الإسراء · الآية 72

﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا

«فِي هَٰذِهِ»: إشارةٌ بِلا مُشارٍ إليه مَنطوق

اسمُ إشارةٍ مُؤَنَّثٌ بِلا مَوصوفٍ بَعدَه. لم يُقَلْ «في هذه الدّار»، ولا «في هذه الحَياة». قيلَ «فِي هَٰذِهِ» ووُقِفَ.

والذي يُعَيِّنُ المُرادَ هو ما يُقابِلُه في الشَّطرِ الثّاني: «فِي الْآخِرَةِ». الطَّرَفُ الثّاني مُسَمّىً، والأوَّلُ مُشارٌ إليه فَحَسب. وهذا يُناسِبُ الحال: ما أنتَ فيه لا يُحتاجُ إلى اسمِه، يَكفي أن تُشيرَ إليه؛ وما لَستَ فيه لا بُدَّ من تَسمِيَتِه.

و«الْآخِرَةِ» من أ-خ-ر: ما يَقَعُ وَراءَ الأوَّلِ ويَمتَدُّ بَعدَه. فالتَّقابُلُ في الآيةِ بَينَ حاضِرٍ يُشارُ إليه وآتٍ يُسَمّى بِمَوقِعِه من التَّرتيب.

«أَعْمَىٰ» الأولى: خَبَرُ «كانَ» ووَصفُ حالٍ قائِمة

الجُملةُ شَرطِيّة: فِعلُ شَرطٍ صَدرُهُ «مَن كَانَ»، وجَوابٌ صَدرُهُ «فَهُوَ». والأولى خَبَرٌ لِـ«كانَ» في فِعلِ الشَّرط، فهي وَصفٌ ثابِتٌ لا حَدَثٌ يَجري.

و ع-م-ي التِباسٌ يَعُمُّ فلا تَتَمَيَّزُ فيه المَعالِم، ومنه «عَمِيَ عَلَيه الخَبَرُ» التَبَسَ فلَم يَجِدْ لَه وَجهاً، و«الأمرُ العَمِيُّ» الذي لا وَجهَ لَه. فالعَمى في الجَذرِ ذَهابُ الفَرقِ لا ذَهابُ الضَّوءِ وَحدَه: تَبقى الأشياءُ ولا يَبقى ما يُميِّزُ بَعضَها من بَعض.

و«أَعْمَىٰ» على وَزنِ أفعَل، وهو في هذا اللَّفظِ وَزنُ الصِّفةِ المُشَبَّهةِ الدّالّةِ على خِلقةٍ أو نَقصٍ لازِم، كَما يُقالُ أعرَجُ وأحوَل. فالصّيغةُ نَفسُها تُشبِهُ صيغةَ التَّفضيل، وهُنا مَوضِعُ الاشتِباه.

«أَعْمَىٰ» الثّانِية: تُشبِهُ أفعَلَ التَّفضيلِ ولَيسَت مِنه

تُعادُ الكَلِمةُ بِحَرفِها في الشَّطرِ الثّاني، فيَسبِقُ إلى الذِّهنِ أنَّها صارَت تَفضيلاً، أي «أشَدَّ عَمىً». والآيةُ نَفسُها تَرُدُّ هذا، والدَّليلُ فيها لا خارِجَها.

انظُرْ إلى ما عُطِفَ عَلَيها: «وَأَضَلُّ سَبِيلًا». هذه أفعَلُ تَفضيلٍ بِلا شَكّ، وعَلامَتُها مَنطوقةٌ بَعدَها: تَمييزٌ مَنصوبٌ «سَبِيلًا» يُبَيِّنُ في أيِّ شَيءٍ وَقَعَتِ الزِّيادة. والأولى لَم يَلحَقْها تَمييز. فرَقٌ في البِناءِ يُرى بِالعَين: واحِدةٌ لَها ما يَلزَمُ التَّفضيلَ، وواحِدةٌ لَيسَ لَها.

