البقرة · الآية 113
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«لَيسَ ... على شَيء»: صيغَةُ النَّفيِ المُطلَق
الصيغَةُ نَفيٌ كامِلٌ لا تَجزِئَةَ فيه. لَم يَقُل أحَدُ الفَريقَينِ إنَّ الآخَرَ على بَعضٍ أو على خَطَأٍ جُزئيّ، بَل نَفى عَنه «شَيئاً» مُنَكَّراً يُفيدُ العُمومَ في الاستِغراق. وهذا نَمَطٌ يَتَجاوَزُ الخِلافَ الفِقهِيَّ إلى الإلغاءِ الكُلِّيّ. والآيَةُ لا تَصِفُ خِلافاً عَلى جُزءٍ من العَقيدَة، بَل مُمارَسَةً تَبطِلُ مَعَها قيمَةُ الطَّرَفِ الآخَرِ جُملَةً. وهُنا مَحَلُّ النَّقد: العَقلُ العادِلُ يُفَرِّقُ بَينَ رَفضِ خَطَأٍ مُعَيَّنٍ وإلغاءِ الطَّرَفِ كُلِّه، ومَن يَنتَقِلُ إلى الإلغاءِ الكُلِّيِّ فَقَد خَرَجَ مِنَ النَّقدِ إلى الخُصومَة.
جذر (ت ل و): تَتَبُّعٌ دَقيقٌ يَحمِلُ حُجَّةً على القارِئ
(ت ل و) تَتَبُّعٌ قِطعَةً قِطعَةً مَعَ احتِواء. ووَهُم يَتلونَ الكِتابَ جُملَةٌ حاليَّةٌ فيها تَوبيخٌ مُضمَر. التِّلاوَةُ تَستَلزِمُ تَتَبُّعَ كُلِّ قِطعَةٍ مِنَ الكِتاب، ومِنَ المَفروضِ أن يَبلُغَ القارِئُ إلى قِطَعٍ فيها ذِكرُ الطَّرَفِ الآخَرِ وصِلَتِه. فَأن يَتلوَ أحَدُ الفَريقَينِ نَصّاً فيه ذِكرُ الطَّرَفِ الآخَرِ ثُمَّ يَقولَ إنَّه على لا شَيء، تَناقُضٌ داخِلَ فِعلِ التِّلاوَةِ نَفسِه. والحُجَّةُ هنا تَرجِعُ على القارِئِ لا على النَّصّ: الكِتابُ تَمَّ تَتَبُّعُه، والخَلَلُ في العَقلِ الذي تَتَبَّعَه دونَ أن يَفهَمَه.
تَسويَةُ «أهلِ الكِتاب» بِـ«الذينَ لا يَعلَمون»: سُقوطُ امتيازِ الحَملِ بِلا عَمَل
«كَذلِكَ قالَ الذينَ لا يَعلَمونَ مِثلَ قَولِهِم» نَقلَةٌ بِنيَويَّةٌ لا بَلاغيَّةٌ فَقَط. الذين لا يَعلَمونَ صِنفٌ بِلا كِتاب، وقَد قالوا مِثلَ قَولِ أصحابِ الكِتاب. فالتَّسويَةُ تَكشِفُ أنَّ حِيازَةَ الكِتابِ لا تَكفي إذا لَم تَنعَكِس في الفِعل. حَملُ الكِتابِ وَظيفَةٌ لا هُوِيَّة، ومَن حَمَلَه ولَم يَعمَل بِه صارَ في نَفسِ خانَةِ مَن لَم يَحمِلهُ أصلاً، بَل أعظَمَ مُؤاخَذَةً لِأنَّ عَلَيهِ حُجَّةً أكبَر. وهذِه قاعِدَةٌ تَنطَبِقُ على كُلِّ حامِلِ كِتابٍ بَعدَهُم.
جذر (خ ل ف): اختِلافُ الفُروعِ لا يَنفي وَحدَةَ الأصل
(خ ل ف) تَعَلُّقُ شَيءٍ بَعدَ شَيء، ومِنه الخِلافَةُ والاختِلاف. وصيغَةُ الافتِعالِ «يَختَلِفون» تَدُلُّ على مُشارَكَةٍ ثِنائيَّةٍ بَينَ طَرَفَين، كُلٌّ مِنهُما يَضَعُ نَفسَه خَلفَ الآخَر. ولَم تَقُل الآيَةُ «يَكفُرُ بَعضُهم بَعضاً» ولا «يُعادي» بَل «يَختَلِف»، وهذا تَصنيفٌ دَقيقٌ لِلحالِ الحَقيقِيِّ: هُم في الأصلِ من مَدرَسَةٍ واحِدَة، واختِلافُهُم على فُروعٍ تُضَخَّم. والكِتابُ يَحمِلُ أصلاً جامِعاً، والاختِلافُ مَوقِعُه الفُروعُ لا الجُذور.
