النساء · الآية 152

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا

«وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ»: ثِقةٌ تَقَعُ على ما وَقَعَ عَلَيه الغِطاء

تَضَعُ الآيةُ حِذاءَ الفَريقِ الذي وُصِفَ في الآيَتَينِ الخَمسينَ والحادِيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ فَريقاً آخَر، وتَبني وَصفَه على ألفاظِ ذلك الوَصفِ نَفسِها: هُناكَ «يَكفُرونَ بِاللهِ ورُسُلِه»، وهُنا «آمَنوا بِاللهِ ورُسُلِه»، وهُناكَ «يُريدونَ أن يُفَرِّقوا بَينَ اللهِ ورُسُلِه»، وهُنا «ولم يُفَرِّقوا بَينَ أحَدٍ مِنهُم»، وهُناكَ «أولئكَ هُمُ الكافِرونَ حَقّاً»، وهُنا «أولئكَ سَوفَ يُؤتيهِم أُجورَهُم». والإيمانُ من أ-م-ن، سُكونٌ يَستَقِرُّ في الصَّدرِ فيَأمَنُ بِه ما حَولَه، وقد وَقَعَ هُنا على ما وَقَعَ عَلَيه الغِطاءُ هُناك: اللهِ ورُسُلِه مَعاً، بِباءٍ واحِدةٍ تَجمَعُهُم.

«وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ»: فُرجةٌ لم تُفتَح

ثُمَّ «ولم يُفَرِّقوا بَينَ أحَدٍ مِنهُم»، و«لم» مَعَ المُضارِعِ تَنفي الفِعلَ في ما مَضى، فتَركُ التَّفريقِ أمرٌ قد استَقَرّ، بَعدَ أن كانَ التَّفريقُ في الآيةِ الخَمسينَ بَعدَ المِئةِ إرادةً تَسعى في فِعلٍ مُضارِع. والتَّفريقُ هُناكَ «بَينَ اللهِ ورُسُلِه»، وهو هُنا «بَينَ أحَدٍ مِنهُم»، والأظهَرُ في «مِنهُم» أن يَعودَ إلى الرُّسُل، فهؤلاءِ لم يَفصِلوا رَسولاً عن رَسول، ولم يَفصِلوا الرُّسُلَ عن مُرسِلِهِم، إذ جَمَعَتهُم في ثِقَتِهِمُ الباءُ الواحِدةُ في «بِاللهِ ورُسُلِه».

و«بَينَ» تَقتَضي اثنَينِ فأكثَر، وقد دَخَلَت هُنا على «أحَد»، لِأنَّ «أحَداً» في سِياقِ النَّفيِ يَعُمُّ كُلَّ واحِدٍ على انفِرادِه، فهو في مَعنى الآحادِ جَميعاً: لم يُفَرِّقوا بَينَ واحِدٍ وآخَرَ مِنهُم أيّاً كانا. والأحَدُ من أ-ح-د، شَيءٌ يُقطَعُ عمّا حَولَه ويَثبُتُ في حَيِّزِه مُنفَرِداً، فاللَّفظُ يَأخُذُ كُلَّ رَسولٍ في انفِرادِه، ثُمَّ يَنفي أن يُفصَلَ عن غَيرِه.

وهذه العِبارةُ في الكِتابِ في أربَعِ آيات: ثَلاثٌ قَولٌ يَقولُه أهلُ الثِّقةِ بِضَميرِ المُتَكَلِّمين، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ في سورةِ البَقَرةِ في آيَتِها السّادِسةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة، وفي الآيةِ الرّابِعةِ والثَّمانينَ من سورةِ آلِ عِمران، و«مِن رُسُلِه» مَكانَ «مِنهُم» في الآيةِ الخامِسةِ والثَّمانينَ بَعدَ المِئتَينِ من سورةِ البَقَرة، وواحِدةٌ وَصفٌ بِضَميرِ الغائبين، وهي هذه. فالعِبارةُ التي تَأتي هُناكَ قَولاً على ألسِنةِ أهلِ الثِّقةِ تَأتي هُنا وَصفاً لِما فَعَلوه. وتَجمَعُ آيةُ البَقَرةِ الخامِسةُ والثَّمانونَ بَعدَ المِئتَينِ الثِّقةَ بِالرُّسُلِ وهذا القَولَ في نَسَقٍ واحِد: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾، وفيها «مِن رُسُلِه» صَريحاً، وهو ما يُرَجِّحُ أن يَعودَ «مِنهُم» هُنا إلى الرُّسُل.

«أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ»: أُجورٌ تُسَمّى بِأصحابِها

ثُمَّ الحُكمُ عَلَيهِم: «أولئكَ سَوفَ يُؤتيهِم أُجورَهُم». والإيتاءُ من أ-ت-ي، مَجيءٌ يَمضي حتّى يَلقى غايَتَه، وعلى «أفعَلَ» مَجيءٌ بِالشَّيءِ حتّى يَصيرَ عِندَ صاحِبِه. وفاعِلُ «يُؤتيهِم» ضَميرٌ يَعودُ إلى اللهِ المَذكورِ في أوَّلِ الآية، ثُمَّ يَظهَرُ اسمُه في خِتامِها. و«سَوفَ» مَعَ فِعلِ الإيتاءِ في أربَعِ آياتٍ من هذه السّورةِ لا غَير، وهذه آخِرُها، وقد سَبَقَتها السّادِسةُ والأربَعونَ بَعدَ المِئة: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

والأجرُ من أ-ج-ر، ما يَتَهَيَّأُ ويَتَجَمَّعُ لِلعامِلِ على عَمَلِه ثُمَّ يُساقُ إلَيه، وجاءَ هُنا جَمعاً مُضافاً إلى أصحابِه: «أُجورَهُم»، وفي الآيةِ السّادِسةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ مُفرَداً مَوصوفاً: «أجراً عَظيماً». فهُناكَ أجرٌ يُسَمّى بِعِظَمِه، وهُنا أُجورٌ تُسَمّى بِأصحابِها، لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُم أجرُه. ويُناسِبُ الجَمعُ المُضافُ «أحَداً» في الآيةِ نَفسِها: لم يُفَرِّقوا بَينَ أحَدٍ من الرُّسُل، ويَصِلُ إلى كُلِّ واحِدٍ من الذينَ آمَنوا أجرُه.

«وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»: غِطاءٌ يَحمي بَعدَ غِطاءٍ يَحجُب

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ غَفوراً رَحيماً». والمَغفِرةُ من غ-ف-ر، سِترٌ كَثيفٌ يَغمُرُ الشَّيءَ ثُمَّ يُمسِكُه تَحتَه فيَصونُه، والرَّحمةُ من ر-ح-م، احتِضانٌ رَقيقٌ يَنضَمُّ على ما فيه. وفي الآيَتَينِ الخَمسينَ والحادِيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ غِطاءٌ من جِذرٍ آخَر، ك-ف-ر، يُلقيه الكافِرونَ على اللهِ ورُسُلِه، وهُنا غِطاءٌ من اللهِ يَسري على الذينَ آمَنوا فيَحمي ما يَكونُ مِنهُم. فيَنتَهي المَقطَعُ بِغِطاءَين: غِطاءٌ يُلقيه الإنسانُ على ما جاءَه فيَحتَجِبُ عَنه، وغِطاءٌ يُلقيه اللهُ على الإنسانِ فيُحمى بِه.


حَصيلة

تُقابِلُ الآيةُ الفَريقَ الذي كَفَرَ بِاللهِ ورُسُلِه وأرادَ التَّفريقَ بِفَريقٍ آمَنَ، من أ-م-ن، بِاللهِ ورُسُلِه بِباءٍ واحِدة، ولم يُفَرِّق، من ف-ر-ق، بَينَ أحَدٍ مِنهُم، و«أحَد» من أ-ح-د يَأخُذُ كُلَّ رَسولٍ في انفِرادِه، و«بَينَ» تَدخُلُ عَلَيه لِأنَّه في سِياقِ النَّفيِ يَعُمُّ الآحاد. وهذه العِبارةُ قَولٌ على ألسِنةِ أهلِ الثِّقةِ في ثَلاثِ آياتٍ أُخرى، وهي هُنا وَصفٌ لِما فَعَلوه. ثُمَّ تَعِدُهُم بِأُجورٍ، من أ-ج-ر، مُضافةٍ إلَيهِم، يُؤتيهِم إيّاها اللهُ، من أ-ت-ي، لِكُلِّ واحِدٍ أجرُه، وتَختِمُ بِالمَغفِرةِ، من غ-ف-ر، غِطاءً يَحمي، بَعدَ أن كانَ الغِطاءُ في الآيَتَينِ الخَمسينَ والحادِيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ من ك-ف-ر يَحجُب.