النساء · الآية 97

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا

«إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ»: أخذٌ تامٌّ على حالٍ ثابِتة

تَنتَقِلُ الآيةُ من المُفاضَلةِ بَينَ مَن بَذَلَ ومَن قَعَدَ إلى ساعةِ الانتِهاء: «إنَّ الذينَ تَوَفّاهُمُ المَلائكة». والتَّوَفّي من و-ف-ي، والوَفاءُ بُلوغُ الشَّيءِ آخِرَه تامّاً، يُقالُ «وَفّى الكَيلَ» إذا أتَمَّه، و«تَوَفّى حَقَّه» إذا أخَذَه كامِلاً، فالمَأخوذونَ يُؤخَذونَ وافِين، لا يَبقى من آجالِهِم شَيءٌ وَراءَهُم. والمَلائكةُ من أ-ل-ك، و«الأَلوك» الرِّسالة، فالآخِذونَ حَمَلةٌ يُؤَدّونَ ما حُمِّلوه.

و«تَوَفّاهُم» يَحتَمِلُ أن يَكونَ فِعلاً ماضِياً، ويَحتَمِلُ أن يَكونَ مُضارِعاً حُذِفَت إحدى تاءَيه، وقد جاءَتِ العِبارةُ بِتاءَيها في سورةِ النَّحل: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾، فالآيةُ تَصلُحُ لِقَومٍ أُخِذوا ولِكُلِّ مَن يُؤخَذُ على حالِهِم. و«ظالِمي أنفُسِهِم» حالُهُم ساعةَ الأخذ، والظُّلمُ من ظ-ل-م، حِجابٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَلزَمُه فيَحبِسُه عن مَوضِعِه، وقد وَقَعَ هُنا على أنفُسِ أصحابِه، فالظّالِمُ والمَظلومُ واحِد. ويَنكَشِفُ هذا الظُّلمُ في الحِوارِ الذي يَلي.

«قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ»: سُؤالٌ عن الحال، وجَوابٌ بِالاستِضعاف

ثُمَّ يَجري حِوارٌ من ثَلاثِ جُمَلٍ يَفتَتِحُ كُلّاً مِنها «قالوا»: الأولى لِلمَلائكة، والثّانيةُ لِلمَأخوذين، والثّالِثةُ لِلمَلائكةِ ثانِيةً، ويُعرَفُ المُتَكَلِّمُ في كُلٍّ مِنها بِما يَقول. وسُؤالُ المَلائكة: «فيمَ كُنتُم»، و«فيمَ» هي «في» دَخَلَت على «ما» الاستِفهاميّةِ فسَقَطَت ألِفُها، فالسُّؤالُ واقِعٌ على الحالِ التي كانوا فيها والأمرِ الذي كانوا عَلَيه. وكُلُّ جُملةٍ من الجُمَلِ الثَّلاثِ قائمةٌ على «كانَ»: «كُنتُم»، ثُمَّ «كُنّا»، ثُمَّ «ألم تَكُن»، فالحِوارُ حِسابٌ على ما كانَ، يُسأَلُ فيه عن الحالِ الماضيةِ ويُجابُ بِها ويُرَدُّ الجَوابُ بِها.

وجاءَ جَوابُهُم بِحالٍ ومَكان: «كُنّا مُستَضعَفينَ في الأرض». و«مُستَضعَفين» اسمُ مَفعولٍ من «استَضعَف»، و«استَضعَفَه» وَجَدَه ضَعيفاً فعامَلَه على ذلك، فالضَّعفُ في جَوابِهِم واقِعٌ عَلَيهِم من خارِجِهِم، وهُم مَحَلٌّ لَه. و«في الأرضِ» تَربِطُ هذا الاستِضعافَ بِالمَكانِ الذي كانوا فيه.

«أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا»: أرضٌ تَتَّسِعُ لِمَن يَنتَقِل

فرَدَّتِ المَلائكةُ الجَوابَ بِسُؤالٍ يُقَرِّرُ ولا يَستَخبِر: «ألم تَكُن أرضُ اللهِ واسِعةً فتُهاجِروا فيها». وقد أخَذَتِ المَلائكةُ من جَوابِهِم كَلِمةَ «الأرض» وأضافَتها إلى الله، فالأرضُ التي استُضعِفوا فيها بَعضٌ من أرضٍ كُلُّها لله، والبُقعةُ التي ضاقَت بِهِم جُزءٌ من أرضٍ «واسِعة». والسَّعةُ من و-س-ع، احتِواءٌ يَمتَدُّ فيَتَّسِعُ ويَظهَر، فالأرضُ تَحتَوي مَن يَنتَقِلُ فيها ولا تَضيقُ عَنه. وتَرِدُ العِبارةُ نَفسُها خَبَراً في سورةِ الزُّمَر: وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾، وتَرِدُ هُنا بَعدَ «ألم تَكُن» سُؤالاً يُطرَحُ على مَن لم يَنتَقِل.

