البقرة · الآية 62

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

أَربَعُ تَسمياتٍ أَفعالاً قَبلَ أَن تَكونَ طَوائِف: (ء م ن)(ه و د)(ن ص ر)(ص ب أ)

يُبدَأُ بِتَفكيكِ الأَسماءِ الأَربعةِ قَبلَ قِراءةِ الآية، لأَنَّ القُرآنَ عَدَلَ عن «اليَهودَ والنَّصارى» إلى الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ﴾، فجاءَ الاسمانِ الأوَّلانِ بِصيغةِ المَوصولِ والفِعلِ دونَ صيغةِ الاسمِ الهُوِيّاتيّ. وأَصلُ (ء م ن) بَذلُ الأَمانِ وتَلَقّيهِ بَينَ النَّفسِ ورَبِّها، وليسَ بِطاقةَ انتِساب. و(ه و د) رُجوعٌ هادِئٌ إلى الأَصلِ كَما في إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، ولِذا يُفَرَّقُ في الجِذرِ بَينَ «الَّذِينَ هَادُوا» فِعلَ رُجوعٍ و«اليَهود» اسماً لِجَماعة. و(ن ص ر) مَدُّ العَونِ في الحَرَج، فـ«النَّصارى» في جِذرِها مَن قامَ بِالنُّصرة، وهي وَصفُ هَيئةٍ تَفعَلُ النَّصرَ، غَيرُ اسمِ طائِفةٍ مُغلَقة. و(ص ب أ) خُروجٌ من صورةٍ إلى غَيرِها، فالصّابِئُ مَن تَحَوَّلَ من صورةٍ إلى أُخرى. فالأَربَعُ في جُذورِها أَفعالٌ يَفعَلُها الإنسان (بَذلٌ، رُجوعٌ، نُصرةٌ، تَحَوُّل)، وليسَت لافِتاتٍ تُعَلَّقُ على الأَعناقِ بِالوِراثة.

«مَن آمَنَ بِاللهِ واليَومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحاً»: الشَّرطُ تَحتَ الاسمِ لا فَوقَه

وبَعدَ سَردِ الأَسماءِ الأَربَعةِ تَأتي عِبارةُ الشَّرطِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، وهي جُملةٌ تُقرَأُ تَفسيريّةً غَيرَ تَخصيصيّة، تُعلِنُ أَنَّ الاسمَ الجَماعيَّ (أَيّاً كانَ: مُؤمِن، هادٍ، نَصرانيّ، صابِئ) لا يَعمَلُ وَحدَه، وأَنَّ الشَّرطَ الحَيَّ تَحتَ كُلِّ لافِتةٍ هو اجتِماعُ ثَلاث: اعتِقادٌ بِالله، واعتِقادٌ بِيَومِ الجَزاء، وعَمَلٌ صالِح، وليسَ فيها استِثناءُ قِسمٍ من الطَّوائفِ وإبقاءُ قِسم. والإيمانُ بِاللهِ يَحسِمُ اتِّجاهَ القَلب، والإيمانُ بِاليَومِ الآخِرِ يَحسِمُ أُفُقَ الحِسابِ بَعدَ الحَياةِ الدُّنيا، والعَمَلُ الصّالِحُ يَحسِمُ السُّلوكَ اليَوميّ، وهي ثَلاثةٌ تَعمَلُ مَعاً، ولا يَكفي واحِدٌ مِنها وَحدَه. ومِن هُنا كانَتِ الطَّوائفُ الأَربَعُ كُلُّها مَنسوبةً إلى جَماعات، ثُمَّ جاءَ الشَّرطُ يُخاطِبُ الفَردَ داخِلَها بِـ«مَن آمَنَ»، وعُدِلَ فيه عن تَكرارِ «الَّذينَ آمَنوا» ثانيةً.

«فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم»: مَوقِعُ الأَجرِ في المَحضَرِ لا في السِّجِلّاتِ الجَماعيَّة

ومَحَلُّ النَّظَرِ هُنا الظَّرفُ «عِندَ»، فقد عُدِلَ عن «فَلَهُم أَجرُهُم مِنَ اللهِ» و«مِن رَبِّهِم» إلى عِندَ رَبِّهِم﴾. و«عِندَ» حَرفُ مَحضَرٍ غَيرُ حَرفِ مَصدَر، يَضَعُ الأَجرَ في حَضرةِ الرَّبِّ مُباشَرةً، خارِجَ دائِرةِ السِّجِلّاتِ الطّائفيّةِ والتَّصنيفاتِ البَشَريّة. وهذا يَنسَجِمُ مَعَ جِذرِ (ر ب ب): التَّربيةُ شَأنٌ بَينَ الرَّبِّ والمَربوبِ مُباشَرةً، لا تَمُرُّ بِسِجِلِّ قَبيلةٍ ولا بِخاتِمِ طائِفة. ولِذا أوثِرَ في الآيةِ «رَبِّهِم» على «اللهِ»، لأَنَّ الرُّبوبيّةَ أَدَقُّ في تَوصيفِ العَلاقةِ الفَرديّةِ بَينَ الإنسانِ وخالِقِه. والجَزاءُ هُنا أَثَرٌ طَبيعيٌّ لِلسُّلوكِ وَفقَ السُّنّةِ الإلهيّة، وليسَ قَراراً فَوقيّاً يُحابي انتِماءً دونَ آخَر. فمَنِ استَوفى الشَّرطَ الثُّلاثيَّ (إيمانٌ بِالله، إيمانٌ بِاليَومِ الآخِر، عَمَلٌ صالِح) نُقِلَ أَجرُه من خانةِ الطّائفةِ إلى خانةِ المَحضَرِ الإلهيّ، فانقَطَعَت عَنه سُلطةُ اللّافِتةِ الجَماعيّة.

