النساء · الآية 151

﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا

«أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»: اسمٌ يُثَبَّتُ بَعدَ وَصفٍ طَويل

تَأتي الآيةُ بِما انتَظَرَتْه الآيةُ قَبلَها: هُناكَ وَصفٌ طَويلٌ لِفَريقٍ بِأربَعةِ أفعال، وهُنا حُكمٌ عَلَيه في كَلِماتٍ قَليلة: «أولئكَ هُمُ الكافِرونَ حَقّاً». و«أولئكَ» إشارةٌ تَجمَعُ الأوصافَ الأربَعةَ في لَفظٍ واحِد، فالحُكمُ يَقَعُ على الفَريقِ بِكُلِّ ما وُصِفَ بِه: ما أرادوه وما قالوه. و«هُم» ضَميرُ فَصلٍ بَينَ «أولئك» و«الكافِرون»، يَقصُرُ الاسمَ عَلَيهِم ويُؤَكِّدُه، و«الكافِرونَ» مُعَرَّفٌ بِاللّام، فهُم أهلُ هذا الاسمِ على تَمامِه.

والكُفرُ من ك-ف-ر، إطباقٌ على مَنفَذٍ كانَ يَنفَتِح، يَكتُمُ ما وَراءَه ويَستَمِرّ. وقد وَصَفَتِ الآيةُ قَبلَها هؤلاءِ بِأنَّهُم يَقولون «نُؤمِنُ بِبَعض»، ثُمَّ جاءَ الاسمُ هُنا تامّاً لا يُقاسِمُه شَيءٌ من الثِّقةِ التي أعلَنوها. فالثِّقةُ بِبَعضٍ مَعَ الغِطاءِ على بَعضٍ لا تَنقُلُهُم إلى مَنزِلةٍ بَينَ الاسمَين، والآيةُ تَضَعُهُم في اسمِ أهلِ الغِطاء.

«حَقًّا»: اسمٌ ثابِتٌ في مَقَرِّه لا يَتَزَحزَح

ثُمَّ «حَقّاً»، والحَقُّ من ح-ق-ق، انعِقادٌ في العُمقِ يَشتَدُّ حتّى يَستَقِرَّ الشَّيءُ في مَقَرِّه فلا يَتَحَرَّك، وهو هُنا مَصدَرٌ مَنصوبٌ يُؤَكِّدُ مَضمونَ ما قَبلَه، والتَّقدير: ثَبَتَ ذلك ثُبوتاً. ويَحتَمِلُ اللَّفظُ أن يَكونَ «حَقّاً» صِفةً لِكُفرٍ مَحذوف: كُفراً حَقّاً، والمَعنى فيهِما قَريب. فالآيةُ تُثبِتُ الاسمَ في أصحابِه تَثبيتاً لا يُزَحزِحُه ما قالوه، والكَلِمةُ التي خُتِمَ بِها الحُكمُ من جِذرٍ يَعني الثُّبوتَ في المَقَرّ، فهُم ثابِتونَ في الغِطاءِ الذي أرادوا أن يَجِدوا بِجانِبِه طَريقاً.

ولِهذا البِناءِ نَظيرٌ في الكِتاب، بِالكَلِماتِ نَفسِها في الطَّرَفِ المُقابِل: أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ في آيَتَينِ من سورةِ الأنفال، الرّابِعةِ والرّابِعةِ والسَّبعين، ولا يَرِدُ «الكافِرونَ حَقّاً» في الكِتابِ إلّا هُنا. فالبِناءُ الذي يُثَبِّتُ الثِّقةَ في أهلِها هُناكَ يُثَبِّتُ الغِطاءَ في أهلِه هُنا، والذينَ أرادوا مَوضِعاً بَينَ الثِّقةِ والغِطاءِ وُضِعوا في طَرَفٍ بِلَفظٍ لا يَتَّسِعُ لِغَيرِه.

«وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا»: عَذابٌ مُهَيَّأٌ من قَبل

ثُمَّ «وأعتَدنا لِلكافِرينَ عَذاباً مُهيناً»، والمُتَكَلِّمُ هُنا بِضَميرِ الجَمع: «أعتَدنا»، بَعدَ أن كانَ اسمُ اللهِ يُذكَرُ في الآياتِ قَبلَها بِالغَيبة. والإعتادُ من ع-ت-د، شَيءٌ يُقبَضُ عَلَيه ويُتَمَّمُ ثُمَّ يُحبَسُ حاضِراً لِوَقتِه، والفِعلُ ماضٍ، فالعَذابُ مُهَيَّأٌ قَبلَ أن يَبلُغَه أصحابُه. و«لِلكافِرينَ» اسمٌ عامٌّ يَأتي بَعدَ «الكافِرون» المَقصورِ على «أولئك»، فالعَذابُ مُعَدٌّ لِكُلِّ مَن وَقَعَ عَلَيه الاسم، و«أولئك» مِنهُم على أتَمِّ وُجوهِه.

والعَذابُ من ع-ذ-ب، ألَمٌ حادٌّ يَنفُذُ من قَبضةٍ مُلتَحِمةٍ ويُحبَسُ على مَن تَأخُذُه، ووُصِفَ بِـ«مُهيناً» من ه-و-ن، خِفّةٌ في القَدرِ تَسكُنُ الباطِنَ ثُمَّ تَظهَرُ على الظّاهِر، و«مُهين» على «مُفعِل»، عَذابٌ يُظهِرُ هذه الخِفّةَ على مَن يَقَعُ عَلَيه. وقد جاءَت العِبارةُ بِلَفظِها كامِلاً في السّورةِ مَرّةً أُخرى، في الآيةِ السّابِعةِ والثَّلاثين: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾، ولا تَرِدُ بِهذا اللَّفظِ في غَيرِ هاتَين. ويَقَعُ الهَوانُ في هذه الآيةِ بَعدَ إرادةِ سَبيلٍ يَتَّخِذُه أصحابُه لِأنفُسِهِم، فالسَّبيلُ الذي أرادوا أن يَتَّخِذوه لِأنفُسِهِم يُقابِلُه عَذابٌ أُعِدَّ لَهُم من قَبل.


حَصيلة

تَحكُمُ الآيةُ على الفَريقِ الذي وُصِفَ في الآيةِ قَبلَها بِأربَعةِ أفعال: «أولئكَ هُمُ الكافِرونَ حَقّاً»، فتَجمَعُ أوصافَهُم في إشارةٍ واحِدة، وتَقصُرُ عَلَيهِمُ الاسمَ بِضَميرِ الفَصل، وتُعَرِّفُه، ثُمَّ تُثَبِّتُه بِـ«حَقّاً» من ح-ق-ق، ثُبوتاً في المَقَرِّ لا تُزَحزِحُه الثِّقةُ التي أعلَنوها بِبَعض. ونَظيرُ البِناءِ في سورةِ الأنفالِ لِلمُؤمِنين، فهو يُثَبِّتُ كُلَّ طَرَفٍ في أهلِه. ثُمَّ تَذكُرُ عَذاباً أعَدَّه اللهُ، من ع-ت-د، لِلكافِرينَ عامّةً قَبلَ أن يَبلُغوه، عَذاباً من ع-ذ-ب يُحبَسُ على صاحِبِه، مُهيناً من ه-و-ن يُظهِرُ خِفّةَ قَدرِه، وهي العِبارةُ التي خُتِمَت بِها الآيةُ السّابِعةُ والثَّلاثونَ من السّورة.