النساء · الآية 164

﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا

«وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ»: رُسُلٌ تُتُبِّعَت أخبارُهُم

تَبدَأُ الآيةُ بِاسمٍ مَنصوبٍ نَكِرة: «ورُسُلاً»، ويَحتَمِلُ نَصبُه وَجهَين: أن يَكونَ بِفِعلٍ مُضمَرٍ يُفَسِّرُه ما بَعدَه، أي: وقَصَصنا رُسُلاً قد قَصَصناهُم، وأن يَكونَ بِفِعلٍ مُضمَرٍ يَدُلُّ عَلَيه سِياقُ الإيحاءِ في الآيةِ قَبلَها، أي: وأرسَلنا رُسُلاً. وعلى الوَجهَينِ يَبقى الاسمُ مَوصولاً بِالآيةِ قَبلَها بِواوِه. والرَّسولُ من ر-س-ل مَبعوثٌ يَجري من جِهةِ مُرسِلِه حتّى يَعلَقَ بِمَن أُرسِلَ إلَيهِم.

والقَصُّ من ق-ص-ص قَطعٌ مُمسَكٌ يَجري مُتَتابِعاً، ومنه «قَصَّ الأثَرَ» تَتَبَّعَه مَوطِئاً بَعدَ مَوطِئ، كما في فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، وقُصِّيهِ﴾ أمراً بِتَتَبُّعِ الأثَر، فقَصُّ الخَبَرِ تَتَبُّعُه على تَرتيبِه حتّى يُستَوفى. و«قَصَصناهُم» تَجعَلُ الرُّسُلَ أنفُسَهُم مَفعولَ القَصّ، والمُرادُ أخبارُهُم مُتَتَبَّعة، و«عَلَيكَ» تَجعَلُ القَصَّ نازِلاً على المُخاطَب. و«قد» مَعَ الفِعلِ تُثبِتُ القَصَّ مُتَحَقِّقاً، و«من قَبلُ» مَقطوعةٌ عمّا تُضافُ إلَيه مَبنِيّةٌ على الضَّمّ، فالقَبلِيّةُ ثابِتة، وما كانَ القَصُّ قَبلَه مَتروكٌ لِلسِّياق: قَبلَ هذه الآية، أو قَبلَ هذا الوَقت.

«وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ»: إرسالٌ أوسَعُ مِمّا قُصَّ مِنه

ثُمَّ يُعادُ الاسمُ نَفسُه نَكِرة: «ورُسُلاً لم نَقصُصهُم عَلَيك»، و«لم» تَنفي القَصَّ في ما مَضى، فهؤلاءِ رُسُلٌ أُثبِتَ إرسالُهُم في الآية، وبَقِيَت أخبارُهُم خارِجَ ما قُصَّ على المُخاطَب. والتَّنكيرُ في المَوضِعَينِ يُبقي العَدَدَ مَفتوحاً في القِسمَين، فالآيةُ تُقيمُ القِسمةَ وتَترُكُ العَدّ. وقد جاءَ هذا التَّقسيمُ في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتاب: مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.

وفي هذا القِسمِ الثّاني إثباتٌ لِما هو أوسَعُ من المَعلوم: الرُّسُلُ الذينَ عَرَفَهُمُ المُخاطَبُ بِالقَصِّ بَعضُ الرُّسُل، والإرسالُ أوسَعُ من الخَبَرِ عَنه. ويَتَّصِلُ هذا بِما في الكِتابِ من أنَّ الإنذارَ بَلَغَ كُلَّ جَماعةٍ من النّاس: وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، فمَن لم تُقَصَّ أخبارُهُم داخِلونَ في هذا العُموم، وإن بَقِيَت أسماؤُهُم خارِجَ ما قُصّ.

«وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا»: فِعلٌ يُؤَكِّدُه مَصدَرُه

ثُمَّ يَخُصُّ آخِرُ الآيةِ واحِداً من الرُّسُلِ بِفِعلٍ غَيرِ الإيحاءِ الذي جَمَعَ الصَّفَّ في الآيةِ قَبلَها: «وكَلَّمَ اللهُ موسى تَكليماً». والكَلامُ من ك-ل-م مَعنىً يُحبَسُ في صيغةٍ مُتَماسِكةٍ ثُمَّ يُخرَج، و«كَلَّمَ» على فَعَّلَ يَتَعَدّى إلى المُخاطَبِ بِنَفسِه، فموسى مَفعولٌ بِه لِلفِعل. وعُدِلَ في هذه الجُملةِ عن ضَميرِ المُتَكَلِّمِ الذي جَرَت بِه الأفعالُ قَبلَها، «أوحَينا» و«آتَينا» و«قَصَصناهُم»، إلى الاسمِ الظّاهِر: «وكَلَّمَ اللهُ»، فيُسَمّى المُتَكَلِّمُ بِاسمِه في الفِعلِ الذي هو كَلامُه، وبِالاسمِ نَفسِه جاءَ الفِعلُ في مَوضِعٍ آخَر: مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾.

و«تَكليماً» مَصدَرُ «كَلَّمَ» جاءَ بَعدَه مَنصوباً، والمَصدَرُ إذا تَلا فِعلَه أكَّدَه وقَرَّرَ وُقوعَه. ويَنفَرِدُ هذا المَوضِعُ في الكِتابِ بِـ«تَكليماً»، فالكَلامُ وَحدَه من بَينِ الأفعالِ التي في الآيتَينِ جاءَ مُؤَكَّداً بِمَصدَرِه. وقد فَرَّقَ الكِتابُ بَينَ الطُّرُقِ التي يَبلُغُ بِها كَلامُ اللهِ البَشَر: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، فالوَحيُ طَريق، والكَلامُ من وَراءِ حِجابٍ طَريق، وإرسالُ الرَّسولِ طَريق، والآيتانِ تَذكُرانِ الإيحاءَ لِلصَّفِّ كُلِّه، ثُمَّ التَّكليمَ لِموسى.


حَصيلة

تَقسِمُ الآيةُ الرُّسُلَ، من ر-س-ل، قِسمَين بِاسمٍ واحِدٍ مُنَكَّرٍ يُعادُ مَرَّتَين: رُسُلٌ قُصَّت أخبارُهُم على المُخاطَبِ من قَبلُ، والقَصُّ من ق-ص-ص تَتَبُّعُ الأثَرِ على تَرتيبِه، ورُسُلٌ أُثبِتَ إرسالُهُم وبَقِيَت أخبارُهُم خارِجَ ما قُصّ، والتَّنكيرُ يَترُكُ العَدَدَ في القِسمَينِ مَفتوحاً، فالإرسالُ في الآيةِ أوسَعُ من الخَبَرِ عَنه، على نَحوِ ما في الكِتابِ من أنَّ كُلَّ أُمّةٍ خَلا فيها نَذير. ثُمَّ يُخَصُّ موسى بِفِعلِ الكَلام، من ك-ل-م، مُسنَداً إلى اسمِ اللهِ الظّاهِرِ بَعدَ أفعالٍ جَرَت بِضَميرِ المُتَكَلِّم، ومُؤَكَّداً بِمَصدَرِه «تَكليماً» الذي يَنفَرِدُ بِه هذا المَوضِع، فيَتَقَرَّرُ وُقوعُه، ويَتَمَيَّزُ عن الإيحاءِ الذي جَمَعَ الصَّفَّ في الآيةِ قَبلَها.