النساء · الآية 140

﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا

«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ»: تَذكيرٌ بِما نَزَلَ من قَبلُ

تَفتَتِحُ الآيةُ بِالواوِ و«قد» والماضي: «وقد نَزَّلَ عَلَيكُم في الكِتاب»، فالكَلامُ يُذَكِّرُ بِأمرٍ سَبَقَ نُزولُه. والفِعلُ «نَزَّلَ» هو الفِعلُ الذي جاءَ في الآيةِ السّادِسةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ لِلكِتابِ النّازِلِ على الرَّسول، وهو هُنا مَوصولٌ بِـ«عَلَيكُم»، فالنّازِلُ يَقَعُ على جَماعةٍ مُخاطَبة، و«في الكِتابِ» تَجعَلُ ما نَزَلَ جُزءاً قائماً فيه. ثُمَّ تَأتي «أنْ» مُخَفَّفةً من «أنَّ»، واسمُها ضَميرُ الشَّأنِ مَحذوفاً، وما بَعدَها مَضمونُ ما نَزَل: «أنْ إذا سَمِعتُم آياتِ اللهِ...»، فالآيةُ تَنقُلُ حُكماً سَبَقَ في الكِتابِ وتُعيدُه على المُخاطَبين.

وفي الكِتابِ مَوضِعٌ يَجمَعُ الحَدَّ نَفسَه والنَّهيَ نَفسَه، هو الآيةُ الثّامِنةُ والسِّتّونَ من سورةِ الأنعام: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، ثُمَّ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. والعِبارةُ «حتّى يَخوضوا في حَديثٍ غَيرِه» لا تَرِدُ في الكِتابِ إلّا في هاتَينِ الآيَتَين، والنَّهيُ عن القُعودِ «مَعَ» القَومِ فيهِما جَميعاً. والخِطابُ هُناكَ لِمُفرَدٍ بِـ«رَأيتَ» و«فأعرِضْ» و«فلا تَقعُدْ»، وهو هُنا لِجَماعةٍ بِـ«سَمِعتُم» و«فلا تَقعُدوا»، وما يُفعَلُ بِالآياتِ هُناكَ خَوضٌ فيها، وهو هُنا كُفرٌ بِها واستِهزاء.

«إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا»: سَماعٌ يَقَعُ على فِعلٍ غابَ فاعِلُه

و«إذا» مَعَ الماضي «سَمِعتُم» تُعَيِّنُ وَقتاً يَقَعُ فيه السَّماعُ مَتى وَقَع. والسَّمعُ من س-م-ع، مَنفَذٌ ضَيِّقٌ يَدخُلُ مِنه الصَّوتُ فيَحتَويه الباطِنُ ويُمسِكُه، فالسّامِعُ يَأخُذُ ما يَسمَعُ إلى داخِلِه. والمَسموعُ «آياتُ الله»، ثُمَّ يَأتي بَعدَها ما يَصِفُ حالَها ساعةَ تُسمَع: «يُكفَرُ بِها ويُستَهزَأُ بِها»، فالذي يَبلُغُ الأُذُنَ الآياتُ مَعَ ما يُصنَعُ بِها.

والفِعلانِ مَبنِيّانِ لِلمَجهول، وتَتَكَرَّرُ مَعَهُما «بِها»، فتَبقى الآياتُ في الجُملةِ مَوضِعَ الفِعلِ مَرَّتَين، ويَبقى الفاعِلُ خارِجَ اللَّفظ. والكُفرُ بِالآياتِ غِطاءٌ يُلقى عَلَيها، والاستِهزاءُ من ه-ز-أ، خِفّةٌ فارِغةٌ تَهتَزُّ ثُمَّ تَنطَلِقُ دَفعةً، فالمُستَهزِئُ يَأخُذُ ما لَه ثِقلٌ فيُحَرِّكُه كأنَّه خَفيفٌ لا وَزنَ لَه. وبِناءُ المُضارِعِ «يُستَهزَأُ» لِلمَجهولِ تَنفَرِدُ بِه هذه الآيةُ في الكِتاب، والماضي «اسْتُهْزِئَ» مَبنيّاً لِلمَجهولِ في ثَلاثِ آياتٍ أُخرى، وقد جَمَعَ الكِتابُ في مَوضِعٍ آخَرَ بَينَ الخَوضِ والاستِهزاءِ بِالآيات: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، ثُمَّ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. ثُمَّ يَظهَرُ الفاعِلونَ في النَّهيِ ضَميراً: «مَعَهُم»، فالآيةُ تَذكُرُهُم أوَّلاً بِفِعلِهِم وَحدَه، ثُمَّ تُشيرُ إلَيهِم حينَ تَنهى عن مُجالَسَتِهِم.

«فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ»: نَهيٌ يَنتَهي بِتَحَوُّلِ الحَديث

والفاءُ تَربِطُ النَّهيَ بِما قَبلَه، و«لا تَقعُدوا» من ق-ع-د، جِسمٌ يَنعَقِدُ على مَوضِعِه ويَلزَمُه، وقد جَعَلَ الجِذرُ في الآيةِ الخامِسةِ والتِّسعينَ «القاعِدينَ» في مُقابِلِ «المُجاهِدين»، وهو هُنا لُزومُ مَجلِسٍ مَعَ قَومٍ في حَديثِهِم. و«مَعَهُم» تَجعَلُ القُعودَ مُصاحَبة، فالنَّهيُ واقِعٌ على المُجالَسةِ في هذه الحال. و«حتّى» تَضَعُ لِلنَّهيِ نِهايةً: أن يَخوضوا في حَديثٍ غَيرِه. والخَوضُ من خ-و-ض، دُخولُ الماءِ والمَشيُ فيه، يُقالُ «خاضَ الماءَ»، و«المَخاضةُ» مَوضِعُ العُبورِ من النَّهر، ثُمَّ استُعمِلَ في الكَلامِ فيُقالُ «خاضوا في الحَديثِ» إذا دَخَلوا فيه واتَّسَعوا. والجِذرُ في الكِتابِ في تِسعِ آيات، ثَمانٍ مِنها في خَوضٍ مَذموم، ويَقتَرِنُ في خَمسٍ مِنها بِاللَّعِب، وهو في هذه الآيةِ الخَوضُ في حَديثٍ غَيرِه الذي يَنتَهي بِه النَّهي.

