النساء · الآية 95

﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا

«لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»: مُقارَنةٌ داخِلَ جَماعةٍ واحِدة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِنَفيِ الاستِواء: «لا يَستَوي». والاستِواءُ من س-و-ي، أن تَكونَ الأجزاءُ على قَدرٍ واحِدٍ لا يَعلو بَعضُها بَعضاً، و«يَستَوي» على «يَفتَعِل»، وهو هُنا بِمَعنى التَّساوي فِعلٌ لا يَقومُ إلّا بِطَرَفَينِ يُقاسُ أحَدُهُما بِالآخَر. وقد جَمَعَتِ الآيةُ الطَّرَفَينِ في فاعِلٍ واحِدٍ مَعطوفٍ بِالواو: «القاعِدونَ ... والمُجاهِدون»، وفَصَلَت بَينَهُما بِقَيدَينِ يَحُدّانِ الطَّرَفَ الأوَّل: «مِنَ المُؤمِنين» و«غَيرُ أُولي الضَّرَر»، فلا يَبلُغُ السّامِعُ الطَّرَفَ الثّانيَ حتّى يَعرِفَ أيَّ القاعِدينَ يُقصَد. و«مِنَ المُؤمِنينَ» تَضَعُ القاعِدينَ داخِلَ جَماعةِ الإيمانِ نَفسِها، فالمُقارَنةُ جاريةٌ بَينَ فَريقَينِ من أهلِ الأمانِ أنفُسِهِم، والنَّفيُ واقِعٌ على تَساويهِما، ويَبقى لِلقاعِدينَ الاسمُ الذي وُصِفوا بِه.

«الْقَاعِدُونَ» و«الْمُجَاهِدُونَ»: مَوضِعٌ يُلزَم، وطاقةٌ تُفرَغ

والقاعِدونَ من ق-ع-د، والقُعودُ أن يَستَقِرَّ الجِسمُ على ما تَحتَه فيَلزَمَه، وهو خِلافُ القِيام، ومن الجِذرِ «القَواعِدُ» أُسُسُ البِناءِ الثّابِتةُ في الأرض: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾. فالقاعِدُ مَن لَزِمَ مَوضِعَه فلم يَبرَحْه، واسمُهُم في الآيةِ يَصِفُهُم بِهذا اللُّزوم.

والمُجاهِدونَ من ج-ه-د، والجُهدُ ما يَجمَعُه المَرءُ من طاقَتِه ثُمَّ يُفرِغُه حتّى يَبلُغَ أقصاه، وفي الكِتابِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾، أي القَدرَ الذي تَبلُغُه طاقَتُهُم. و«جاهَدَ» على «فاعَلَ»، والمُفاعَلةُ تَجعَلُ هذا البَذلَ في وَجهِ شَيءٍ يُقاوِمُه، فالمُجاهِدُ يُفرِغُ جُهدَه أمامَ ما يُدافِعُه. وقد قُيِّدَ الجُهدُ في الآيةِ بِمَسلَكِه: «في سَبيلِ الله»، وبِما يُبذَلُ فيه: «بِأموالِهِم وأنفُسِهِم»، والباءُ باءُ الآلة، فهُم يُجاهِدونَ بِما يَملِكونَ وبِذَواتِهِم.

فالآيةُ تُقابِلُ بَينَ هَيئَتَين: جِسمٌ لَزِمَ مَوضِعَه وبَقِيَ لَه مالُه ونَفسُه، وطاقةٌ اجتَمَعَت ثُمَّ أُفرِغَت في المالِ والنَّفسِ مَعاً. وقد تَرَدَّدَ الاسمانِ فيها عَدَداً واحِداً: «القاعِدونَ» ثُمَّ «القاعِدينَ» مَرَّتَين، و«المُجاهِدونَ» ثُمَّ «المُجاهِدينَ» مَرَّتَين، فحُضورُ الطَّرَفَينِ في العِبارةِ مُتَكافِئ، والذي يَفتَرِقانِ فيه هو ما بُذِل.

«غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ»: ثِقَلٌ يُمسِكُ صاحِبَه في مَوضِعِه

وبَينَ الطَّرَفَينِ قَيدٌ مَرفوع: «غَيرُ أُولي الضَّرَر». ورَفعُ «غَيرُ» جارٍ على رَفعِ «القاعِدون»، فهو قَيدٌ فيهِم يَحُدُّهُم: القاعِدونَ الذينَ لَيسوا من أولي الضَّرَر. والضَّرَرُ من ض-ر-ر، ثِقَلٌ يَقَعُ على الشَّيءِ فيَسري فيه ويَلزَمُه، و«أولو» بِمَعنى أصحاب، فأولو الضَّرَرِ قَومٌ نَزَلَ بِهِم ثِقَلٌ لازِمٌ يُقعِدُهُم. وقد جاءَ «الضَّرَرُ» مُعَرَّفاً عامّاً، فيَدخُلُ فيه كُلُّ ثِقَلٍ يَنزِلُ بِصاحِبِه فيَحبِسُه عن مِثلِ ما بَذَلَه المُجاهِدون، والكَلِمةُ لا تَرِدُ في غَيرِ هذه الآيةِ من الكِتاب.

