النساء · الآية 119

﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا

«وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ»: فِعلانِ يَقَعانِ على الطَّريقِ والرَّغبة

يَمضي قَولُ الشَّيطانِ الذي بَدَأَ في الآيةِ الثّامِنةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة، والواوُ تَعطِفُ على «لَأَتَّخِذَنَّ» أفعالاً على هَيئَتِه: لامٌ مَفتوحةٌ في الصَّدرِ ونونٌ ثَقيلةٌ في الآخِر. والضَّميرُ «هُم» يَعودُ على «نَصيباً مَفروضاً» بِمَعناه، إذ النَّصيبُ هُنا قَومٌ من العِباد، أو على «عِبادِك» كُلِّهِم، ومِنهُمُ النَّصيبُ الذي أقسَمَ عَلَيه. وأوَّلُ ما يُقسِمُ عَلَيه بَعدَ الأخذِ الإضلال: «لَأُضِلَّنَّهُم»، من ض-ل-ل، خُروجٌ إلى فَضاءٍ يَغيبُ فيه الطَّريق، و«أضَلَّ» على «أفعَلَ» يَجعَلُ هذا التّيهَ شَيئاً يُوقِعُه في غَيرِه. وقد وَصَفَتِ الآيةُ السِّتّونَ إرادَتَه بِالجِذرِ نَفسِه: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وخُتِمَتِ الآيةُ السّادِسةَ عَشرةَ بَعدَ المِئةِ بِمَن يُشرِك: «فقد ضَلَّ ضَلالاً بَعيداً»، فما وُصِفَ هُناكَ إرادةً وحالاً يُسمَعُ هُنا قَسَماً من فَمِ صاحِبِه.

ثُمَّ «ولَأُمَنِّيَنَّهُم»، من م-ن-ي، والتَّمَنّي صورةٌ تَجتَمِعُ في النَّفسِ ثُمَّ تَمتَدُّ إلى ما تَشتَهيه، و«مَنّى» على «فَعَّلَ» يَجعَلُ الشَّيطانَ هو الذي يَبعَثُ هذه الصّورةَ في غَيرِه. وقد نَهَتِ الآيةُ الثّانيةُ والثَّلاثونَ عن تَمَنٍّ يَتَعَلَّقُ بِما في يَدِ الغَير، وهُنا يُقسِمُ الشَّيطانُ أن يَملَأَ العِبادَ بِالأماني، وسَيُرى قَسَمُه جارِياً في الآيةِ العِشرينَ بَعدَ المِئة: «يَعِدُهُم ويُمَنّيهِم». فالفِعلانِ الأوَّلانِ يَقَعانِ على الطَّريقِ الذي يُسلَكُ وعلى الرَّغبةِ التي تَدفَعُ إلى السُّلوك.

«وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ»: أمرٌ يَحلِفُ صاحِبُه على طاعَتِه

ثُمَّ يَنتَقِلُ القَسَمُ إلى الأمر: «ولَآمُرَنَّهُم»، من أ-م-ر، شَأنٌ يُحسَمُ فيَجري إلى تَحَقُّقِه. وجاءَ بَعدَه فِعلٌ لِلمَأمورينَ بِالفاء: «فلَيُبَتِّكُنَّ»، واللّامُ فيه مَفتوحة، فهي لامُ القَسَمِ نَفسُها، ومَعَها النّونُ الثَّقيلة. فالشَّيطانُ يُقسِمُ على فِعلِهِم كما أقسَمَ على أمرِه، والفاءُ تَصِلُ الامتِثالَ بِالأمرِ بِلا مُهلة، فهو يَحلِفُ على طاعَتِهِم قَبلَ أن تَقَع.

والتَّبتيكُ من ب-ت-ك، والجِذرُ قَطعٌ يَفصِلُ قِطعةً من شَيءٍ مُتَّصِل: «بَتَكَه» قَطَعَه، و«البِتكةُ» القِطعةُ المَفصولة، و«سَيفٌ باتِكٌ» قاطِع، وبِناءُ «فَعَّلَ» يُكَثِّرُ القَطعَ على آذانٍ كَثيرة. وهذا الجِذرُ لا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا في هذا المَوضِع. والمَقطوعُ «آذانُ الأنعام»، والأُذُنُ عُضوُ السَّمع، والأنعامُ ما يَقتَنيه النّاسُ من الماشِية.

«وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ»: الأمرُ الثّاني يَتَّسِعُ إلى الخَلق

ثُمَّ يَتَكَرَّرُ التَّركيبُ بِلَفظِه: «ولَآمُرَنَّهُم فلَيُغَيِّرُنَّ»، ويَتَّسِعُ ما يَقَعُ عَلَيه الفِعلُ من آذانِ الأنعامِ إلى «خَلقَ الله». والتَّغييرُ من غ-ي-ر، والجِذرُ يَدورُ على أن يَصيرَ الشَّيءُ غَيرَ ما كانَ عَلَيه: «غَيرُ الشَّيءِ» ما لَيسَ إيّاه، و«غَيَّرَه» جَعَلَه على غَيرِ حالِه. والخَلقُ من خ-ل-ق، تَقديرٌ يَنفُذُ في المادّةِ فيَعقِدُها هَيئة، وهو مَصدَرٌ يُسَمّى بِه المَخلوقُ نَفسُه، كما في هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾، فـ«خَلقَ اللهِ» يَحتَمِلُ الهَيئةَ التي قَدَّرَها اللهُ في الأشياء، ويَحتَمِلُ الأشياءَ المَخلوقةَ نَفسَها.

