الإسراء · الآية 67

﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا

«مَسَّكُمُ الضُّرُّ»: أخَفُّ فِعلِ التَّلاقي وأثقَلُ ما يُلاقى

لم تَقُلِ الآيةُ «أصابَكُم»، ولا «نَزَلَ بِكُم». قالَت «مَسَّكُم». والمَسُّ من م-س-س أرَقُّ التَّلاقي وأدَقُّه، تَلامُسٌ يَسري على السَّطحِ ولا يَغمُر.

والذي يَمَسُّ هو «الضُّرُّ»، ضَغطٌ كَثيفٌ يَلزَمُ ولا يُفارِق. فاجتَمَعَ في الجُملةِ أخَفُّ فِعلٍ وأثقَلُ فاعِل. تَكفي لَمسةٌ واحِدةٌ من هذا الثِّقَلِ في مَوضِعٍ لا قَرارَ تَحتَه، فيَسقُطَ كُلُّ ما بُنِيَ فَوقَه.

وهذا الضُّرُّ بِعَينِه سَبَقَ في السّورةِ مَنفِيّاً مِلكُ رَفعِه عن غَيرِه: كَشْفَ الضُّرِّ﴾. فالكَلِمةُ واحِدةٌ في المَوضِعَين، وقد قيلَ هُناكَ ما لا يَملِكونَه، ثُمَّ جيءَ هُنا بِالمَوقِفِ الذي يُمتَحَنُ فيه القَول.

«ضَلَّ مَن تَدْعُونَ»: الضَّلالُ مَحمولٌ على المَدعُوّ

اقرَأْ مَنِ الفاعِل. لم يُقَل «ضَلَلتُم»، ولا «ضَلَّ دُعاؤُكُم». قيلَ «ضَلَّ مَن تَدْعُونَ»، فالفِعلُ مُسنَدٌ إلى المُنادَينَ أنفُسِهِم لا إلى المُنادين.

و ض-ل-ل ثِقَلٌ يَمتَدُّ ويَنساب حتّى يَذهَبَ الشَّيءُ فيه عن ذاتِه، كما يَضِلُّ اللَّبَنُ في الماء: لا يُنقَلُ ولا يُرفَع، بل يَنتَشِرُ حتّى لا يَبقى له حَدٌّ يُعرَفُ به. فلا يُقالُ عن هؤُلاءِ إنَّهُم رَفَضوا، ولا إنَّهُم أبطَؤُوا؛ يُقالُ إنَّهُم ذَهَبوا عن أن يَكونوا شَيئاً يُنادى.

ثُمَّ يَجيءُ الاستِثناء: إِلَّا إِيَّاهُ﴾. والاستِثناءُ يُخرِجُ واحِداً من جُملةٍ داخِلة، فالمَجموعُ كُلُّه في الذَّهاب، وواحِدٌ لا يَذهَب. لم تُغَيِّرْ أنتَ قائِمةَ مَن تُنادي؛ القائِمةُ نَفسُها انفَرَطَت في المَوجِ فلم يَبقَ فيها إلّا اسمٌ واحِدٌ يَحمِلُ الصَّوت.

«فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ»: نَجاةٌ تُسَمّي المَقصِدَ ولا تُسَمّي المَهرَب

لم يُقَل «نَجّاكُم مِنَ البَحر». قيلَ «نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ»، و«إلى» حَرفُ غاية. فالنَّجاةُ هُنا مَوصوفةٌ بِما انتَهَت إليه لا بِما خَرَجَت منه.

و ن-ج-و انبِعاثٌ مُتَجَمِّعٌ من قَعرٍ يوصَلُ بِمَوضِعٍ يَثبُتُ فيه، ومنه «النَّجوة» المُرتَفَعُ من الأرضِ لا يَعلوهُ السَّيل. وجاءَ الفِعلُ على فَعَّلَ: إيقاعُ النَّجاةِ وإحداثُها، وشُمولُها لِلرَّكبِ كُلِّه لا لِواحِدٍ منه. والبَرُّ أرضٌ مُنبَسِطةٌ مُتَّصِلةٌ مَفتوحة، وهي عَينُ ما لم يَكُنْ تَحتَ أقدامِهِم قَبلَ قَليل.

