النساء · الآية 165

﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا

«رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ»: اسمٌ يَعودُ بِما أُرسِلَ بِه

تَفتَتِحُ الآيةُ بِالاسمِ الذي جاءَ في الآيةِ قَبلَها مَرَّتَين: «رُسُلاً»، مَنصوباً نَكِرة، ويَحتَمِلُ نَصبُه أن يَكونَ بَدَلاً من «ورُسُلاً» في الآيةِ السّابِقة، وأن يَكونَ بِفِعلٍ مُضمَرٍ من مَعنى الإرسال، وأن يَكونَ حالاً مُوَطِّئةً يَأتي الاسمُ فيها لِيَحمِلَ الوَصفَ الذي يَليه. وعلى كُلِّ وَجهٍ تَنتَقِلُ الآيةُ من قِسمةِ الرُّسُلِ إلى ما أُرسِلوا بِه: «مُبَشِّرينَ ومُنذِرين»، فالاسمُ الذي قُسِّمَ في الآيةِ السّابِقةِ بِالقَصِّ وتَركِه يُوصَفُ هُنا كُلُّه بِوَظيفةٍ واحِدة.

والمُبَشِّرُ من ب-ش-ر، والجِذرُ بُروزٌ يَتَفَشّى في ظاهِرِ الشَّيءِ ويَمتَدّ، ومنه «البَشَرة» ظاهِرُ الجِلد، فالبِشارةُ خَبَرٌ يَظهَرُ أثَرُه على بَشَرةِ مَن يَسمَعُه، و«مُبَشِّرين» اسمُ فاعِلٍ من «بَشَّرَ» المُضَعَّف. والمُنذِرُ من ن-ذ-ر، إخراجٌ حادٌّ يَجري حتّى يَبلُغَ المُنذَر، والإنذارُ إعلامٌ بِما يُحذَرُ قَبلَ أن يَقَع، و«مُنذِرين» اسمُ فاعِلٍ من «أنذَرَ». فالرُّسُلُ في الآيةِ حَمَلةُ خَبَرَين: خَبَرٍ يَبسُطُ الوُجوه، وخَبَرٍ يُنَبِّهُ قَبلَ الوُقوع، والواوُ بَينَهُما تَجمَعُهُما في المُرسَلينَ جَميعاً.

وقد جاءَ الوَصفانِ مَجموعَينِ على هذا اللَّفظِ «مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ» في أربَعةِ مَواضِعَ من الكِتاب: في الآيةِ الثّالِثةَ عَشرةَ بَعدَ المِئتَينِ من سورةِ البَقَرة، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، وفي هذه الآية، وفي الثّامِنةِ والأربَعينَ من سورةِ الأنعامِ والسّادِسةِ والخَمسينَ من سورةِ الكَهفِ بِلَفظٍ واحِد: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، وهُما في المَواضِعِ الأربَعةِ وَصفٌ لِمَن بُعِثوا أو أُرسِلوا.

«لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ»: حُجّةٌ يُغلَقُ بابُها

ثُمَّ تُذكَرُ العِلّة: «لِئَلّا»، وهي لامُ التَّعليلِ دَخَلَت على «أنْ» و«لا»، فالإرسالُ لِأجلِ ألّا يَكونَ لِلنّاسِ حُجّة. و«يَكونَ» من ك-و-ن، شَيءٌ يَخرُجُ إلى الظُّهورِ ويَستَقِرُّ في حَيِّزِه، فالمَنفِيُّ أن تَقومَ حُجّةٌ وتَستَقِرّ. واللامُ في «لِلنّاس» تَجعَلُ الحُجّةَ لَهُم يَحمِلونَها، و«على اللهِ» تَجعَلُها مَرفوعةً في وَجهِه. والنّاسُ من ن-و-س، جَماعةٌ تَنبَعِثُ وتَتَحَرَّكُ سائلة، والاسمُ عامٌّ يَشمَلُهُم جَميعاً، فالحُجّةُ المَنفِيّةُ حُجّةُ النّاسِ كُلِّهِم، مَن قُصَّ خَبَرُ رُسُلِهِم ومَن لم يُقَصّ.