«ولا خَوفٌ عَلَيهِم ولا هُم يَحزَنون»: نَفيُ اهتِزازَينِ يُحيطانِ بِالنَّفسِ

وتُختَمُ الآيةُ بِنَفيِ اهتِزازَينِ يُحاصِرانِ النَّفسَ البَشَريّةَ دائِماً من جِهَتَيها: (خ و ف) و(ح ز ن). والخَوفُ اهتِزازٌ مِمّا لم يَقَعْ بَعدُ، يَنظُرُ إلى الأَمامِ ويَرتَعِشُ من غَيبٍ آتٍ، والحُزنُ اهتِزازٌ مِمّا وَقَعَ وفات، يَنظُرُ إلى الخَلفِ ويَتَقَبَّضُ على خَسارةٍ ماضية. فالوَعدُ هُنا أَن يَرفَعَ الحَقُّ عَنِ المُؤمِنِ هاتَينِ الرَّجفَتَينِ مَعاً: رَجفةَ ما هو آتٍ، ورَجفةَ ما قد فات. وبَينَ التَّعبيرَينِ فَرقٌ دَقيق، فقد جاءَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بِصيغةِ النَّكِرةِ المَنفيّةِ (نَفيٌ يَعُمُّ الخَوفوجاءَ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بِجُملةٍ خَبَرُها فِعلٌ مُضارِع (نَفيٌ لِاستِمرارِ الحُزن). فالخَوفُ مَنفيٌّ جُملةً، والحُزنُ مَنفيٌّ استِمراراً، لأَنَّ الحُزنَ قد يَمُرُّ عارِضاً في الدُّنيا ثُمَّ يَنقَطِعُ عِندَ لِقاءِ الرَّبّ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: ففي الآيةِ أَربَعُ تَسمياتٍ كُلُّها في جُذورِها أَفعالٌ يَفعَلُها الإنسان (بَذلُ الأَمان، الرُّجوعُ إلى الأَصل، مَدُّ العَون، الانتِقالُ عَن صورَة)، ثُمَّ شَرطٌ واحِدٌ يَعمَلُ من داخِلِها جَميعاً (اعتِقادٌ بِالله + اعتِقادٌ بِاليَومِ الآخِر + عَمَلٌ صالِح)، ثُمَّ أَجرٌ يَقَعُ في مَحضَرِ الرَّبِّ (عِندَ) دونَ سِجِلِّ الانتِساب، ثُمَّ رَفعٌ لِاهتِزازٍ مُسبَقٍ (خ و ف) واهتِزازٍ لاحِقٍ (ح ز ن)، والمَعنى أنَّ الاسمَ الاجتِماعيَّ لا يَحجِبُ حُكمَ العَمَل، وأنَّ الجَماعةَ لا تَحمِلُ الفَردَ إلى المَحضَر.


حَصيلة

تَأتي هذه الآيةُ في خِضَمِّ عِتابٍ بِمَثابةِ تَوَقُّفٍ كاشِفٍ يُعَلِّقُ الحُكمَ الإلهيَّ بِالشَّرطِ الدّاخِليّ، ولا يُعَلِّقُه بِالاسمِ الجَماعيّ. والأَسماءُ الأَربَعةُ «الذينَ آمَنوا والذينَ هادوا والنَّصارى والصّابِئين» كُلُّها أَفعالٌ قَبلَ أن تَكونَ أَعلاماً: (ه-و-د) العَودةُ والتَّوبة، و(ن-ص-ر) مَدُّ المَعونة، و(ص-ب-أ) الانتِقالُ من دينٍ إلى آخَر. ثُمَّ يُذكَرُ الشَّرطُ صَريحاً: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، و«صالِح» من (ص-ل-ح)، وهو ما كانَ على حالِه الصَّحيحةِ مُتَماسِكاً. ونَتيجةُ ذلك أَجرٌ مَوضِعُه عِندَ الرَّبِّ دونَ الجَماعة، ورَفعٌ لِلخَوفِ والحَزَن. وتُقَرِّرُ هذه الآيةُ، في خِضَمِّ سَرديّةٍ تَصِفُ إخفاقات، أنَّ المَعيارَ الإلهيَّ هو الحالُ الدّاخِليُّ وعَمَلُه، ولم يَكُنْ يَوماً الانتِماءَ الجَماعيّ.