الإسراء · الآية 69

﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ۙ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا

«أَمْ أَمِنتُمْ»: السُّؤالُ الثّاني، ولا جَوابَ لِلأوَّل

و«أَمْ» تَعطِفُ سُؤالاً على سُؤال، فالكَلامُ باقٍ في بابِ الاستِفهام، وقد زادَ فيه فَرعاً ثانِياً، ولم يَنتَقِلْ إلى خَبَر.

والأوَّلُ لم يُجَبْ بَعد، وتُترَكُ المَسألةُ مَفتوحةً ويُضافُ إلَيها فَرضٌ آخَر، فيَقِفُ السّامِعُ بَينَ احتِمالَينِ لا يُخبَرُ عن أيِّهِما. ومَن سُئِلَ مَرّةً فسَكَتَ يَظُنُّ أنَّه نَجا، فإذا سُئِلَ الثّانِيةَ عَلِمَ أنَّ السُّكوتَ ليس جَواباً.

والفَرقُ بَينَ الفَرضَينِ في الجِهة: فالأوَّلُ يَجعَلُ اليابِسةَ مَحَلَّ الخَطَر، والثّاني يَرُدُّ المُخاطَبينَ إلى المَوضِعِ الذي خَرَجوا منه، وقد سُدَّ عَلَيهِمُ البابان: حَيثُ هُم، وحَيثُ كانوا.

«أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ»: رُجوعٌ لا يَصنَعُه العائِد

والفِعلُ على أفعَلَ: «يُعِيدَكُمْ»، دونَ «تَعودون»، فالفاعِلُ غَيرُ الرّاجِع، والرُّجوعُ يَقَعُ بِهِم لا مِنهُم.

و ع-و-د رُجوعٌ يَلتَحِمُ بِحالٍ سابِقةٍ فيَثبُتُ فيها، ومنه «العادة» لِما تَكَرَّرَ حتّى لَزِم، فالمَوضِعُ الثّاني هو الأوَّلُ نَفسُه يُعادُ الالتِحامُ به، ولَيسَ جَديداً.

والضَّميرُ في «فِيهِ» لا مَرجِعَ له في هذه الآيةِ وَحدَها، وإنَّما يَعودُ إلى ما تَقَدَّمَ في الكَلام، ويُعَيِّنُه الإغراقُ الآتي بَعدَه. ثُمَّ «تَارَةً أُخْرَىٰ»، وهي مَرّةٌ ثانِيةٌ تَقتَضي أُولى، والأولى هي التي نَجا مِنها المُخاطَبون، فالنَّجاةُ الأولى تُقرَأُ في هذا السِّياقِ عَدَداً لا عَهداً: واحِدةٌ مَضَت، ولم يُذكَرْ أنَّها الأخيرة.

«قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ»: نَكِرةٌ ثانِيةٌ بِإزاءِ الأولى

و«قَاصِفًا» اسمُ فاعِلٍ مُنَكَّرٌ آخَر، مَسبوقٌ بِـ«يُرْسِلَ» كما سُبِقَ الأوَّل، فالصّيغةُ واحِدةٌ في المَوضِعَين، والجِهَتانِ مُختَلِفَتان: الأولى في البَرّ، وهذه في البَحر.

و ق-ص-ف كَسرٌ يَقَعُ عن شِدّةٍ مَحصورةٍ فيَتَفَرَّقُ عنه صَوتُه، ومنه «قَصَفَ العودَ» إذا كَسَرَه، و«القَصْف» لِشِدّةِ الصَّوتِ عِندَ الكَسر، فالوَصفُ يُسَمّي فِعلاً يُسمَعُ أثَرُه قَبلَ أن يُرى.

و«مِّنَ الرِّيحِ» بَيانٌ لِلجِنسِ لا تَعيينٌ لِلعَين، فقد بُيِّنَ من أيِّ شَيءٍ هو، وسُكِتَ عن تَعيينِه، والذي يَملَأُ هذا الفَراغَ بِواقِعةٍ بِعَينِها يُضَيِّقُ ما تُرِكَ واسِعاً.

«فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ»: السَّبَبُ يُنطَقُ بِه هُنا

ولم يُذكَرْ في الفَرضِ الأوَّلِ سَبَب، وهو مَذكورٌ هُنا: «بِمَا كَفَرْتُمْ»، والباءُ لِلسَّبَب، فيُرَدُّ الفِعلُ إلى مُوجِبِه.

