النساء · الآية 96

﴿دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا

«دَرَجَاتٍ مِّنْهُ»: الأجرُ يُفَصَّلُ مَراقِيَ

تَبدَأُ الآيةُ بِكَلِمةٍ مَنصوبةٍ لا عامِلَ لَها فيها: «دَرَجاتٍ»، فهي مَعقودةٌ بِآخِرِ الآيةِ قَبلَها، وأظهَرُ ما تُحمَلُ عَلَيه أنَّها بَيانٌ لِـ«أجراً عَظيماً»: الأجرُ الذي زِيدَ بِه المُجاهِدونَ دَرَجاتٌ ومَغفِرةٌ ورَحمة. والدَّرَجةُ من د-ر-ج، مَوقِفٌ يَبلُغُه الصّاعِدُ فيَثبُتُ عَلَيه ثُمَّ يَمضي إلى ما فَوقَه، ومنه «الدَّرَجُ» ما يُرتَقى فيه مَوقِفاً بَعدَ مَوقِف، و«دَرَجَ الصَّبيُّ» مَشى خُطوةً بَعدَ خُطوة. فالأجرُ العَظيمُ يُعرَضُ هُنا مَنازِلَ يَعلو بَعضُها بَعضاً.

وقد قالَتِ الآيةُ الخامِسةُ والتِّسعونَ «دَرَجةً» بِالإفراد، وتَقولُ هذه «دَرَجاتٍ» بِالجَمع، والصِّلةُ بَينَهُما مَفتوحةٌ في العِبارة: قد تَكونُ الدَّرَجةُ الواحِدةُ اسماً لِلمَنزِلةِ التي عَلا بِها المُجاهِدونَ جُملةً، والدَّرَجاتُ تَفصيلاً لِمَراقيها، وقد يَكونُ لِكُلٍّ مِنهُما مَوضِعٌ غَيرُ مَوضِعِ الأُخرى. والذي تُثبِتُه العِبارةُ أنَّ الأولى جاءَت مَعَ قَيدِ البَذلِ «بِأموالِهِم وأنفُسِهِم»، وأنَّ الثّانيةَ جاءَت بَعدَ الوَعدِ لِلفَريقَين، عَقِبَ «أجراً عَظيماً».

و«مِنهُ» تَرُدُّ الدَّرَجاتِ إلى اللهِ مَصدَراً، فهي أجرٌ على عَمَل، وهي مَعَ ذلك صادِرةٌ من عِندِه، والاسمُ الذي سَمّاها أجراً لم يَقطَعْها عن مُعطيها. ومَجيءُ «دَرَجاتٍ» نَكِرةً يَترُكُ عَدَدَها ومَداها غَيرَ مَحدودَين.

«وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً»: سِترٌ يَصون، واحتِضانٌ يَضُمّ

ثُمَّ عُطِفَ على الدَّرَجاتِ أمران: «مَغفِرةً ورَحمةً». والمَغفِرةُ من غ-ف-ر، غِطاءٌ كَثيفٌ يَقَعُ على الشَّيءِ فيَستُرُه ويَصونُه، ومنه «المِغفَر» الذي يُلبَسُ على الرَّأسِ فيَقيه. ومَجيئُها في أجرِ المُفَضَّلينَ يَدُلُّ على أنَّ التَّفضيلَ لم يَرفَعْ عَنهُمُ الحاجةَ إلى السِّتر، فالذينَ زِيدوا دَرَجاتٍ يُعطَونَ مَعَها غِطاءً على ما يَحتاجُ إلى غِطاء، وما يُستَرُ مَفتوحٌ في الآية.

والرَّحمةُ من ر-ح-م، وِعاءٌ رَقيقٌ يَحتَضِنُ ما فيه ويَنضَمُّ عَلَيه، وهو الجِذرُ الذي جاءَت مِنه «الأرحامُ» في صَدرِ السّورة. فالأجرُ في الآيةِ ثَلاثةُ أشياءَ مُتَعاطِفة: مَنازِلُ تُرتَقى، وسِترٌ يَصون، واحتِضانٌ يَضُمّ، والأوَّلُ رَفعٌ، والآخَرانِ حِفظٌ لِمَن رُفِع.

«وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا»: عَطاءٌ يَرجِعُ إلى صِفةٍ قائمة

ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِاسمَينِ من جِذرَيِ الكَلِمَتَينِ السّابِقَتَين: «مَغفِرةً» يُقابِلُها «غَفوراً»، و«رَحمةً» يُقابِلُها «رَحيماً». فما عُدَّ في صَدرِ الآيةِ عَطاءً يُرَدُّ في آخِرِها إلى صِفةٍ في المُعطي، و«كانَ» تُثبِتُ الصِّفَتَينِ قائمَتَينِ غَيرَ مَحصورَتَينِ في زَمَنٍ مَضى. و«غَفور» على «فَعول»، بِناءٍ يَدُلُّ على كَثرةِ الفِعل، و«رَحيم» على «فَعيل»، بِناءٍ يَدُلُّ على صِفةٍ ثابِتة، فالمَغفِرةُ والرَّحمةُ المَوعودَتانِ تَصدُرانِ عن سِترٍ كَثيرٍ ورَحمةٍ لازِمة.

وتَعودُ هذه الخاتِمةُ بِلَفظِها في آخِرِ الآيةِ المِئة، بَعدَ ذِكرِ مَن يَخرُجُ مُهاجِراً فيُدرِكُه المَوت، فالاسمانِ يَختِمانِ الكَلامَ على مَن بَذَلَ وعلى مَن خَرَج.


حَصيلة

تُفَصِّلُ الآيةُ الأجرَ العَظيمَ الذي خُتِمَت بِه الآيةُ قَبلَها: دَرَجاتٍ من اللهِ ومَغفِرةً ورَحمة. والدَّرَجةُ من د-ر-ج مَوقِفٌ يُبلَغُ ويُثبَتُ عَلَيه في الصُّعودِ إلى ما فَوقَه، والجَمعُ هُنا بَعدَ إفرادِ الآيةِ الخامِسةِ والتِّسعينَ يَعرِضُ مَنازِلَ فَوقَ مَنازِل، والصِّلةُ بَينَهُما مَفتوحةٌ في العِبارة، و«مِنهُ» تَرُدُّها إلى مُعطيها وإن سُمِّيَت أجراً. والمَغفِرةُ من غ-ف-ر سِترٌ يَصونُ يُعطاه حتّى مَن رُفِع، والرَّحمةُ من ر-ح-م احتِضانٌ يَضُمّ. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِاسمَينِ من الجِذرَينِ نَفسَيهِما، «غَفوراً رَحيماً»، فيُرَدُّ العَطاءُ إلى صِفةٍ قائمةٍ في المُعطي، وهو خِتامٌ يَعودُ في آخِرِ الآيةِ المِئة.