النساء · الآية 163

﴿۞ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا

«إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ»: وَحيٌ من جِنسٍ واحِد

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«إنّا»، فتُؤَكِّدُ الخَبَرَ وتُسنِدُه إلى المُتَكَلِّمِ بِضَميرِ الجَمع، ثُمَّ «أوحَينا إلَيك». والوَحيُ من و-ح-ي إبلاغٌ في مَجرىً ضَيِّقٍ يَسري خَفِيّاً، و«أوحى» على أفعَلَ يَجعَلُ المُتَكَلِّمَ هو الذي يُجري هذا الإبلاغَ إلى غَيرِه، و«إلَيكَ» تَجعَلُ المُخاطَبَ مُنتَهاه. وقد فُتِحَ المَقطَعُ في الآيةِ الثّالِثةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ بِسُؤالٍ يُوَجَّهُ إلى المُخاطَبِ نَفسِه: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾، وهذه الآيةُ تُسَمّي الطَّريقَ الذي جاءَ بِه ما جاءَه: وَحيٌ إلَيه، وتَجعَلُ لَه نَظائرَ في مَن سَبَقَه.

والكافُ في «كَما» لِلتَّشبيه، و«ما» تُؤَوَّلُ مَعَ الفِعلِ بَعدَها مَصدَراً، فالمَعنى: إيحاؤُنا إلَيكَ كَإيحائِنا إلى نوح، ووَجهُ الشَّبَهِ في الفِعلِ نَفسِه، أي في جِنسِ الإيصالِ وطَريقِه. والمُشَبَّهُ بِه نوحٌ «والنَّبِيّينَ من بَعدِه»، والنَّبِيّونَ من ن-ب-أ، حَمَلةُ خَبَرٍ مَخزونٍ يَبرُزُ ثُمَّ يُطلَقُ فيُسمَع، و«من بَعدِه» تَجعَلُ نوحاً في هذه الآيةِ رَأسَ سِلسِلةٍ تَتَتابَعُ بَعدَه، فالإيحاءُ إلى المُخاطَبِ يَلحَقُ بِهذه السِّلسِلةِ ويَدخُلُ في جِنسِها.

«وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ»: أسماءٌ يَجمَعُها فِعلٌ واحِد

ثُمَّ يُعادُ الفِعلُ نَفسُه: «وأوحَينا إلى إبراهيمَ...»، ويَحتَمِلُ إعادَتُه أن تَكونَ تَفصيلاً لِبَعضِ مَن دَخَلوا في «النَّبِيّينَ من بَعدِه»، ذُكِروا بِأسمائِهِم بَعدَ أن ذُكِروا جُملة. والأسماءُ مَعطوفٌ بَعضُها على بَعضٍ بِالواو، والواوُ تَجمَعُ ولا تُرَتِّب، فهُم في الآيةِ صَفٌّ واحِدٌ تَحتَ فِعلٍ واحِد، يَستَوونَ في أنَّ الوَحيَ جاءَهُم، ويُذكَرونَ كما ذَكَرَتهُمُ الآية: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويَعقوب، والأسباط، وعيسى، وأيّوب، ويونُس، وهارون، وسُلَيمان. وفي الصَّفِّ عيسى، وقد سُمِّيَ في الآيةِ السّابِعةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ بِلَقَبِه ونَسَبِه ووَصفِه: الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، ويَرِدُ هُنا بِاسمِه وَحدَه بَينَ الأسماء، يَجمَعُه بِها فِعلُ «أوحَينا».

وقد جاءَتِ الآيةُ بَعدَ آياتٍ ذَكَرَت مَن يُريدونَ أن يُفَرِّقوا بَينَ اللهِ ورُسُلِه: وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ في الآيةِ الخَمسينَ بَعدَ المِئة، ومَن آمَنوا وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ في الآيةِ الثّانيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة، ثُمَّ تَأتي هذه الأسماءُ مَجموعةً تَحتَ «أوحَينا»، فالنَّظمُ نَفسُه يَضَعُهُم في نَسَقٍ واحِد. ويَتَكَرَّرُ في الكِتابِ تَتابُعُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ على هذا التَّرتيبِ في أربَعةِ مَواضِع: الآيتَينِ السّادِسةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ والأربَعينَ بَعدَ المِئةِ من سورةِ البَقَرة، والرّابِعةِ والثَّمانينَ من سورةِ آلِ عِمران، وهذه الآية، ويَأتي بَعدَه في اثنَينِ مِنها: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾.

