البقرة · الآية 267
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
(أ م ن) الخِطابُ الداخِليّ مَرَّةً أُخرى
أُلاحظُ أنَّ الآية تَعُودُ إلى نِداءِ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»، كَما فِي ٢٦٤. وَهَذَا النِّداءُ الدَّاخِلِيُّ يَتَكَرَّرُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ كُلَّما أَرادَ القُرآنُ التَّنبيهَ لِخَطَرٍ يَقَعُ في داخِلِ بِنيَةِ المُؤمِنينَ أَنفُسِهِم. وَالخَطَرُ هُنا هُوَ تَبَرُّعُ المُؤمِنِ بِما لا يُريدُه لِنَفسِه؛ صورَةٌ دَقيقَةٌ لِبُخلٍ مَسْتُور.
(ط ي ب) الطَّيِّبُ كَمِعيارٍ مُرَكَّب
الجَذرُ (ط ي ب) يَحْمِلُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ فِي العَرَبِيَّة: الحِسِّيُّ (ما طابَ مَذاقاً ورائِحَة)، والأَخلاقِيُّ (ما اكْتُسِبَ حَلالاً)، والنَّفْسِيُّ (ما تَرتاحُ لَهُ النَّفْس). الآيةُ تَطلُبُ الإِنْفاقَ مِنَ الطَّيِّباتِ بِمَعنَى هَذِهِ الطَّبقاتِ مُجْتَمِعَة. لا يَكفي أَن يَكونَ المَالُ حَلالاً (أخلاقِيّاً)؛ بَل يَجِبُ أَن يَكونَ جَيِّداً فِي ذاتِه (حِسِّيّاً) ومُقَدَّماً بِطِيبِ نَفْسٍ (نَفْسِيّاً). ثَلاثُ رُتَبٍ مُتَطابِقة.
«من طَيِّبات ما كَسَبتُم» قَيدُ التَّمييز
أُوَضِّحُ أَنَّ «مِن» هنا تَبْعِيضِيَّة. لَم يُطْلَبْ مِنَ المُؤمِنِ بَذْلُ كُلِّ ما كَسَبَهُ مِن طَيِّب، بَل جُزْءاً فَقَط. لَكِنَّ الأَهَمَّ أَن يَخرُجَ هَذَا الجُزْءُ مِنَ الطَّيِّباتِ لا مِن غَيرِها. النَّفَقَةُ لَيسَت كَمِّيَّةً فِي جَوهَرِهَا، بَل كَيْفِيَّة. قَليلٌ مِنَ الطَّيِّبِ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ مِنَ الرَّدِيء.
(خ ر ج)+(أ ر ض) المالُ في القَلَمَينِ الاثنَين
«ما كَسَبْتُم ومِمَّا أَخْرَجْنا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ» تَقْسِيمٌ اقْتِصادِيٌّ دَقِيق. الكَسْبُ يَشْمَلُ التِّجارَةَ والصِّناعةَ والعَمَلَ اليَدَويّ؛ وما يُخْرِجُهُ اللهُ مِنَ الأَرْضِ يَشْمَلُ الزِّراعةَ والثِّمارَ والمَعادِن. القُرآنُ يَضَعُ كُلَّ مَصادِرِ الثَّرْوَةِ فِي هَذِهِ الآية، بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ عَنْها مالٌ مَشْرُوع. وَهُوَ لا يَفْصِلُ الكَسْبَ الشَّخصِيَّ عَنِ العَطاءِ الإلَهِيِّ المُباشَرِ في هَذِهِ النُّقْطة: كِلاهُما يَخْضَعُ لِنَفسِ القانون.
(ي م م) التَّعَمُّدُ السَّلبيّ
أُؤَكِّدُ أَنَّ «لا تَيَمَّمُوا» جَذرُها (ي م م) الذي يَقولُ القَصْدَ المُراد. الآيةُ لا تَنْهى عَنِ العَطاءِ عَنْ غَيرِ قَصْد، بَل تَنْهى عَنِ العَطاءِ الرَّدِيءِ المُتَعَمَّد. (ي م م) هو جَذرُ التَّيَمُّمِ (التَّوَجُّهُ نَحوَ الأَرْضِ لِلصَّلماة)، بِمَعنَى القَصْدِ المُحَدَّد. النَّهْيُ يَقَعُ عَلى «تَيَمُّمِ» الخَبيث، أَي التَّوَجُّهِ إلَيهِ خِصِّيصاً لِبَذْلِه. هَذَا التَّخَصُّصُ يَكْشِفُ نِيَّةَ الفَصْلِ بَينَ ما نَسْتَهْلِكُهُ فِي البَيْتِ وما نُقَدِّمُهُ صَدَقَة.
(خ ب ث) الخَبيثُ كَنَقيضٍ للطَّيِّب
الجَذرُ (خ ب ث) يَحْمِلُ الرَّداءَةَ فِي الجَوهَرِ والجَودَة. الخَبِيثُ لَيسَ فَقَط الحَرام، بَل هُوَ ما تَعافُهُ النَّفْسُ وتَرْفُضُه. هُنا تَوسِيعٌ لِلْمَعنى: تَقْدِيمُ ثِمارٍ عَلى وَشَكِ العَطَب، ثِيابٍ لَم تَعُدْ صالِحَةً لِأَحَد، مَبْلَغٍ مِنَ المالِ لَيسَ إلّا فَضْلَةَ كَسَلٍ لا فَضْلَةَ كَرَم؛ كُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الخَبِيثِ القُرآنِيّ.