و«فتُهاجِروا» مَنصوبٌ بَعدَ فاءٍ تَجعَلُ الهِجرةَ مُسَبَّبةً عن سَعةِ الأرض: كانَت واسِعةً فكانَ في وُسعِكُم أن تُهاجِروا، والوُسعُ من الجِذرِ نَفسِه. والهِجرةُ من ه-ج-ر، أن يُخلِيَ المَرءُ مَكانَه ويَمضيَ إلى جَماعةٍ أُخرى، و«هاجَرَ» على «فاعَلَ»، والمُفاعَلةُ تَجعَلُ المُفارَقةَ بَينَ طَرَفَين: مَن يَخرُجُ، ومَن يُترَكُ وَراءَه. وقالَتِ المَلائكةُ «فيها»، وأوثِرَت «في» على «مِن»، فالهِجرةُ انتِقالٌ داخِلَ الأرضِ الواسِعةِ نَفسِها، من بُقعةٍ إلى بُقعة، والبُقعَتانِ كِلتاهُما أرضُ الله.

«فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا»: مَكانٌ يُقابِلُ المَكانَ الذي لم يُترَك

ثُمَّ جاءَ الحُكمُ مَربوطاً بِالفاء: «فأولئك مأواهم جهنم»، و«أولئك» تَعودُ على الذينَ افتُتِحَت بِهِمُ الآية، فيَأتي الحُكمُ بَعدَ أن سُمِعَ الحِوارُ كُلُّه. والمَأوى من أ-و-ي، ضَمٌّ يُحيطُ بِالمَضمومِ ويَدومُ عَلَيه، و«أوى إلى المَكانِ» انضَمَّ إلَيه فاحتَواه، و«المَأوى» على «مَفعَل» اسمٌ لِمَوضِعِ هذا الانضِمام. وقد جَرى الحِوارُ كُلُّه على المَكان: «في الأرض»، ثُمَّ «أرضُ اللهِ واسِعةً»، ثُمَّ «فتُهاجِروا فيها»، ثُمَّ جاءَ الحُكمُ بِمَكانٍ آخَر: مَوضِعٌ يَنضَمّونَ إلَيه بَعدَ أن لم يَنتَقِلوا إلى أرضٍ كانَت تَسَعُهُم.

وفي الكِتابِ مَوضِعٌ آخَرُ يَقتَرِنُ فيه الاستِضعافُ في الأرضِ بِالإيواء: إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، ثُمَّ فَآوَاكُمْ﴾، والجِذرُ هُناكَ وهُنا واحِد، والمَأوى مُختَلِف. ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِـ«وساءَت مَصيراً»، و«ساءَت» فِعلُ ذَمٍّ يَعودُ ضَميرُه على جَهَنَّم، و«مَصيراً» يُبَيِّنُ الجِهةَ التي يَقَعُ فيها الذَّمّ، والمَصيرُ من ص-ي-ر، ما يَنتَهي إلَيه الشَّيءُ بَعدَ تَحَوُّلِه، فالآيةُ تَختِمُ بِما انتَهَوا إلَيه.


حَصيلة

تَصِفُ الآيةُ قَوماً تَأخُذُهُمُ المَلائكةُ، حَمَلةُ الرِّسالة، أخذاً تامّاً وهُم ظالِمو أنفُسِهِم، ثُمَّ تَروي حِواراً من ثَلاثِ جُمَلٍ كُلُّها على «كانَ»: سُؤالٌ عن الحالِ التي كانوا فيها، وجَوابٌ بِأنَّهُم كانوا مُستَضعَفينَ في الأرض، والضَّعفُ في لَفظِه واقِعٌ عَلَيهِم من غَيرِهِم، ثُمَّ سُؤالٌ يُقَرِّرُ أنَّ أرضَ اللهِ كانَت واسِعةً تَحتَوي مَن يَنتَقِلُ فيها. فيَنكَشِفُ الظُّلمُ في الحِوارِ نَفسِه: البَقاءُ في بُقعةٍ ضاقَت بِهِم وفي الأرضِ سَعة. ثُمَّ يَأتي الحُكمُ بِمَكانٍ يَنضَمّونَ إلَيه، «مأواهم جهنم»، بَعدَ أن تَرَكوا الانتِقالَ إلى أرضٍ كانَت تَسَعُهُم، ويُختَمُ بِذَمِّ ما انتَهَوا إلَيه.