فالقُعودُ في الآيةِ قُعودان: قُعودُ مَن أمسَكَه الضَّرَرُ في مَوضِعِه، وقُعودُ مَن لم يُمسِكْه شَيءٌ من ذلك. والقَيدُ يُخرِجُ الأوَّلَ من المُقارَنة، فيَقَعُ نَفيُ الاستِواءِ على الثّاني وَحدَه، وتَبقى مَنزِلةُ أولي الضَّرَرِ بَعدَ خُروجِهِم من هذا النَّفيِ مَفتوحةً في الآية.

«وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ»: وَعدٌ قائمٌ بَينَ زِيادَتَين

ثُمَّ جاءَ بَعدَ النَّفيِ إثباتُ الزِّيادة: «فَضَّلَ اللهُ المُجاهِدينَ بِأموالِهِم وأنفُسِهِم على القاعِدينَ دَرَجةً». والتَّفضيلُ من ف-ض-ل، زِيادةٌ تَفيضُ عن القَدرِ فتَبرُزُ مُتَمَيِّزةً عَنه، و«فَضَّلَ» على «فَعَّلَ» يَجعَلُ هذه الزِّيادةَ عَطاءً يُعطاه فَريقٌ فَوقَ فَريق، وهو الفِعلُ الذي جاءَ في الآيةِ الثّانيةِ والثَّلاثينَ لِما أُعطِيَه بَعضُ النّاسِ زِيادةً على بَعض. وأُعيدَ في هذا التَّفضيلِ قَيدُ «بِأموالِهِم وأنفُسِهِم»، فالزِّيادةُ مَربوطةٌ بِما بُذِل، وقُدِّرَت بِـ«دَرَجةً» نَكِرةً مُفرَدة: مَنزِلةٌ واحِدةٌ فَوقَ مَنزِلة.

ثُمَّ جاءَ قَبلَ التَّفضيلِ الثّاني: «وكُلّاً وَعَدَ اللهُ الحُسنى». و«كُلّاً» مَفعولٌ قُدِّمَ على فِعلِه، وتَنوينُه عِوَضٌ عن المُضافِ إلَيه، أي كُلَّ فَريقٍ من الفَريقَين، فالعِنايةُ واقِعةٌ على الشُّمول. و«الحُسنى» مُؤَنَّثُ «الأحسَن»، صِفةٌ بَلَغَت غايَتَها، يُوصَفُ بِها المَوعودُ ويَبقى مَوصوفُها مَفتوحاً. فالقُعودُ في هذه الآيةِ لم يُخرِجْ أصحابَه من الوَعد، والوَعدُ لم يُسَوِّهِم بِمَن بَذَل. ولا تَرِدُ هذه الجُملةُ في الكِتابِ إلّا في مَوضِعَين: هُنا، وفي الآيةِ العاشِرةِ من سورةِ الحَديد، وهي هُناكَ أيضاً بَعدَ نَفيِ استِواءٍ ودَرَجة: لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾.

ثُمَّ عادَ التَّفضيلُ بِلَفظِه: «وفَضَّلَ اللهُ المُجاهِدينَ على القاعِدينَ أجراً عَظيماً»، وقد خَلا من قَيدِ الأموالِ والأنفُس، وانتَقَلَ مِقدارُه من «دَرَجةً» إلى «أجراً عَظيماً»، والأجرُ عِوَضٌ يُستَحَقُّ بِالعَمَل. فالوَعدُ لِلفَريقَينِ قائمٌ بَينَ تَفضيلَين، وكُلٌّ من التَّفضيلَينِ يُقرَأُ والوَعدُ بِجانِبِه، والأجرُ العَظيمُ مَوصولٌ بِالآيةِ التّاليةِ التي تُفَصِّلُ أجزاءَه.


حَصيلة

تَنفي الآيةُ الاستِواءَ بَينَ فَريقَينِ من المُؤمِنينَ أنفُسِهِم: قاعِدونَ لَزِموا مَواضِعَهُم، ومُجاهِدونَ أفرَغوا طاقَتَهُم في سَبيلِ اللهِ بِأموالِهِم وأنفُسِهِم، وتُخرِجُ من المُقارَنةِ بِـ«غَيرُ» المَرفوعةِ أولي الضَّرَر، وهُم مَن أقعَدَهُم ثِقَلٌ نَزَلَ بِهِم، فيَقَعُ النَّفيُ على مَن قَعَدَ ولم يَحبِسْه شَيء. ثُمَّ تُثبِتُ لِلمُجاهِدينَ زِيادَتَين: دَرَجةً مَربوطةً بِما بَذَلوا، وأجراً عَظيماً تُفَصِّلُه الآيةُ التّالية، وتَضَعُ بَينَهُما وَعداً بِالحُسنى يَعُمُّ الفَريقَين، فالوَعدُ لا يُسَوّي بَينَهُما، والزِّيادةُ لا تُخرِجُ القاعِدينَ من الوَعد.