و«حُجّةٌ» من ح-ج-ج، ما يَضيقُ في باطِنِ صاحِبِه ثُمَّ يَبرُزُ مُنكَشِفاً ويَجتَمِع، فالحُجّةُ ما يُبرِزُه صاحِبُه مَجموعاً في وَجهِ غَيرِه لِيَغلِبَه بِه. وجاءَت نَكِرةً في سِياقِ النَّفي، فتَعُمُّ كُلَّ حُجّة، و«بَعدَ الرُّسُلِ» تُعَيِّنُ الزَّمَنَ الذي تَنتَفي فيه: ما بَعدَ مَجيئِهِم. ويَحتَمِلُ هذا القَيدُ أن يُفهَمَ مِنه أنَّ لِلحُجّةِ مَوضِعاً قَبلَ مَجيئِهِم، فيَكونَ الإرسالُ نَفسُه هو الذي يُغلِقُ بابَها.

ويَرِدُ هذا التَّركيبُ «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ» في مَوضِعٍ واحِدٍ آخَرَ من الكِتاب: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، والحُجّةُ هُناكَ مَنفِيّةٌ أن تَكونَ لِلنّاسِ «عَلَيكُم»، وهي هُنا مَنفِيّةٌ أن تَكونَ لَهُم «على الله». فالبِناءُ واحِد: لامٌ تُعَيِّنُ مَن يَحمِلُ الحُجّة، و«على» تُعَيِّنُ مَن تُرفَعُ في وَجهِه، وتَبَدُّلُ ما بَعدَ «على» يَنقُلُ الحُجّةَ من خِصامٍ بَينَ النّاسِ إلى مَوقِفِهِم أمامَ الله.

«وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا»: خاتِمةٌ تُعادُ بِحُروفِها

وتُختَمُ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ عَزيزاً حَكيماً»، وهي بِحُروفِها خاتِمةُ الآيةِ الثّامِنةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة: بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. و«كانَ» تُثبِتُ الصِّفَتَينِ قائمَتَينِ غَيرَ مَحصورَتَينِ في زَمَنٍ مَضى. والعِزّةُ من ع-ز-ز صَلابةٌ مُكتَنِزةٌ لا يُخلَصُ إلَيها، والحِكمةُ من ح-ك-م إحكامٌ يُمسِكُ كُلَّ أمرٍ على صورَتِه. ويَلتَقي الوَصفانِ بِما قَبلَهُما: فالحُجّةُ التي نُفِيَ أن تَكونَ «على اللهِ» يَلتَقي نَفيُها بِالعِزّة، إذ العَزيزُ لا يُخلَصُ إلَيه، والرُّسُلُ الذينَ أُرسِلوا مُبَشِّرينَ ومُنذِرينَ يَلتَقي إرسالُهُم بِالحِكمة، إذ الحَكيمُ يُمسِكُ كُلَّ أمرٍ على صورَتِه ويَضَعُه في مَوضِعِه.


حَصيلة

تُعيدُ الآيةُ الاسمَ الذي قُسِّمَ في الآيةِ قَبلَها، «رُسُلاً»، وتَصِفُه كُلَّه بِوَظيفةٍ واحِدة: مُبَشِّرين، من ب-ش-ر، يَحمِلونَ خَبَراً يَظهَرُ على بَشَرةِ سامِعِه، ومُنذِرين، من ن-ذ-ر، يَحمِلونَ خَبَراً يَبلُغُ قَبلَ الوُقوع، وهُما وَصفانِ يَجتَمِعانِ بِهذا اللَّفظِ في أربَعةِ مَواضِعَ من الكِتاب. ثُمَّ تُذكَرُ العِلّة: ألّا تَكونَ لِلنّاسِ، من ن-و-س، جَماعةً عامّة، حُجّةٌ، من ح-ج-ج، يُبرِزونَها مَجموعةً في وَجهِ اللهِ بَعدَ مَجيءِ الرُّسُل، والنَّكِرةُ في سِياقِ النَّفيِ تَعُمُّ كُلَّ حُجّة، والتَّركيبُ نَفسُه نُفِيَت بِه في سورةِ البَقَرةِ حُجّةُ النّاسِ على المُخاطَبين. ثُمَّ تُختَمُ بِخاتِمةِ الآيةِ الثّامِنةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة: عِزّةٌ لا يُخلَصُ إلَيها، يَلتَقي بِها نَفيُ الحُجّة، وحِكمةٌ تُمسِكُ كُلَّ أمرٍ على صورَتِه، يَلتَقي بِها إرسالُ المُبَشِّرينَ والمُنذِرين.