النساء · الآية 172

﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا

«لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ»: تَنحِيةٌ لِلنَّفسِ تُنفى عن المَسيح

تَتَّصِلُ هذه الآيةُ بِما قَبلَها بِالمُسَمّى نَفسِه: المَسيحُ الذي قُصِرَ هُناكَ على أنَّه رَسولُ اللهِ وكَلِمَتُه ورُوحٌ مِنه يُذكَرُ هُنا بِلَقَبِه وَحدَه. وتَبدَأُ الآيةُ بِـ«لَن»، وهي تَنفي الفِعلَ فيما يُستَقبَلُ نَفياً مُؤَكَّداً، والمَنفِيُّ «يَستَنكِف»، من ن-ك-ف. وفي كَلامِ العَرَبِ «نَكَفَ الدَّمعَ» إذا نَحّاه عن خَدِّه بِإصبَعِه، و«استَنكَفَ» على استَفعَل: نَحّى نَفسَه عن الأمرِ أنَفةً مِنه فامتَنَع. فالمُستَنكِفُ يُبعِدُ نَفسَه عمّا يَعُدُّه دونَه كما يُنَحّى الدَّمعُ عن الوَجه، ولِلجِذرِ في الكِتابِ ثَلاثةُ مَواضِع، كُلُّها في هذه الآيةِ والتي تَليها.

و«أن يَكونَ عَبداً لِله» في مَعنى «عن أن يَكون»، والجارُّ مَطوِيٌّ قَبلَ «أن» كما طُوِيَ في الآيةِ قَبلَها: «سُبحانَه أن يَكونَ لَه وَلَد». فتَتَجاوَرُ في الآيتَينِ عِبارَتانِ على صورةٍ واحِدة، واللّامُ في كُلٍّ مِنهُما تَنسُبُ إلى الله: هُناكَ نِسبةُ وَلَدٍ نُزِّهَ اللهُ عَنها، وهُنا نِسبةُ عَبدٍ لَن يَنأى المَسيحُ بِنَفسِه عَنها. والكَونُ، من ك-و-ن، خُروجٌ من الكُمونِ إلى حالٍ يَثبُتُ فيها صاحِبُها، والعَبدُ، من ع-ب-د، مَن يَلتَحِمُ بِمَن هو لَه فيَثبُتُ في قَبضَتِه، و«لِله» تُسَمّي مَن هو لَه. وفي سورةِ مَريَمَ يَقولُ هو عن نَفسِه: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾.

«وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ»: قُربٌ يَقَعُ على أصحابِه

ويُعطَفُ على المَسيحِ في النَّفيِ نَفسِه «ولا المَلائكةُ المُقَرَّبون»، والفِعلُ لا يُعادُ مَعَهُم، فنَفيٌ واحِدٌ يَشمَلُ الاثنَين. والمَلائكةُ من أ-ل-ك، والأَلوكُ الرِّسالة، فالمَلَكُ حامِلُ رِسالةٍ حتّى يُؤَدّيَها، وهَمزةُ الجِذرِ ظاهِرةٌ في الجَمع. و«المُقَرَّبون» اسمُ مَفعولٍ من «قَرَّبَ»، والقُربُ من ق-ر-ب استِقرارٌ يَتَّصِلُ بِغَيرِه فيَدنو مِنه، وبِناءُ المَفعولِ يَجعَلُ قُربَهُم أثَرَ فِعلِ مُقَرِّبٍ وَقَعَ عَلَيهِم. وقد وُصِفَ المَسيحُ بِهذا الوَصفِ في آلِ عِمران: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، فالمُسَمَّيانِ في هذه الآيةِ يَجمَعُهُما وَصفُ القُرب، ويَجمَعُهُما أنَّهُما لَن يَستَنكِفا.

«وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ»: تَنحِيةٌ وتَعاظُمٌ يَجتَمِعان

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من المُسَمَّينَ إلى كُلِّ مَن يَفعَل: «ومَن يَستَنكِفْ عن عِبادَتِه ويَستَكبِرْ». والفِعلُ هُنا يَتَعَدّى بِـ«عن» ظاهِرةً، ومُتَعَلَّقُه «عِبادَتِه»، مَصدَرٌ مُضافٌ إلى ضَميرِ اللهِ وهو المَعبود، والعِبادةُ أن يَكونَ المَرءُ لِمَن هو لَه، يَخدُمُه ويَنقادُ لَه، فالمَصدَرُ يُعيدُ الجِذرَ الذي جاءَ في «عَبداً». ولِـ«عن عِبادَتِه» في الكِتابِ ثَلاثةُ مَواضِع: هذه الآية، وآيتانِ يَتَقَدَّمُها فيهِما «لا يَستَكبِرون»، في الأعرافِ والأنبِياء، وكِلتاهُما في وَصفِ مَن هُم عِندَه: وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾.