(أ خ ذ)+(غ م ض) مِعيارُ المُقايَضة
أُشِيرُ إِلى «ولَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ» كَقِمَّةِ الفَهمِ التَّشْرِيعِيّ. المِعْيار: هَل تَقْبَلُ أَخْذَهُ فِي مُبايَعَةٍ عادِيَّة؟ لَو جاءَكَ رَجُلٌ يَعْرِضُ عَلَيكَ هَذَا الشَّيءَ فِي صَفْقَة، هَل تَقْبَلُهُ بِرَغْبَة، أَم لا تَأخُذُهُ إلّا «بإِغْماضٍ» (بِالتَّغافُلِ عَن عَيْبِهِ تَرَفُّعاً أَو حَياءً)؟ إذا كانَ الأَخْذُ يَتَطَلَّبُ إغْماضَ العَين، فَإِنَّ بَذْلَ هَذَا المَالِ يَبْنِي مَوقِعَ الدُّونِيَّةِ لِلْمُتَلَقِّي. القُرآنُ يَرْفُضُ أَن تَكونَ الصَّدَقَةُ رِسَيكْلَةً (تَدْوِيراً) لِما لَم يَعُدْ يَمُرُّ فِي السُّوق.
(غ ن ي)+(ح م د) الخِتامُ المُنطِقيّ
«واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» يَخْتِمُ الحُجَّة. اللهُ (غَنِيٌّ) لا يَحْتاجُ صَدَقَةَ أَحَد، و(حَمِيدٌ) مَحْمُودٌ فِي ذاتِهِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ اعْتِرافِ البَشَر. مَن يُقَدِّمُ الرَّدِيءَ لِلهِ يَنْبَغِي أَن يَعْلَم: هُوَ لا يَنْفَعُ اللهَ بِهَذا البَذْلِ ولا يَنالُ عِندَهُ المَحْمَدَة. هَذا يُحَطِّمُ المَنْطِقَ النَّفْسِيَّ لِلْعَطاءِ الرَّدِيء: إذا كانَ المُنْفِقُ يَبْحَثُ عَنْ حَمْدِ اللهِ بِصَنِيعِه، فَكَيفَ يَرْجُوهُ بِعَطاءٍ رَدِيء؟ وَإن كانَ يَبْحَثُ عَنْ حَمْدِ النّاس، فاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ولَيسَ مَكْتَباً لِلدِّعاية.
الكَلِمَةُ تَبْقَى قَبْلَ المُصْطَلَح، والدَّورُ قَبْلَ الهُوِيَّة: دَورُ «المِعْيارِ القابِلِ لِلْعَكْس (ما لا تَقْبَلُهُ لا تُعْطِهِ)» يَسْبِقُ دَورَ «العَطاءِ الذي يَسْتَغِلُّ فَقْرَ المُنْفَقِ عَلَيْه»، ودَورَ «الطَّيِّبِ الذي هُوَ طَيِّبٌ حِسّاً وأَخلاقاً ونَفْساً» يَسْبِقُ دَورَ «الحَلالِ الذي لا يَتَطَلَّبُ أَكثَرَ مِن شَرْعِيَّةٍ باهِتة».
حَصيلة
الآيةُ تَنقُلُ الحَديثَ مِن نِيَّةِ المُنفِقِ إلى نَوعيَّةِ المَعطاء. الطَّيِّبُ (ط-ي-ب) ثَلاثُ طَبَقات: حِسِّيٌّ (ما يَطيبُ ذَوقًا ورائِحة)، وأخلاقيٌّ (ما طابَ كَسبًا وأصلًا)، ونَفسيٌّ (ما تَطيبُ بِه نَفسُ المُعطي). الإنفاقُ مِنَ الطَّيِّباتِ يَجمَعُ الثَّلاثةَ لا يَكتَفي بِأحَدِها. النَّهيُ عَن «تَيَمُّمِ الخَبيث» (ي-م-م) نَهيٌّ عَن القَصدِ المُتَعَمَّدِ للرَّديء: تَخصيصُ السَّيِّئِ للصَّدَقة. والمِعيارُ الذَّكيُّ الذي تَضعُه الآية: وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾، لَو كُنتَ أنتَ المُعطى لَما قَبِلتَه إلا مُغمِضًا بَصَرَكَ عَن عَيبِه، فَلِماذا تُقَدِّمُه لأخيكَ؟ غَمضُ البَصَرِ (غ-م-ض) كاشِفٌ نَفسيٌّ: حينَ يُغمَضُ البَصَرُ يَكونُ التَّقديمُ خَجَلًا لا كَرَمًا. وتَختِمُ الآيةُ بِثُنائيَّةٍ تَقطَعُ العُذرَ: غَنيٌّ (غ-ن-ي) فَاللهُ لا يَحتاجُ الرَّديء، حَميدٌ (ح-م-د) فَاللهُ مَحمودٌ في كُلِّ حالٍ وليسَ بِحاجةٍ إلى ما يُقَدِّمُ إليه مِن دُونيَّات.