فاللهُ يَحكُمُ بَينَهُم يَومَ القيامَة: إحالَةُ الفَصلِ إلى مَن يَملِكُ السُّنَن
الحاكِمُ يَومَ القِيامَةِ هُو نَفسُه مالِكُ السَّماواتِ والأرضِ في 107، وهُو نَفسُه القَديرُ في 106. فالتَّسَلسُلُ مُتَّصِل: مَن يَملِكُ السُّنَنَ يَملِكُ الفَصلَ في ما اختُلِفَ فيه. والآيَةُ لا تَتَعَجَّلُ الحُكمَ في الدُّنيا، بَل تُحيلُه إلى مَوقِعِ الجَلاء. ومَعنى الإحالَةِ أنَّ الخِلافَ لا يُحسَمُ بِتَغَلُّبِ فَريقٍ في الدُّنيا، بَل بِظُهورِ السُّنَّةِ الكَونيَّةِ في خِتامِها. ومَن يَفهَمُ هذا يَسكُنُ نَفسُه عَن مُحاوَلَةِ الحَسمِ العاجِل، ويَتَفَرَّغُ لِعَمَلِه.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «ليس على شَيء» إلغاءٌ كُلِّيٌّ يَتَجاوَزُ النَّقد، والتِّلاوَةُ حُجَّةٌ تَرجِعُ على القارِئِ إذا لَم تُغَيِّرهُ، وحَملُ الكِتابِ وَظيفَةٌ لا هُوِيَّة، والفَصلُ في الخِلافِ دَورُ مالِكِ السُّنَن.
حَصيلة
مِن جِذرِ ن-ص-ر وَرَثَ النَّصارى اسمَهم دَعمًا نافِذاً ممتَدّاً لِعيسى عَليهِ السَّلام، ومِن جِذرِ أ-و-ل يَؤولُ اليَهودُ إلى أصلِ المِيراثِ الإبراهيميّ؛ فكِلا الاسمَين يَحمِلُ مَعنىً وَظيفيّاً لا مُجرَّدَ لافِتَة. غيرَ أنَّ الآيةَ تَكشِفُ أنَّ حاملَ الاسمِ قَد يَتَخَلَّى عَن وَظيفَتِه حينَ يَنتَهي إلى «ليسَت على شيء»: وهي صيغَةُ نَفيٍ تامٍّ لا تَجزِئَةَ فيه ولا اعترافَ بجُزءٍ. وما يُشَدِّدُ الحُجَّةَ أنَّ الفَريقَين كِلَيهِما يَتلوانِ الكِتابَ، ومِن جِذرِ ت-ل-و التِّلاوةُ تَتَبُّعٌ دَقيقٌ قِطعَةً قِطعَةً يَحتوي ما يَتَتَبَّع؛ فمَن تَلا حَقًّا بَلَغَ حَتمًا إلى قِطَعٍ تَذكُرُ الطَّرَفَ الآخَرَ وصِلَتَه. وبهذا تَنقَلِبُ التِّلاوةُ حُجَّةً على القارِئِ لا عَلى النَّصّ. ثمَّ تُسوِّي الآيةُ بَين أصحابِ الكِتابِ وبَين «الذينَ لا يَعلَمون» في القَول الواحِد؛ فحِيازةُ الكِتابِ لا تَرفَعُ صاحِبَها ما لَم تَنعَكِس في فِعلِه. ومِن جِذرِ خ-ل-ف يَنكَشِفُ أنَّ الخِلافَ القائِمَ هو تَعَلُّقُ كُلِّ فَريقٍ بِفَراغٍ نَشَأَ بَعدَ انفِصالِه عَن أصلٍ مُشتَرَك، لا تَبايُنٌ في الجُذورِ الأولى. وبهذا يُحالُ الفَصلُ إلى مَن يَملِكُ السُّنَنَ مِن جِذرِ ح-ك-م: تَنقِيَةُ الخِلافِ بإحكامٍ ثمَّ جَمعُ الفَصلِ في يَومٍ لَه حِدٌّ مِن جِذرِ ي-و-م، يومٌ تَلتَئِمُ فيه الأمورُ بَعدَ امتِدادِها. الوَظيفَةُ سابِقَةٌ على اللافِتَة، والتِّلاوةُ حُجَّةٌ تَرجِعُ على حامِلِها، والفَصلُ في كُلِّ خِلافٍ بَينَ وَرَثَةِ أصلٍ واحِدٍ مَوقِعُه مالِكُ السُّنَن.