ويُعطَفُ على الاستِنكافِ الاستِكبار: «ويَستَكبِرْ»، من ك-ب-ر، والجِذرُ عِظَمٌ يَتَراكَمُ في الشَّيءِ حتّى يَتَّسِع، و«استَكبَرَ» على استَفعَل: طَلَبَ الكِبْرَ لِنَفسِه وعَدَّها أعظَمَ من مَوضِعِها. فالشَّرطُ يَجمَعُ فِعلَين: تَنحِيةَ النَّفسِ عن العِبادة، وتَعظيمَها في الوَقتِ نَفسِه، والفِعلانِ يَعودانِ في الآيةِ التّالِيةِ ماضِيَينِ يُسَمّى بِهِما فَريق: «استَنكَفوا واستَكبَروا».

«فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا»: ضَمٌّ يَنتَهي إلى مَن نَأَوا عَنه

وجَوابُ الشَّرطِ «فسَيَحشُرُهُم إلَيه جَميعاً»، والسّينُ تَجعَلُ الفِعلَ لِما يُستَقبَل. والحَشرُ، من ح-ش-ر، ضَمُّ المُتَفَرِّقاتِ بِحَرَكةٍ جارِيةٍ حتّى تُستَوعَب، و«إلَيه» تُسَمّي مُنتَهى هذا الضَّمّ، و«جَميعاً» تُحيطُ بِالمَحشورين. والضَّميرُ في «يَحشُرُهُم» جَمعٌ جاءَ بَعدَ «مَن» المُفرَدةِ اللَّفظ، ويَحتَمِلُ في العَربيّةِ وَجهَين: أن يَعودَ على «مَن» بِمَعناها، فالمَحشورونَ هُمُ المُستَنكِفونَ المُستَكبِرون، وأن يَعودَ على الفَريقَين، مَن استَنكَفَ ومَن لم يَستَنكِف، ويَشهَدُ لِهذا الوَجهِ «جَميعاً» والتَّفصيلُ الذي تَبدَأُ بِه الآيةُ التّالِيةُ في فَريقَين. وعلى الوَجهَينِ يَنتَهي الحَشرُ إلى الذي نَأى المُستَنكِفونَ بِأنفُسِهِم عن عِبادَتِه.


حَصيلة

تَتَّصِلُ الآيةُ بِما قَبلَها بِالمُسَمّى نَفسِه، فتَنفي بِـ«لَن» أن يَستَنكِفَ المَسيحُ، من ن-ك-ف، فيُنَحّيَ نَفسَه عن أن يَكونَ عَبداً لِله، والعَبدُ من ع-ب-د مَن يَلتَحِمُ بِمَن هو لَه. وتَضَعُ «أن يَكونَ عَبداً لِله» بِإزاءِ «أن يَكونَ لَه وَلَد» في الآيةِ قَبلَها: نِسبةٌ إلى اللهِ نُزِّهَ عَنها، ونِسبةٌ لَن يَنأى عَنها المَسيح. وتَعطِفُ عَلَيه المَلائكةَ، من أ-ل-ك، حَمَلةَ الرِّسالة، مَوصوفينَ بِالقُربِ من ق-ر-ب على بِناءِ المَفعول، وهو وَصفٌ وُصِفَ بِه المَسيحُ في آلِ عِمران. ثُمَّ تَجعَلُ الاستِنكافَ عن عِبادَتِه والاستِكبارَ، من ك-ب-ر، شَرطاً جَوابُه حَشرٌ من ح-ش-ر إلَيه جَميعاً، يَعودُ ضَميرُه على المُستَنكِفينَ أو على الفَريقَينِ مَعاً. فالآيةُ تُسَمّي مَن لَن يَنأى عن العُبودِيّة، ثُمَّ تَرُدُّ النّائينَ إلى مَن نَأَوا عن عِبادَتِه.