّ وقَتلٍ مَلَكيّ، وهي سَفسَطةٌ دَقيقةٌ تُحِلُّ القَتلَ البَشَريَّ مَحَلَّ الإيجادِ والإعدامِ التَّكوينيَّين. يَتَحَوَّلُ إبراهيمُ إلى مَيدانٍ لا يَحتَمِلُ لَعِبَ الألفاظ: حَرَكةُ الشَّمسِ مِن مَشرِقِها (ش-ر-ق) إلى مَغرِبِها (غ-ر-ب)، ثابِتةٌ بِنَواميسِ الكَونِ لا بِأمرِ أحَد. والتَّحَدِّي مُعَلَّق: لَم يَطلُب الجَوابَ، بَل أوقَفَ المُحاجِجَ أمامَ حَدٍّ لا يُتَجاوَز. فَكانَت النَّتيجة بُهتانًا (ب-ه-ت): ذُهولٌ صامِتٌ وَقَعَ عَلَيه بِالبِناءِ لِلمَفعول، لا خِيارًا اختارَه. وتَختِمُ الآيةُ بِحُكمٍ يَتَخَطَّى المَمشهدَ: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فَالظُّلمُ (ظ-ل-م) وَضعُ النَّفسِ في مَوضِعِ الرُّبوبيَّةِ يَسُدُّ مَنفَذَ الهِدايةِ مِن باطِنِها، وهَذا قانونٌ لا عُقوبةٌ فَرديَّة.