النساء · الآية 134

﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا

«مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا»: إرادةٌ قائمةٌ تَتَّجِهُ إلى الأدنى

تَفتَتِحُ الآيةُ بِشَرطٍ عامّ: «مَن كانَ يُريدُ»، و«مَن» تَشمَلُ كُلَّ مَن يَقَعُ عَلَيه الوَصف، و«كانَ» مَعَ المُضارِعِ بَعدَها تَجعَلُ الإرادةَ حالاً قائمةً في صاحِبِها يَستَمِرُّ عَلَيها. والإرادةُ من ر-و-د، سَعيٌ يَجري ويَمتَدُّ مُندَفِعاً إلى ما يَقصِدُه، ومنه «الرّائد» الذي يَتَقَدَّمُ قَومَه يَطلُبُ لَهُم مَوضِعَ الكَلأ. والمَقصودُ هُنا «ثَوابُ الدُّنيا»، فالآيةُ تَصِفُ مُريداً قد وَجَّهَ سَعيَه إلى ثَوابٍ واحِد.

والثَّوابُ من ث-و-ب، والجِذرُ رُجوعُ الشَّيءِ إلى مَوضِعِه بَعدَ أن فارَقَه، ومنه «ثابَ» رَجَعَ، و«المَثابة» المَوضِعُ يُرجَعُ إلَيه مَرّةً بَعدَ مَرّة، وفي الكِتابِ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾. فالثَّوابُ ما يَرجِعُ إلى العامِلِ من عَمَلِه، ويُستَعمَلُ الفِعلُ لِما يَرجِعُ إلى صاحِبِه أيّاً كانَ عَمَلُه: هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. و«الدُّنيا» من د-ن-و، على فُعلى تَأنيثِ «أدنى»، أي الأقرَب، فثَوابُ الدُّنيا ما يَرجِعُ إلى العامِلِ في المَوضِعِ القَريبِ الحاضِر.

«فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»: جَوابٌ يُعَيِّنُ مَوضِعَ الثَّواب

ويَأتي الجَوابُ جُملةً قُدِّمَ فيها الظَّرف: «فعِندَ اللهِ ثَوابُ الدُّنيا والآخِرة». و«عِندَ» ظَرفُ حُضورٍ وقُرب، وتَقديمُه يَجعَلُ مَوضِعَ الثَّوابِ أوَّلَ ما يُسمَع: الثَّوابُ عِندَ الله. والجَوابُ خَبَرٌ عن هذا المَوضِع، وما يَلزَمُ المُريدَ يُستَخرَجُ مِنه، ولِذلك يَحتَمِلُ وَجهَين: أن يَكونَ المَعنى «فلْيَطلُبْه من عِندِ الله»، وأن يَكونَ «فما لَه يَقِفُ عِندَ ثَوابٍ واحِدٍ وعِندَ اللهِ الثَّوابان؟». وعلى الوَجهَينِ لا يُصرَفُ المُريدُ عن طَلَبِ ما أراد، ويُعَيَّنُ لَه المَوضِعُ الذي يَكونُ فيه ما أرادَه وأكثَرُ مِنه.

وأُعيدَ «ثَوابُ الدُّنيا» في الجَوابِ بِلَفظِه، ثُمَّ عُطِفَت عَلَيه «والآخِرة»، فالمُريدُ يَجِدُ في الجَوابِ ما أرادَه بِعَينِه، ويَجِدُ مَعَه ما لم يَقصِدْه. والآخِرةُ من أ-خ-ر، ما يَجيءُ بَعدَ غَيرِه، وهو الجِذرُ الذي سَمّى في الآيةِ الثّالِثةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ الآتينَ بَعدَ المُخاطَبين: «آخَرين»، فالدُّنيا القَريبُ الحاضِر، والآخِرةُ ما يَجيءُ بَعدَه. وفي الآيةِ الخامِسةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ من سورةِ آلِ عِمرانَ يُفرَدُ كُلُّ ثَوابٍ لِمَن أرادَه: وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، و«مِنها» فيها لِلبَعض، وهُنا يُذكَرُ الثَّوابانِ مَعاً عِندَ الله. ومِثلُ هذا الجَوابِ «فعِندَ الله» جاءَ في الآيةِ الرّابِعةِ والتِّسعينَ بَعدَ طَلَبٍ يَتَّجِهُ إلى الأدنى: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾.

«وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا»: إرادةٌ تُسمَعُ وتُرى

وخُتِمَتِ الآيةُ بِوَصفَين: «سَميعاً بَصيراً». والسَّمعُ من س-م-ع، ما يَدخُلُ من مَنفَذٍ ضَيِّقٍ فيُمسَكُ في العُمقِ ويُقبَضُ عَلَيه، والبَصَرُ من ب-ص-ر، إمساكٌ مُتَّصِلٌ بِالمَرئيِّ يَربِطُ النّاظِرَ بِه. والإرادةُ التي افتُتِحَت بِها الآيةُ أمرٌ في الباطِن، يَظهَرُ مِنه ما يُقالُ في طَلَبِه وما يُفعَلُ في سَبيلِه، فالوَصفانِ يُحيطانِ بِما يَظهَرُ من هذه الإرادة: ما يُقالُ فيُسمَع، وما يُفعَلُ فيُرى. وقد خُتِمَتِ الآيةُ الثّامِنةُ والخَمسونَ بِالوَصفَينِ نَفسَيهِما: إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ مُريداً قائماً على إرادَتِه قد وَجَّهَ سَعيَه إلى ثَوابِ الدُّنيا، والإرادةُ من ر-و-د سَعيٌ يَمتَدُّ إلى ما يَقصِدُه، والثَّوابُ من ث-و-ب ما يَرجِعُ إلى العامِلِ من عَمَلِه، والدُّنيا من د-ن-و الأقرَب. ويَأتي الجَوابُ خَبَراً عن مَوضِعِ الثَّواب: «فعِندَ اللهِ ثَوابُ الدُّنيا والآخِرة»، فيُعيدُ لَه ما أرادَه بِلَفظِه ويَعطِفُ عَلَيه ما لم يَقصِدْه، والآخِرةُ من أ-خ-ر ما يَجيءُ بَعدَ الأقرَب. ويَحتَمِلُ الجَوابُ أن يَكونَ دَعوةً إلى طَلَبِ الثَّوابِ من عِندِ الله، وأن يَكونَ تَعجيباً مِمَّن يَقِفُ عِندَ أحَدِ الثَّوابَين. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِسَمعٍ وبَصَرٍ يُحيطانِ بِما يَظهَرُ من الإرادةِ قَولاً وعَمَلاً.