النساء · الآية 10

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا

«إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا»: أكلٌ يُخرِجُ المالَ عَن مَوضِعِه

تَختِمُ الآيةُ ما بَدَأَ بِالأمرِ بِإيتاءِ اليَتامى أموالَهُم، فتَذكُرُ الأكلَ الذي نُهِيَ عَنه قَبلَها مَرَّتَين، «ولا تَأكُلوا أموالَهُم إلى أموالِكُم» و«ولا تَأكُلوها إسرافاً وبِداراً»، وتُخبِرُ الآنَ عَن أصحابِه بِـ«إنَّ» المُؤَكِّدة. والفِعلُ مُضارِعٌ، «يَأكُلون»، فالأكلُ عادةٌ جارِيةٌ عِندَهُم، والمالُ مُضافٌ إلى «اليَتامى» بِاسمِهِمُ الظّاهِر، بَعدَ أن جاءَ في الآياتِ قَبلَها «أموالَهُم» و«أموالَكُم»، فصاحِبُ المالِ مُسَمًّى في الآيةِ التي تَصِفُ أكلَه.

و«ظُلماً» تُمَيِّزُ هذا الأكلَ من الأكلِ المَأذونِ فيه لِلفَقيرِ «بِالمَعروف»، فالفِعلُ واحِدٌ في الآيَتَين، والفارِقُ هَيئَتُه. والظُّلمُ من ظ-ل-م، غِشاوةٌ تُطبِقُ على الشَّيءِ فتُخرِجُه عَن حَدِّه، ومنه «الظُّلمة» التي تَحجُبُ المَعالِم، و«ظَلَمَ الأرضَ» إذا حَفَرَها حَيثُ لم تُحفَرْ من قَبل. فالأكلُ ظُلماً أكلٌ يَضَعُ مالَ اليَتيمِ في غَيرِ مَوضِعِه، يُخرِجُه من حَوزةِ صاحِبِه إلى جَوفِ آكِلِه تَحتَ غِشاوةٍ تَستُرُه.

«إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا»: المَأكولُ يَصيرُ ناراً في الجَوف

ثُمَّ يَأتي ما يُخبَرُ بِه عَنهُم مَقصوراً بِـ«إنَّما»: «إنَّما يَأكُلونَ في بُطونِهِم ناراً»، فقَصَرَت ما يَأكُلونَه على شَيءٍ واحِد، هو النّار. والفِعلُ نَفسُه مُكَرَّر، «يَأكُلون» ثُمَّ «يَأكُلون»، والمَأكولُ في الأوَّلِ أموالُ اليَتامى وفي الثّاني نار، فالآيةُ تَضَعُ المَأكولَينِ في مَوضِعٍ واحِدٍ من الفِعل، وتُسَمّي حَقيقةَ الأوَّلِ بِالثّاني.

والبُطونُ من ب-ط-ن، الجَوفُ الذي يَحتَوي ما يَنزِلُ فيه فيَستَقِرُّ ثَقيلاً، ومنه «الباطِن» خِلافُ الظّاهِر، فالمالُ الذي أُخِذَ تَحتَ سِترٍ يَنزِلُ في جَوفٍ مَستور. والنّارُ من ن-و-ر، طاقةٌ تَنبَعِثُ من داخِلٍ فتَسري فيما حَولَها، فإذا جُعِلَت في البَطنِ كانَ مَوضِعُ انبِعاثِها جَوفَ الآكِلِ نَفسَه. وقد جاءَتِ الصّورةُ نَفسُها في الكِتابِ في الذينَ يَكتُمونَ ما أُنزِلَ ويَشتَرونَ بِه ثَمَناً قَليلاً: أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾، فالأكلُ في المَوضِعَينِ أخذٌ في الخَفاءِ يَنقَلِبُ في الجَوفِ ناراً.

«وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا»: نارٌ في الدّاخِلِ وسَعيرٌ في الخارِج

ثُمَّ يَنتَقِلُ الفِعلُ إلى الآتي بِالسّين: «وسَيَصلَونَ سَعيراً». والصِّلِيُّ من ص-ل-ي، مُلازَمةُ النّارِ ومُقاساةُ حَرِّها بِالالتِصاقِ بِها، ومنه «اصطَلى» إذا دَنا من النّارِ يَستَدفِئ، والسَّعيرُ من س-ع-ر، لَهَبٌ يَرتَفِعُ من باطِنِه ويَتَّصِل، و«سَعَرَ النّارَ» أوقَدَها حتّى عَلَت. والفِعلُ ومَفعولُه يَجتَمِعانِ كذلك في وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا﴾.

فالآيةُ تَضَعُ النّارَ في مَوضِعَين: ناراً في البُطونِ يَأكُلونَها الآنَ بِأيديهِم، وسَعيراً يَصلَونَه في آتٍ مَوعود، فالأُولى في الدّاخِل، والثّاني يُحيطُ بِهِم من الخارِج، والأُولى من صُنعِ أكلِهِم، والثّاني يَلقَونَه مَصيراً. وبِهذا يُختَمُ القَولُ الذي افتُتِحَ بِالأمرِ بِإيتاءِ اليَتامى أموالَهُم: المالُ الذي أُمِرَ أن يُساقَ إلَيهِم، إذا حُوِّلَ إلى جَوفِ غَيرِهِم ظُلماً، صارَ ناراً فيه.


حَصيلة

تَختِمُ الآيةُ القَولَ في أموالِ اليَتامى بِوَصفِ آكِليها: أكلٌ جارٍ يُضافُ فيه المالُ إلى اليَتامى بِاسمِهِم، يُمَيِّزُه «ظُلماً» من الأكلِ بِالمَعروف، والظُّلمُ من ظ-ل-م غِشاوةٌ تُخرِجُ الشَّيءَ عَن حَدِّه. ثُمَّ تَقصُرُ ما يَأكُلونَه على النّار، فتُعيدُ الفِعلَ نَفسَه وتُبَدِّلُ مَأكولَه، والنّارُ في البُطون، من ب-ط-ن، الجَوفِ الذي يَستَقِرُّ فيه ما يَنزِل. وتَختِمُ بِسَعيرٍ يَصلَونَه، والصِّلِيُّ من ص-ل-ي مُلازَمةُ الحَرّ، والسَّعيرُ من س-ع-ر لَهَبٌ يَرتَفِعُ ويَتَّصِل، فتَجتَمِعُ في الآيةِ نارٌ في الباطِنِ حاضِرةٌ ونارٌ مُحيطةٌ آتية.