النساء · الآية 9

﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا

«وَلْيَخْشَ الَّذِينَ»: خَشيةٌ تُطلَبُ من صِفة

تَتَّصِلُ الآيةُ بِما قَبلَها بِالواو، وتَأمُرُ بِاللّامِ في صَدرِها: «ولْيَخشَ»، والأمرُ بِاللّامِ يُوَجِّهُ الفِعلَ إلى غائِبينَ يُعرَفونَ بِصِفَتِهِم، فالمَأمورونَ هُم «الذينَ لَو تَرَكوا...»، أي كُلُّ مَن يَصدُقُ عَلَيه أن يَكونَ لَه ذُرِّيّةٌ يَترُكُها. والخَشيةُ من خ-ش-ي، خَوفٌ يَنفُذُ إلى الباطِنِ ويَتَفَشّى فيه حتّى يَعُمَّه، فهي أثَرٌ في النَّفسِ يَسري فيها قَبلَ أن يَظهَرَ في الفِعل. والآيةُ تَطلُبُ هذه الخَشيةَ أوَّلاً، ثُمَّ تُبَيِّنُ مَنبَعَها فيما يَليها.

«لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ»: مَشهَدٌ مُتَخَيَّلٌ يَضَعُ المَرءَ مَكانَ غَيرِه

و«لَو» تَفتَحُ مَشهَداً لم يَقَعْ بَعد: أن يَذهَبَ المُخاطَبُ ويَترُكَ وَراءَه ذُرِّيّةً ضِعافاً. والتَّركُ هُنا من الجِذرِ الذي جاءَ في آيةِ الأنصِبة، «مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقرَبون»، فالمَتروكُ هُناكَ مال، والمَتروكُ هُنا ذُرِّيّة، والفِعلُ واحِد. و«مِن خَلفِهِم» من خ-ل-ف، الجِهةُ التي يُخليها الذّاهِبُ وَراءَه فتَبقى خالِيةً مِنه، والذُّرِّيّةُ من ذ-ر-ر، صِغارٌ نُثِروا عَن أصلٍ واحِد، و«ضِعافاً» جَمعُ ضَعيف، من ض-ع-ف، ما انفَتَحَ في تَماسُكِه شَقٌّ فلا يَقوى على القِيامِ بِنَفسِه.

وجَوابُ «لَو» «خافوا عَلَيهِم»، والخَوفُ من خ-و-ف، فَراغٌ يَمتَدُّ في صاحِبِه فيُفَرِّقُ عَزمَه، و«عَلَيهِم» تَجعَلُ هذا الخَوفَ واقِعاً على الذُّرِّيّةِ مُتَعَلِّقاً بِمَصيرِها. فالآيةُ تَستَعمِلُ جِذرَين: خَشيةً تُطلَبُ الآن، وخَوفاً يُتَخَيَّلُ في مَشهَدٍ لم يَقَع، وتَجعَلُ الخَوفَ المُتَخَيَّلَ على الذُّرِّيّةِ ميزاناً لِلخَشيةِ المَطلوبةِ في شَأنِ ذُرِّيّةِ غَيرِهِم، وهُمُ اليَتامى الذينَ يَدورُ عَلَيهِمُ الكَلامُ من أوَّلِ هذه الآيات. وفي الكِتابِ صورةٌ قَريبةٌ لِامرِئٍ كَبِرَ ولَه ذُرِّيّةٌ ضَعيفةٌ يَقومُ أمرُها على ما يَملِك: وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾.

«فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ»: خَشيةٌ تَصيرُ وِقاية

ثُمَّ جاءَتِ الفاءُ بِالنَّتيجة: «فليَتَّقوا اللهَ»، فالخَشيةُ التي نَفَذَت إلى الباطِنِ تُثمِرُ وِقايةً يَتَّخِذُها المَرءُ لِنَفسِه أمامَ الله. والتَّقوى من و-ق-ي، حِجابٌ يُحيطُ بِالنَّفسِ فيَمنَعُ عَنها ما يُؤذيها، والحِجابُ هُنا يَقومُ بَينَ المُخاطَبِ وبَينَ أن يَصنَعَ بِيَتامى غَيرِه ما يَخافُه على ذُرِّيَّتِه، فالوِقايةُ تَحفَظُه وتَحفَظُ الضِّعافَ مَعاً.

«وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا»: قَولٌ يَسُدُّ الثُّغرة

وخُتِمَتِ الآيةُ بِالقَول، كما خُتِمَت آيَتا السُّفَهاءِ والقِسمة، وقد تَغَيَّرَ الوَصف: هُناكَ «قَولاً مَعروفاً»، وهُنا «قَولاً سَديداً». والسَّديدُ من س-د-د، والجِذرُ يَدورُ على إحكامِ الفُرجةِ حتّى تَنسَدّ، ومنه «السِّدادُ» ما تُسَدُّ بِه الثُّلمة، و«سَدَّدَ السَّهمَ» قَوَّمَه حتّى يُصيبَ الغَرَض. فالقَولُ السَّديدُ قَولٌ يُصيبُ مَوضِعَ الحَقِّ ويَسُدُّ الثُّغرةَ التي قد يَنفُذُ مِنها الضَّرَرُ إلى الضِّعاف.

والمَعروفُ في آيَتَيِ السُّفَهاءِ والقِسمةِ قَولٌ يُوَجَّهُ إلى المُحتاجِ نَفسِه فيَعرِفُ خَيرَه، والسَّديدُ في هذه الآيةِ قَولٌ يُقاسُ بِإصابَتِه، ومَوضِعُه مَفتوحٌ في الآية، يَصدُقُ على كُلِّ كَلامٍ يُقالُ في شَأنِ ذُرِّيّةٍ ضَعيفة، فيما تَقَدَّمَ من قِيامٍ على مالٍ وقِسمةٍ وغَيرِهِما. فالآيةُ تَبدَأُ بِخَشيةٍ في الباطِن، وتَمُرُّ بِوِقايةٍ أمامَ الله، وتَنتَهي بِكَلِمةٍ تَخرُجُ مُحكَمةً تُصيبُ وتَسُدّ.


حَصيلة

تَطلُبُ الآيةُ الخَشيةَ من كُلِّ مَن يَصدُقُ عَلَيه أن يَترُكَ وَراءَه ذُرِّيّةً ضِعافاً، والخَشيةُ من خ-ش-ي خَوفٌ يَنفُذُ ويَتَفَشّى في الباطِن، وتَستَمِدُّها من مَشهَدٍ مُتَخَيَّلٍ تَفتَحُه «لَو»: ذُرِّيّةٌ من ذ-ر-ر صِغارٌ نُثِروا عَن أصلِهِم، ضِعافٌ من ض-ع-ف قد انشَقَّ تَماسُكُهُم، تُرِكوا مِن خَلفِ ذاهِبٍ يَخافُ عَلَيهِم. ويَرجِعُ فِعلُ التَّركِ الذي جَرى بِه المالُ في آيةِ الأنصِبةِ فيَقَعُ على الذُّرِّيّةِ نَفسِها، فيَصيرُ خَوفُ المَرءِ على صِغارِه ميزاناً لِخَشيَتِه في صِغارِ غَيرِه. ثُمَّ تَجعَلُ هذه الخَشيةَ وِقايةً أمامَ الله، وتَختِمُ بِقَولٍ سَديد، من س-د-د، يُصيبُ الحَقَّ ويَسُدُّ الثُّغرةَ التي يَنفُذُ مِنها الضَّرَرُ إلى الضِّعاف.