النساء · الآية 173

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا

«فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ»: تَفصيلٌ في فَريقَينِ يَتلو الحَشر

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«فأمّا»، و«أمّا» حَرفُ تَفصيل، والفاءُ تَصِلُها بِالحَشرِ الذي خُتِمَت بِه الآيةُ قَبلَها، «فسَيَحشُرُهُم إلَيه جَميعاً»، فيَتلو الحَشرَ تَفصيلٌ في فَريقَين، وتُعيدُ «أمّا» الثّانيةُ التَّفصيلَ في وَسَطِ الآية. ويُسَمّى كُلُّ فَريقٍ بِفِعلَين: الأوَّلُ «آمَنوا وعَمِلوا الصّالِحات»، والثّاني «استَنكَفوا واستَكبَروا». والإيمانُ من أ-م-ن ثِقةٌ يَسكُنُ بِها الباطِنُ فيَأمَنُ جانِبَ مَن وَثِقَ بِه، والعَمَلُ من ع-م-ل فِعلٌ يَصدُرُ عن صاحِبِه ويَعلَقُ بِه أثَرُه، و«الصّالِحاتُ» من ص-ل-ح ما شُدَّت أجزاؤه حتّى خَلَصَ سَليماً، فهي الأعمالُ التي تُقيمُ ما تَقَعُ عَلَيه. والفَريقُ الثّاني يُسَمّى بِالفِعلَينِ اللَّذَينِ جُعِلا شَرطاً في الآيةِ قَبلَها، وقد صارا هُنا ماضِيَين، فما كانَ احتِمالاً يُشرَطُ صارَ صِفةً يُعرَفُ بِها فَريق.

«فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ»: أجرٌ تامٌّ وزِيادةٌ تَفيضُ فَوقَه

وجَزاءُ الفَريقِ الأوَّلِ أمران. الأوَّلُ «فيُوَفّيهِم أُجورَهُم»، والتَّوفيةُ من و-ف-ي، إحاطةٌ تَستَوعِبُ الشَّيءَ إلى آخِرِه، و«وَفّى» على فَعَّلَ يُعطي الشَّيءَ تامّاً فلا يَنقُصُ مِنه شَيء. والأجرُ من أ-ج-ر حَقٌّ يَجتَمِعُ على العَمَلِ ثُمَّ يَجري إلى صاحِبِه، وإضافَتُه إلى ضَميرِهِم، «أُجورَهُم»، تَجعَلُه ما استَحَقَّتهُ أعمالُهُم. والثّاني «ويَزيدُهُم مِن فَضلِه»، والزِّيادةُ من ز-ي-د ما يُضَمُّ فَوقَ ما كانَ فيُحسَبُ مَعَه، والفَضلُ من ف-ض-ل ما يَفيضُ عن المِقدارِ فيَخرُجُ مِنه ويَتَمَيَّز. وتَتَقابَلُ الإضافَتان: الأُجورُ مُضافةٌ إلَيهِم، والفَضلُ مُضافٌ إلى ضَميرِ الله، فما يَستَحِقّونَه يُعطَونَه كامِلاً، وما فَوقَه يَأتي من فَضلِه.

وفي هذا المَقطَعِ وُعِدَ الذينَ آمَنوا بِاللهِ ورُسُلِه ولم يُفَرِّقوا بَينَ أحَدٍ مِنهُم، في الآيةِ الثّانيةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة: أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ويَأتي هُنا الأجرُ مُوَفّىً ومَعَه الزِّيادة. ولِـ«فيُوَفّيهِم أُجورَهُم» في الكِتابِ مَوضِعانِ لا ثالِثَ لَهُما: هذه الآية، وآيةٌ في آلِ عِمرانَ في تَفصيلٍ يَتلو نِداءً لِعيسى: وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ويَتَقَدَّمُ هُناكَ الذينَ كَفَروا وعَذابُهُم، ويَتَقَدَّمُ هُنا الذينَ آمَنوا، وتَزيدُ هذه الآيةُ «ويَزيدُهُم مِن فَضلِه». ويَجتَمِعُ الوَعدانِ في فاطِر: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾.

«وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا»: عَذابٌ يُحبَسُ عَلَيهِم وخُلُوٌّ من الوَليّ

وجَزاءُ الفَريقِ الثّاني «فيُعَذِّبُهُم عَذاباً أليماً». والعَذابُ من ع-ذ-ب قَبضةٌ يَنفُذُ مِنها ما يُؤلِمُ ثُمَّ يُحبَسُ على صاحِبِه، وجاءَ الفِعلُ ومَصدَرُه مَعاً، «يُعَذِّبُهُم عَذاباً»، فالعَذابُ مَذكورٌ فِعلاً ثُمَّ اسماً، ثُمَّ وُصِفَ بِـ«أليماً»، من أ-ل-م، وَقعٌ حادٌّ يَعلَقُ بِالحِسِّ ولا يُفارِقُه. والفِعلُ مُسنَدٌ إلى ضَميرِ الله، كما أُسنِدَ إلَيه في الشَّطرِ الأوَّلِ «يُوَفّيهِم» و«يَزيدُهُم»، فالفاعِلُ في الجَزاءَينِ واحِد، والذي يُعطي الأجرَ والفَضلَ هو الذي يُعَذِّب.

ثُمَّ «ولا يَجِدونَ لَهُم مِن دونِ اللهِ وَليّاً ولا نَصيراً». والوِجدانُ، من و-ج-د، لِقاءٌ يُحيطُ بِالمَطلوبِ فيَثبُتُ عَلَيه، والمَنفِيُّ هُنا أن يَلقَوا أحَداً يَكونُ لَهُم دونَ الله. والوَليُّ من و-ل-ي مَن يَتَّصِلُ بِغَيرِه فيَليه بِلا فاصِل، والنَّصيرُ من ن-ص-ر مَن يَثبُتُ مَعَ مَن يُعانُ في وَجهِ ما يُواجِهُه. فالذينَ نَحَّوا أنفُسَهُم عن العِبادةِ التي لَن يَستَنكِفَ عَنها المَسيحُ ولا المَلائكةُ المُقَرَّبونَ يَنتَهونَ إلى حالٍ لا يَجِدونَ فيها مَن يَليهِم ولا مَن يَقِفُ مَعَهُم. والعِبارةُ كُلُّها جاءَت في هذه السّورةِ بِالإفرادِ في الآيةِ الثّالِثةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة، فيما يُجزى بِه مَن يَعمَلُ سوءاً، وتَأتي هُنا بِالجَمع.


حَصيلة

تُفَصِّلُ الآيةُ بَعدَ الحَشرِ فَريقَين، وتُسَمّي كُلّاً بِفِعلَين: الذينَ آمَنوا، من أ-م-ن، وعَمِلوا الصّالِحات، والذينَ استَنكَفوا واستَكبَروا، وهُما الفِعلانِ اللَّذانِ جُعِلا شَرطاً في الآيةِ قَبلَها، صارا وَصفاً ماضِياً. فلِلأوَّلينَ أُجورُهُم مُوَفّاةً، من و-ف-ي، حَقّاً يَجري إلَيهِم على عَمَلِهِم، من أ-ج-ر، ومَعَها زِيادةٌ، من ز-ي-د، تُضَمُّ إلَيها من فَضلِه، من ف-ض-ل، فالأجرُ مُضافٌ إلَيهِم والفَضلُ مُضافٌ إلَيه. ولِلآخَرينَ عَذابٌ من ع-ذ-ب يُحبَسُ عَلَيهِم مُؤلِماً، ولا يَلقَونَ من دونِ اللهِ وَليّاً، من و-ل-ي، يَليهِم، ولا نَصيراً يَثبُتُ مَعَهُم. فالذينَ نَحَّوا أنفُسَهُم عن العِبادةِ يَنتَهونَ إلى حالٍ لا يَليهِم فيها أحَدٌ من دونِ الله.