والأنعامُ نَفسُها من خَلقِ الله، إذ يَقولُ الكِتابُ فيها: وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾، فالأمرُ الأوَّلُ يَقَعُ على بَعضِ الخَلقِ في عُضوٍ مِنه، والثّاني يُسَمّي المَجالَ كُلَّه بِاسمِ خالِقِه. أمّا حَدُّ هذا الخَلقِ وصورةُ تَغييرِه فتَترُكُهُما الآيةُ مَفتوحَين. والذي تُثبِتُه العِبارةُ أنَّ أوامِرَ الشَّيطانِ تَقَعُ على ما يُضافُ إلى الله: عِبادُه في الآيةِ الثّامِنةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة، وخَلقُه في هذه الآية.

«وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ»: الاتِّخاذُ من الجِهةِ الأُخرى

ويَنتَهي قَولُ الشَّيطانِ عِندَ «خَلقَ الله»، ويَبدَأُ بَعدَه حُكمٌ عامٌّ بِـ«مَن»: «ومَن يَتَّخِذِ الشَّيطانَ وَلِيّاً من دونِ الله». والفِعلُ هو الفِعلُ الذي أقسَمَ عَلَيه الشَّيطان: هُناكَ «لَأَتَّخِذَنَّ من عِبادِكَ نَصيباً»، وهُنا «يَتَّخِذِ الشَّيطانَ وَلِيّاً»، فالاتِّخاذُ يَجري من الطَّرَفَين: هو يُقسِمُ أن يَأخُذَ لِنَفسِه من العِباد، والآيةُ تَحكُمُ على مَن يَأخُذُه هو لِنَفسِه. والوَليُّ من و-ل-ي، القَريبُ الذي يَلي أمرَ غَيرِه لا فاصِلَ بَينَهُما، وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ الخامِسةَ عَشرةَ بَعدَ المِئةِ مَرَّتَين: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾، وجاءَ في الآيةِ السّادِسةِ والسَّبعينَ جَمعاً مُضافاً إلى الشَّيطان: «أولِياءَ الشَّيطان». و«من دونِ الله» تُعيدُ ما جاءَ في صَدرِ الآيةِ السّابِعةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة: «من دونِه».

«فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا»: نَقصٌ يَبلُغُ الأصل

وجَوابُ الشَّرطِ ماضٍ مَقرونٌ بِـ«قد»: «فقد خَسِر»، فالخُسرانُ ثابِتٌ في لَحظةِ الاتِّخاذِ نَفسِها. والخُسرانُ من خ-س-ر، نَقصٌ يَسري في الشَّيءِ حتّى يَبلُغَ أصلَه، ومنه «خَسِرَ التّاجِرُ» إذا ذَهَبَ من رَأسِ مالِه، و«أخسَرَ الميزانَ» نَقَصَه، كما في وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾. وأُتبِعَ الفِعلُ بِمَصدَرِه «خُسراناً» تَوكيداً، ثُمَّ نُعِتَ المَصدَرُ بِـ«مُبيناً»، اسمِ فاعِلٍ من «أبانَ»، فهو نَقصٌ يُظهِرُ نَفسَه. و«خُسراناً مُبيناً» بِهذا اللَّفظِ لا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا هُنا، ويَرِدُ مُعَرَّفاً «الخُسرانُ المُبين» في مَوضِعَين آخَرَين.

وعلى هذا القالَبِ خُتِمَتِ الآيةُ السّادِسةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة: «ومَن يُشرِكْ بِاللهِ فقد ضَلَّ ضَلالاً بَعيداً»، «مَن» ثُمَّ «فقد» ثُمَّ فِعلٌ ومَصدَرُه ونَعتُه. فالحُكمانِ مَصوغانِ على هَيئةٍ واحِدة: ضَلالٌ بَعيدٌ لِمَن يُشرِك، وخُسرانٌ مُبينٌ لِمَن يَتَّخِذُ الشَّيطانَ وَلِيّاً، الأوَّلُ تيهٌ عن الطَّريق، والثّاني نَقصٌ في الأصل.


حَصيلة

يَمضي قَسَمُ الشَّيطانِ بِسِتّةِ أفعالٍ مُؤَكَّدة: يُضِلُّهُم، من ض-ل-ل، تيهاً يَغيبُ فيه الطَّريق، وقد وَصَفَتِ السّورةُ إرادَتَه هذه من قَبل، ويَملَؤُهُم بِالأماني، من م-ن-ي، صُوَراً تَمتَدُّ إلَيها الرَّغبة، ثُمَّ يَأمُرُهُم، من أ-م-ر، مَرَّتَين، ويَحلِفُ على طاعَتِهِم بِلامِ القَسَمِ نَفسِها: يُبَتِّكونَ، من ب-ت-ك، آذانَ الأنعامِ قَطعاً يَفصِلُ مِنها، ويُغَيِّرونَ، من غ-ي-ر، خَلقَ الله، والأنعامُ نَفسُها من خَلقِه، وحَدُّ هذا الخَلقِ وصورةُ تَغييرِه مَفتوحانِ في العِبارة. ثُمَّ يَنقَلِبُ الاتِّخاذُ الذي أقسَمَ عَلَيه، فيُحكَمُ على مَن يَتَّخِذُه وَلِيّاً، من و-ل-ي، من دونِ اللهِ بِخُسرانٍ، من خ-س-ر، يَبلُغُ الأصلَ ويُظهِرُ نَفسَه، على قالَبِ الحُكمِ الذي خُتِمَت بِه الآيةُ السّادِسةَ عَشرةَ بَعدَ المِئة.