والأسباطُ من س-ب-ط، امتِدادٌ يَخرُجُ من أصلٍ ثُمَّ يَنبَسِطُ مُنتَشِراً، ومنه «السِّبطُ» وَلَدُ الوَلَد، يَمتَدُّ بِه الأصلُ في فَرعٍ جَديد. وقد وَقَعوا في الآيةِ بَعدَ يَعقوبَ مُتَّصِلينَ بِه في العَطف، وجاءَ الجَمعُ نَفسُه في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ وَصفاً لِجَماعات: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾، فالجَمعُ يُسَمّي فُروعاً تَفَرَّعَت من أصل، وقد وُصِفَت هُناكَ بِأنَّها أُمَم، والآيةُ هُنا تَذكُرُ الأسباطَ في مَن أُوحِيَ إلَيهِم، مَجموعينَ بِاسمٍ واحِدٍ بَينَ أسماءٍ مُفرَدة.

«وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا»: فِعلٌ آخَرُ وعَطاءٌ يُسَمّى

ثُمَّ يَتَغَيَّرُ الفِعلُ في آخِرِ الآية: «وآتَينا داوودَ زَبوراً»، فيَنفَرِدُ داوودُ من بَينِ الأسماءِ بِفِعلٍ غَيرِ «أوحَينا»، وبِمَفعولٍ ثانٍ يُسَمّي ما أُعطِي. والإيتاءُ من أ-ت-ي على أفعَل، جَعلُ الشَّيءِ يَبلُغُ آخِذَه، و«زَبوراً» من ز-ب-ر، رَصٌّ مُكتَنِزٌ يَمتَدُّ مُتَراكِباً، ومنه «زَبَرَ الكِتابَ» كَتَبَه بِخَطٍّ مُحكَم. وهذه الجُملةُ بِحُروفِها خاتِمةُ الآيةِ الخامِسةِ والخَمسينَ من سورةِ الإسراء: وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، وهي هُناكَ مَعطوفةٌ بِالواوِ على تَفضيلِ بَعضِ النَّبِيّينَ على بَعض، و«زَبوراً» فيها نَكِرةٌ تَترُكُ المُعطى غَيرَ مُعَيَّنٍ وتَضَعُ الثِّقلَ على الإيتاءِ نَفسِه، وهي هُنا خاتِمةُ صَفٍّ من أسماءِ مَن أُوحِيَ إلَيهِم، فالمُعطى مَوصوفٌ بِبِنيَتِه، والآخِذُ مُسَمّىً بِاسمِه.

وتُشبِهُ هذه الجُملةُ في بِنائها جُملةً في أوَّلِ المَقطَع: وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا﴾، الفِعلُ نَفسُه، واسمُ الآخِذ، ونَكِرةٌ تُسَمّي ما أُخِذ. ويُؤَخَّرُ ذِكرُ موسى إلى الآيةِ التّالِية، فيُذكَرُ فيها بِفِعلٍ ثالِث: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾، فتَجتَمِعُ في الآيتَينِ ثَلاثةُ أفعال: الإيحاءُ لِلصَّفِّ كُلِّه، والإيتاءُ لِداوود، والتَّكليمُ لِموسى.


حَصيلة

تُؤَكِّدُ الآيةُ أنَّ ما جاءَ المُخاطَبَ وَحيٌ، من و-ح-ي، إبلاغٌ يَسري في مَجرىً خَفِيّ، وتَجعَلُه كَالوَحيِ إلى نوحٍ وحَمَلةِ النَّبَإِ من بَعدِه، فالشَّبَهُ في جِنسِ الإيصالِ نَفسِه، وقد فُتِحَ المَقطَعُ بِسُؤالٍ أن يُنَزَّلَ كِتابٌ من السَّماء. ثُمَّ يُعادُ الفِعلُ على صَفٍّ من الأسماءِ تَجمَعُها الواو، فيَستَوي فيه إبراهيمُ ومَن بَعدَه، والأسباطُ فُروعٌ مُمتَدّةٌ من س-ب-ط، وعيسى الذي سُمِّيَ قَبلُ بِلَقَبِه ونَسَبِه، ويَأتي هذا الصَّفُّ بَعدَ آياتٍ ذَمَّت التَّفريقَ بَينَ اللهِ ورُسُلِه. ثُمَّ يَنفَرِدُ داوودُ بِفِعلِ الإيتاءِ وبِعَطاءٍ مُسَمّى، زَبورٍ من ز-ب-ر مَرصوصٍ مُتَراكِب، بِلَفظِ خاتِمةِ الآيةِ الخامِسةِ والخَمسينَ من سورةِ الإسراء، ويُؤَخَّرُ موسى إلى فِعلٍ ثالِثٍ في الآيةِ التّالِية.