ولذلك جاءَ «فَلَمَّا»، وهي أداةُ ما يَقَعُ عِندَ وُقوعِ غَيرِه. الفِعلُ الثّاني مَشدودٌ إلى الأوَّلِ شَدّاً: ما إن ثَبَتَتِ القَدَمُ حتّى وَقَعَ ما بَعدَها. والنّاسي لِلنِّعمةِ قَلَّما يَنسى المَوجَ؛ إنَّما يَنسى اليَدَ التي وَضَعَتهُ على اليابِسة.

«أَعْرَضْتُمْ»: صَفحةٌ تُدارُ ولا يُذكَرُ عَمَّن

فِعلٌ واحِدٌ عارٍ من صِلَتِه. لم يُقَل «أعرَضتُم عنه»، ولا «عَنِ الدُّعاء»، ولا «عَنِ الشُّكر». وُضِعَ الفِعلُ وسُكِتَ عن مُتَعَلَّقِه.

و ع-ر-ض ظُهورٌ يَجري ثُمَّ يُضَمُّ بِثِقَلٍ في مُقابَلَة، و«أعرَضَ» على أفعَلَ أن يَجعَلَ عَرضَه، أي جانِبَه، إلى الشَّيء، فيُوَلِّيَه الصَّفحةَ دونَ الوَجه. وهذا أدَقُّ من «تَرَك»: التّارِكُ يُغادِرُ المَوضِع، والمُعرِضُ يَبقى فيه ويُديرُ سَمتَه فَحَسب.

وحَذفُ المُتَعَلَّقِ يُوَسِّعُ الفِعلَ حتّى يَشمَلَ كُلَّ ما كانَ في البَحرِ مُواجَهاً. لم تَتَغَيَّرِ المَسافَة؛ تَغَيَّرَتِ الزّاوِية.

«وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا»: خُروجٌ من الخِطابِ إلى الحُكم

كانَ الكَلامُ كُلُّه مُوَجَّهاً بِكافِ الخِطاب: مَسَّكُم، تَدعون، نَجّاكُم، أعرَضتُم. ثُمَّ تَنقَطِعُ المُخاطَبةُ ويَحضُرُ اسمُ الجِنس: «الْإِنسَانُ». انتَقَلَ القَولُ من جَماعةٍ حاضِرةٍ إلى النَّوعِ كُلِّه.

و«كَانَ» تَضَعُ الوَصفَ في ماضٍ مُمتَدٍّ لا في اللَّحظةِ التي جَرَت. و ك-ف-ر كَتمٌ يُبعِدُ ما تَحتَه عن الظُّهورِ ثُمَّ يَجري ويَدوم؛ ومنه سُمِّيَ الزّارِعُ كافِراً حينَ يُوَاري البَذرَ في التُّراب. ولا يُوَارى إلّا ما ظَهَر.

و«كَفُورًا» على فَعُول، بِناءُ مُبالَغةٍ يَجعَلُ الفِعلَ خُلُقاً لا حادِثة. وهذا تَرتيبُ الآيةِ بِعَينِه: البَحرُ كَشَفَ، والبَرُّ غَطّى.


حَصيلة

لَمسةٌ واحِدةٌ من ثِقَلٍ لا يُفارِق، في مَوضِعٍ لا قَرارَ تَحتَه، فيَنفَرِطُ كُلُّ مَن كانَ يُنادى ويَذهَبُ عن ذاتِه، ولا يُستَثنى إلّا واحِد. ثُمَّ نَجاةٌ تُسَمّي مَقصِدَها «إِلَى الْبَرِّ» فتَجعَلُ الخُروجَ وُصولاً، ويَلحَقُ بِها بِـ«فَلَمَّا» فِعلٌ لا يُمهِل: صَفحةٌ تُدارُ بِلا ذِكرِ المُدارِ عنه، فيَتَّسِعُ الإعراضُ لِكُلِّ ما كانَ مُواجَهاً في المَوج. ثُمَّ يُترَكُ المُخاطَبونَ ويُذكَرُ النَّوع، ويُوضَعُ الوَصفُ تَحتَ «كَانَ» فيَصيرُ خُلُقاً مُستَمِرّاً لا حادِثةً عارِضة. البَحرُ كَشَفَ ما كانَ مَستوراً، فلَمّا أمِنَ صاحِبُه أعادَ عَلَيه الغِطاء.