فالعَطفُ جَمَعَ بَينَهُما في الجُملةِ ولَم يَجمَعْ بَينَهُما في البابِ. وهذا يُبَدِّلُ مَعنى الآيةِ كُلَّه: لَيسَ في الشَّطرِ الثّاني عَمىً أزيَدُ من عَمى الشَّطرِ الأوَّل. الوَصفُ يُنقَلُ كَما هو، بِلَفظِه ومِقدارِه، من مَوضِعٍ إلى مَوضِع. الذي يَزيدُ شَيءٌ آخَر.

ومَن سَوّى بَينَهُما فقَرَأَ الثّانِيةَ تَفضيلاً قالَ إنَّ العَمى يَتَضاعَف. والآيةُ تَقولُ ما هو أثقَل: العَمى هو هو، لا يَنقُصُ ولا يَزيد، وإنَّما تَزيدُ المَسافة.

«وَأَضَلُّ سَبِيلًا»: الزِّيادةُ تَقَعُ على الطَّريقِ لا على البَصَر

«أَضَلُّ» من ض-ل-ل: امتِدادٌ يَذهَبُ فيه الشَّيءُ عن ذاتِه. وهي صيغةُ تَفضيلٍ لِأنَّ الجَذرَ لَيسَ من بابِ الخِلقةِ التي تُبنى على أفعَل، فلا يُشتَبَهُ فيها كَما اشتُبِهَ في أُختِها.

و«سَبِيلًا» تَمييزٌ يُحَدِّدُ مَوقِعَ الزِّيادة. و س-ب-ل مَجرىً مُتَّصِلٌ يَمتَدُّ إلى وِجهَة. فالمُقارَنةُ إذاً في الطَّريقِ لا في العَين.

وهذا يَستَقيمُ مَعَ الجَذرَين: العَمى ذَهابُ التَّمييزِ في المَوضِعِ الذي أنتَ فيه، والضَّلالُ ذَهابُ الشَّيءِ عن ذاتِه في امتِدادِ الطَّريق. فالأوَّلُ حالٌ في المَكان، والثّاني مِقدارٌ في المَسير. ولذلك جازَ في الثّاني أن يُقالَ «أكثَر» ولَم يَجُزْ في الأوَّل.

من لا يُفَرِّقُ حَيثُ هو الآنَ لا يَزدادُ عَدَمَ تَفريقٍ حينَ يَنتَقِل؛ يَزدادُ بُعداً عن الطَّريق.


حَصيلة

طَرَفانِ: أوَّلُهُما مُشارٌ إليه بِلا اسمٍ لِأنَّ صاحِبَه فيه، وثانيهِما مُسَمّىً بِمَوقِعِه من التَّرتيب. والوَصفُ في الطَّرَفِ الأوَّلِ خَبَرُ «كانَ»، حالٌ قائِمةٌ لا حَدَثٌ يَجري: التِباسٌ يَعُمُّ فتَذهَبُ فيه فُروقُ الأشياء. ثُمَّ يُعادُ اللَّفظُ نَفسُه في الطَّرَفِ الثّاني، وصيغَتُه تُشبِهُ التَّفضيلَ ولَيسَت مِنه، والدَّليلُ في الآيةِ نَفسِها: ما عُطِفَ عَلَيها تَفضيلٌ مَحضٌ لَحِقَهُ تَمييزٌ مَنصوبٌ «سَبِيلًا»، وهي لَم يَلحَقْها تَمييز. فالعَطفُ جَمَعَ الكَلِمَتَينِ في الجُملةِ ولَم يَجمَعهُما في البابِ، ومَن سَوّى بَينَهُما جَعَلَ العَمى يَتَضاعَفُ حَيثُ جَعَلَتهُ الآيةُ يُنقَلُ بِحالِه. الحالُ تَمضي كَما هي، والزِّيادةُ تَقَعُ على الطَّريقِ وَحدَه. مَن لا يُفَرِّقُ حَيثُ هو لا يَزدادُ عَمىً حينَ يَنتَقِل، بَل يَزدادُ بُعداً عن المَجرى.