النساء · الآية 150

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

«إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ»: وَصفٌ يَمتَدُّ آيةً كامِلةً قَبلَ حُكمِه

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«إنَّ الَّذينَ»، ثُمَّ تَصِفُ هؤلاءِ بِأربَعةِ أفعالٍ مَعطوفةٍ بِالواو: «يَكفُرونَ بِاللهِ ورُسُلِه»، و«يُريدونَ أن يُفَرِّقوا بَينَ اللهِ ورُسُلِه»، و«يَقولونَ نُؤمِنُ بِبَعضٍ ونَكفُرُ بِبَعض»، و«يُريدونَ أن يَتَّخِذوا بَينَ ذلك سَبيلاً». وتَنتَهي الآيةُ والكَلامُ لم يَتِمّ، فالحُكمُ على هؤلاءِ يَأتي في الآيةِ التي تَليها: أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾. فالآيةُ كُلُّها وَصفٌ مُمتَدٌّ يُري السّامِعَ الفَريقَ بِأفعالِه قَبلَ أن يَسمَعَ اسمَه، والأفعالُ الأربَعةُ مُضارِعة، فالوَصفُ يَرسُمُ حالاً قائمةً تَتَجَدَّد.

وأوَّلُ الأفعالِ «يَكفُرونَ بِاللهِ ورُسُلِه»، والكُفرُ من ك-ف-ر، سِترٌ يُحبَسُ بِه مَنفَذٌ كانَ يَنفَتِح، ويَبقى مُمتَدّاً على ما تَحتَه. والآيةُ تَبدَأُ بِوَصفِ مَجموعِ ما يَصنَعونَه قَبلَ تَفصيلِه: هُم يُغَطّونَ اللهَ ورُسُلَه مَعاً، ثُمَّ تَنقُلُ عَنهُم أنَّهُم يَقولونَ «نُؤمِنُ بِبَعض». فالآيةُ تَعُدُّ ما يَصنَعونَه كُفراً بِاللهِ ورُسُلِه جَميعاً، وإن أعلَنوا ثِقةً بِبَعضِه. وجاءَ «رُسُلِه» جَمعاً، وقد جَمَعَتِ الآيةُ السّادِسةُ والثَّلاثونَ بَعدَ المِئةِ بَينَ اللهِ ومَلائكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ في شَرطِ الكُفر، وتَأخُذُ هُنا من تِلكَ القائمةِ أوَّلَها ورابِعَها: اللهَ ورُسُلَه.

«وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ»: فَصلٌ في ما يَصِلُه الجِذر

ثُمَّ «ويُريدونَ أن يُفَرِّقوا بَينَ اللهِ ورُسُلِه». والإرادةُ من ر-و-د، سَعيٌ يَمتَدُّ مُندَفِعاً نَحوَ ما يَقصِدُه، فالتَّفريقُ غايةٌ يَسعَونَ إلَيها، والآيةُ تَذكُرُه إرادةً وتَترُكُ بُلوغَه مَفتوحاً. والتَّفريقُ من ف-ر-ق، فَصلٌ يَجري في ما كانَ مُلتَئِماً حتّى يَبينَ كُلُّ طَرَفٍ عن صاحِبِه. والرُّسُلُ من ر-س-ل، انبِعاثٌ مُتَّصِلٌ يَخرُجُ من جِهةٍ ويَنتَهي إلى جِهةٍ أُخرى فيَعلَقُ بِها، فالرَّسولُ بِجِذرِه طَرَفٌ في خَطٍّ مَوصولٍ يَبدَأُ عِندَ مَن أرسَلَه. والذي يُريدُ أن يُفَرِّقَ بَينَ اللهِ ورُسُلِه يُريدُ أن يَقطَعَ هذا الخَطَّ في وَسَطِه: أن يَأخُذَ المُرسِلَ ويَترُكَ مَن جاءَ من عِندِه، أو أن يَأخُذَ بَعضَ الرُّسُلِ ويَترُكَ بَعضاً، والجِذرُ نَفسُه يَجعَلُ ما يُريدونَ قَطعَه مَوصولاً.

و«بَينَ» من ب-ي-ن، وحُروفُه تَرسُمُ فَتحاً يُبرِزُ ما في الدّاخِلِ حتّى يَستَقِلَّ عمّا يُجاوِرُه، فـ«بَينَ» هي الفُرجةُ التي يَفتَرِقُ عِندَها شَيئان. وتَتَكَرَّرُ «بَينَ» في هذه الآيةِ والآيةِ الثّانيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ ثَلاثَ مَرّات: «بَينَ اللهِ ورُسُلِه»، و«بَينَ ذلك»، و«بَينَ أحَدٍ مِنهُم». فهي في الأُولى مَوضِعُ القَطعِ الذي يُريدون، وفي الثّانيةِ مَوضِعُ الطَّريقِ الذي يَطلُبون، وفي الثّالِثةِ فُرجةٌ لم يَفتَحْها الذينَ آمَنوا.

«وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ»: أجزاءُ كُلٍّ واحِدٍ بَينَ الثِّقةِ والغِطاء

ثُمَّ يُنقَلُ قَولُهُم: «نُؤمِنُ بِبَعضٍ ونَكفُرُ بِبَعض». والبَعضُ من ب-ع-ض، جُزءٌ يَبرُزُ من كُلٍّ ويَبقى مَضموماً إلَيه، فالكَلِمةُ نَفسُها تَفتَرِضُ كُلّاً واحِداً تَخرُجُ مِنه الأجزاء، وهُم يَقسِمونَ ذلك الكُلَّ بَينَ الثِّقةِ والغِطاء. وجاءَ «بَعضٍ» في المَرَّتَينِ مُنَوَّناً مَقطوعاً عمّا يُضافُ إلَيه، والتَّنوينُ عِوَضٌ مِنه، والسِّياقُ يَدُلُّ على المَقطوع: بَعضِ الرُّسُل، أو بَعضِ ما ذُكِرَ من اللهِ ورُسُلِه، والآيةُ تُبقي اللَّفظَ مُتَّسِعاً لِلوَجهَين.

والفِعلانِ «نُؤمِنُ» و«نَكفُرُ» مُتَجاوِرانِ في قَولٍ واحِد، بِضَميرِ المُتَكَلِّمينَ نَفسِه وبِالباءِ نَفسِها، فالثِّقةُ والغِطاءُ يَصدُرانِ من لِسانٍ واحِدٍ في نَفَسٍ واحِد. وفي الكِتابِ سُؤالٌ بِالفِعلَينِ نَفسَيهِما في سورةِ البَقَرة: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، والمَقسومُ هُناكَ الكِتاب، وهُنا اللهُ ورُسُلُه، وفي المَوضِعَينِ تَقَعُ القِسمةُ على ما جاءَ من مَصدَرٍ واحِد.

«وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا»: طَريقٌ يُطلَبُ في الفُرجةِ بَينَ الثِّقةِ والغِطاء

ثُمَّ الصِّفةُ الرّابِعة: «ويُريدونَ أن يَتَّخِذوا بَينَ ذلك سَبيلاً». و«ذلك» تُشيرُ إلى ما سَبَقَ من الثِّقةِ والغِطاء، واسمُ الإشارةِ المُفرَدُ يَقَعُ على اثنَين، كما في عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾. و«يَتَّخِذوا» من أ-خ-ذ على «افتَعَل»، أخذٌ يَصنَعُه الآخِذُ لِنَفسِه، والسَّبيلُ من س-ب-ل، طَريقٌ يَمتَدُّ مَفتوحاً يَنسابُ فيه السّائرُ إلى غايَتِه. فهُم يُريدونَ مَسلَكاً يَصنَعونَه لِأنفُسِهِم في الفُرجةِ بَينَ الثِّقةِ والغِطاء. وقد وَصَفَتِ الآيةُ الثّالِثةُ والأربَعونَ بَعدَ المِئةِ المُنافِقينَ بِـ«بَينَ ذلك» نَفسِها: مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾، فالمَوضِعُ الذي بَينَ الطَّرَفَينِ مَوضِعُ تَأرجُحٍ هُناك، وهو هُنا مَوضِعُ طَريقٍ يُرادُ اتِّخاذُه.

و«بَينَ ذلك سَبيلاً» بِلَفظِها في مَوضِعَينِ من الكِتاب: هذه الآية، وآيةٌ في سورةِ الإسراء: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾، والسَّبيلُ «بَينَ ذلك» هُناكَ مَأمورٌ بِه، وطَرَفاه الجَهرُ والمُخافَتة، وكِلاهُما من هَيئةِ الصَّوت. أمّا هُنا فطَرَفا السَّبيلِ الثِّقةُ والغِطاء، والآيةُ التّالِيةُ تُسَمّي أصحابَه «الكافِرونَ حَقّاً»، فالطَّريقُ الذي يُطلَبُ بَينَهُما يُعَدُّ في أحَدِ طَرَفَيه. وقد خُتِمَت هذه الآيةُ بِـ«سَبيلاً» كما خُتِمَت بِه ثَلاثُ آياتٍ قَبلَها في هذا المَقطَع: السّابِعةُ والثَّلاثونَ بَعدَ المِئة، والحادِيةُ والأربَعونَ بَعدَ المِئة، والثّالِثةُ والأربَعونَ بَعدَ المِئة، والسَّبيلُ في الثَّلاثِ مَنفيٌّ، وهو هُنا مَطلوب.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ فَريقاً بِأربَعةِ أفعالٍ ولا يَتِمُّ الكَلامُ عَلَيه حتّى الآيةِ التّالِية: يَكفُرونَ، من ك-ف-ر، بِاللهِ ورُسُلِه فيُلقونَ الغِطاءَ عَلَيهِم جَميعاً، ويُريدونَ، من ر-و-د، أن يُفَرِّقوا، من ف-ر-ق، بَينَ اللهِ ورُسُلِه، والرُّسُلُ من ر-س-ل خَطٌّ مَوصولٌ من المُرسِل، فالتَّفريقُ قَطعٌ في ما يَصِلُه الجِذر، ويَقولونَ نُؤمِنُ بِبَعضٍ ونَكفُرُ بِبَعض، والبَعضُ من ب-ع-ض جُزءٌ يَبقى مَضموماً إلى كُلِّه، ويُريدونَ أن يَتَّخِذوا بَينَ ذلك سَبيلاً، من س-ب-ل، مَسلَكاً في الفُرجةِ بَينَ الثِّقةِ والغِطاء. والعِبارةُ «بَينَ ذلك سَبيلاً» مَأمورٌ بِها في سورةِ الإسراءِ حينَ كانَ طَرَفاها هَيئَتَينِ لِلصَّوت، وهي هُنا مَذمومةٌ حينَ صارَ طَرَفاها الثِّقةَ والغِطاء.