والكَلِمةُ هي التي خُتِمَت بِها الآيةُ قَبلَ آيَتَين: وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾، وكانَت هُناكَ وَصفاً يُقَرَّر، فصارَت هُنا فِعلاً يُحاسَبُ عَلَيه، وانتَقَلَت من وَصفٍ عامٍّ لِلنَّوعِ إلى فِعلٍ مُسنَدٍ إلى المُخاطَبينَ بِتائِهِم: «كَفَرْتُمْ».

و غ-ر-ق غَورٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يُقطَعُ دونَه المَخرَج، فالإغراقُ أن يَنغَمِرَ الشَّيءُ ويُسَدَّ عَلَيه المَنفَذ، وهو غَيرُ البَلَلِ والسُّقوطِ في الماء. والفِعلُ على أفعَلَ أيضاً، فمَن أعادَهُم هو مَن يُغرِقُهُم.

«ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا»: نَفيٌ بِثَلاثةِ قُيود

ويُوازَنُ بَينَ الخِتامَين: فهُناكَ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾، وفيه قَيدٌ واحِدٌ قَبلَ المَنفِيّ، وهُنا ثَلاثة: «لَكُمْ» و«عَلَيْنَا» و«بِهِ».

فالمَنفِيُّ الأوَّلُ حامِلٌ يَقومُ بِالأمر، والمَنفِيُّ الثّاني طالِبٌ يَتبَعُ بِالحَقّ. وأصلُ ت-ب-ع إفلاتٌ يَتلوه لَحاقٌ ولُصوق، ومنه «التَّبيع» لِلذي يُتابِعُ غَريمَه بِحَقِّه فلا يُخَلّيه، فالأوَّلُ يُطلَبُ قَبلَ الوُقوع، والثّاني بَعدَه.

والقُيودُ الثَّلاثةُ على تَرتيبِها: «لَكُمْ» تُعَيِّنُ لِمَن يُطلَب، و«عَلَيْنَا» تُعَيِّنُ على مَن تُقامُ الدَّعوى، و«بِهِ» تُعَيِّنُ فيمَ تُقام، فأُسمِيَتِ الجِهاتُ كُلُّها، ثُمَّ نُكِّرَ المَطلوبُ ونُفِيَ وِجدانُه. والمَنفِيُّ أن يوجَدَ مَن يَرفَعُ الدَّعوى، ورَدُّها غَيرُ مَذكور.


حَصيلة

سُؤالٌ ثانٍ مَعطوفٌ بِـ«أَمْ» على سُؤالٍ لم يُجَب، فيُترَكُ السّامِعُ بَينَ فَرضَينِ لا خَبَرَ عن أيِّهِما: خَطَرٌ حَيثُ هو الآن، ورَدٌّ إلى حَيثُ كان. والرَّدُّ على أفعَلَ فالفاعِلُ غَيرُ العائِد، و«تَارَةً أُخْرَىٰ» تُثبِتُ أنَّ الأولى كانَت مَرّةً في عَدَد، لا عَهداً يَنتَهي. ثُمَّ نَكِرةٌ ثانِيةٌ بِإزاءِ نَكِرةِ الآيةِ قَبلَها، مَسبوقةٌ بِالإرسالِ نَفسِه، و«مِّنَ الرِّيحِ» تُبَيِّنُ الجِنسَ ولا تُعَيِّنُ العَين. ثُمَّ يُنطَقُ بِالسَّبَبِ الذي سُكِتَ عنه أوَّلاً: «بِمَا كَفَرْتُمْ»، فالوَصفُ الذي أُطلِقَ على النَّوعِ يُسنَدُ الآنَ إلى المُخاطَبينَ فِعلاً. ويُختَمُ بِنَفيٍ أضيَقَ لَفظاً وأوسَعَ سَدّاً: ثَلاثةُ قُيودٍ تُسَمّي الطّالِبَ والمَطلوبَ منه والمَطلوبَ فيه، ثُمَّ يُنَكَّرُ الطّالِبُ ويُنفى أن يوجَد. وسُمِّيَتِ الجِهاتُ كُلُّها لِيُعلَمَ أنَّ الخَلَلَ في أن يوجَدَ مَن يَسلُكُ الطَّريق، والطَّريقُ نَفسُه سالِمٌ منه.