والضَّميرُ في «غَيرِه» مُفرَدٌ مُذَكَّر، و«الآياتُ» جَمعٌ مُؤَنَّث، فالضَّميرُ يَعودُ إلى الحَديثِ الذي دَلَّ عَلَيه «يُكفَرُ بِها ويُستَهزَأُ بِها»: حَديثٌ غَيرُ حَديثِ الكُفرِ والاستِهزاء. فالنَّهيُ مَعقودٌ بِالحَديث، يَبدَأُ بِسَماعِه ويَنتَهي بِتَحَوُّلِه، فإذا تَحَوَّلَ الحَديثُ انتَهى ما تَنهى عَنه الآية.

«إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ»: قُعودٌ يَصنَعُ الشَّبَه

ثُمَّ يَأتي الحُكم: «إنَّكُم إذاً مِثلُهُم»، و«إذاً» حَرفُ جَوابٍ وجَزاء، يَربِطُ ما بَعدَه بِحالٍ مَفروضةٍ قَبلَه: إن قَعَدتُم مَعَهُم وهُم في حَديثِهِم فأنتُم في تِلكَ الحالِ مِثلُهُم. والمِثلُ من م-ث-ل، ما يَتَجَمَّعُ على هَيئةٍ فيَقومُ حِذاءَ غَيرِه ويُطابِقُه، ومنه «مَثَلَ بَينَ يَدَيه» قامَ مُنتَصِباً. وجاءَ «مِثلُهُم» مُفرَداً خَبَراً عن جَمع، وهو اسمٌ يَقَعُ على الواحِدِ وغَيرِه بِلَفظٍ واحِد، كما في أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾. والآيةُ تُثبِتُ المُماثَلةَ وتَترُكُ وَجهَها مَفتوحاً، في الحِملِ أو في الحُكمِ أو في المَصير، ثُمَّ تَذكُرُ بَعدَها جَمعاً في جَهَنَّم.

«إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا»: جَمعٌ يَضُمُّ الفَريقَين

وتُختَمُ الآيةُ بِجَمع: «إنَّ اللهَ جامِعُ المُنافِقينَ والكافِرينَ في جَهَنَّمَ جَميعاً». والجَمعُ من ج-م-ع، يُؤَلِّفُ ما تَفَرَّقَ حتّى يَصيرَ كُتلةً واحِدة، و«جامِع» اسمُ فاعِلٍ مُضافٌ إلى مَفعولِه، يُثبِتُ الجَمعَ صِفةً لِلهِ قَبلَ وُقوعِه، ولم يُوصَفِ اللهُ بِـ«جامِع» في الكِتابِ إلّا هُنا وفي دُعاءٍ في سورةِ آلِ عِمران: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ﴾. ويَأتي المُنافِقونَ في الجَمعِ قَبلَ الكافِرين، والآيةُ التي قَبلَها وَصَفَتِ المُنافِقينَ بِأنَّهُم يَتَّخِذونَ الكافِرينَ أولياء، فالفَريقانِ اللَّذانِ تَقارَبا هُناكَ يُضَمّانِ هُنا في مَوضِعٍ واحِد. و«جَميعاً» تَختِمُ الآيةَ كما خَتَمَتِ الآيةَ قَبلَها: هُناكَ العِزّةُ لِلهِ جَميعاً، وهُنا الفَريقانِ في جَهَنَّمَ جَميعاً.


حَصيلة

تُذَكِّرُ الآيةُ المُخاطَبينَ بِحُكمٍ نَزَلَ عَلَيهِم في الكِتابِ من قَبلُ، يُشارِكُها في حَدِّه ونَهيِه مَوضِعٌ واحِدٌ في سورةِ الأنعام: إذا سَمِعوا، من س-م-ع، آياتِ اللهِ يُكفَرُ بِها ويُستَهزَأُ بِها، من ه-ز-أ، بِفِعلَينِ غابَ عَنهُما فاعِلُهُما، فلا يَقعُدوا، من ق-ع-د، مَعَ أهلِ هذا الحَديث، حتّى يَخوضوا، من خ-و-ض، في حَديثٍ غَيرِه، فالنَّهيُ مَعقودٌ بِالحَديثِ يَبدَأُ بِه ويَنتَهي بِتَحَوُّلِه. ثُمَّ تَجعَلُ القاعِدَ مَعَهُم مِثلَهُم، من م-ث-ل، وتَترُكُ وَجهَ المُماثَلةِ مَفتوحاً، وتَختِمُ بِجَمعٍ، من ج-م-ع، يَضُمُّ المُنافِقينَ والكافِرينَ في جَهَنَّم، فالفَريقانِ اللَّذانِ تَقارَبا بِالوِلايةِ في الآيةِ السّابِقةِ يَلتَحِمانِ هُنا جَميعاً.